تخطَّ إلى المحتوى
العالم الطبيعي

الدودو

الطائر المنقرض الذي لا يطير، وصفه ريتشارد أوين من عظامه سنة 1866.

الدودو طائر أرضي لا يطير عاش في موريشيوس، وأعاد ريتشارد أوين في مذكّرته سنة 1866 بناء هيكله من بقايا محدودة، ورأى أن فقدان الطيران وعزلة الجزيرة سبقا انقراضه.

نموذج مجسّم ملوّن للدودو على خلفية سوداء
إعادة بناء حديثة للدودو، حمامة موريشيوس العاجزة عن الطيران. · Wikimedia Commons · CC0
أول وصف1598
الحجم في أول وصفبحجم البجع
في هذا المقال
  1. 1نظرة عامة
  2. 2التسمية وأولى الروايات
  3. 3المواد التي عمل عليها أوين
  4. 4الهيكل والجمجمة
  5. 5الدماغ والخلايا الهوائية
  6. 6فقدان الطيران
  7. 7الغذاء والجزر
  8. 8وصول الإنسان والانقراض
  9. 9المقارنة بالطيور العاجزة عن الطيران
  10. 10ما بقي من الدودو
  11. 11حقائق أساسية
  12. 12أسئلة شائعة
  13. 13خط زمني
  14. 14خريطة المعرفة

نظرة عامة

كان الدودو طائر موريشيوس الذي لا يطير، وصفه ريتشارد أوين سنة 1866 في مذكّرة خصّصها لبنية هذا الطائر المنقرض. وقد ورد في أوّل وصف له أنه كان بحجم البجع، وذلك في وصف يعود إلى سنة 1598، أي إلى عصر بدأت فيه الرحلات الأوروبية تصل إلى الجزيرة وتنقل أخبار ما فيها. وتكمن أهمية مذكّرة أوين في أنها حاولت أن تعيد بناء صورة الطائر اعتماداً على ما بقي منه، إذ لم يكن أمام الباحثين في ذلك الحين سوى بقايا محدودة، منها الرأس والقدم المحفوظان في متحف أشموليان بأكسفورد. فكانت هذه المذكّرة محاولة لتفسير بنية الدودو انطلاقاً من تلك الشواهد القليلة، ولذلك تُعدّ وثيقة مهمة في تاريخ دراسة الطائر. 1Memoir on the Dodo (Didus ineptus, Linn.) · Taylor and Francis, London (via Biodiversity Heritage Library) ↗

هيكل الدودو ومجسّمه في متحف جامعة أكسفورد للتاريخ الطبيعي
هيكل عظمي مصبوب (يساراً) ومجسّم حيّ (يميناً) للدودو في متحف جامعة أكسفورد للتاريخ الطبيعي. وقد عمل أوين بأقل من هذا بكثير. · Wikimedia Commons · CC BY 2.0

وقد انتبه أوين إلى ما حلّ بجناح الدودو، فوصفه بأنه صار ثلاث أو أربع أقلام سوداء صغيرة، وهو ما يشير إلى ضمور عضو الطيران عنده. غير أن هذا الضمور لم يكن العلامة الوحيدة على حال الطائر، فقد لاحظ أوين أن مضغ الطعام كان يتمّ في القصبة والقلب، أي في المعدة، مما يدلّ على أن الجهاز الهضمي كان يقوم بدور كبير في طحن الغذاء. وفي هذا إشارة إلى نمط حياة أرضي اعتمد على ما تجمعه الطيور من غذاء في بيئة الجزيرة. 1

ثم انتقل أوين إلى النظر في الجمجمة، فوصفها بأنها جمجمة طائر أرضي ثقيل، وقارن حجم الدماغ فيها بحجمه عند حمام التاج (Goura)، فوجد أن الدودو يمثّل عضواً منحطاً في سلسلة الطيور. وقد ربط هذا الانحطاط بغياب الأعداء القاتلين في الجزيرة، وبوصول الإنسان حديثاً إليها، وبإهمال الأجنحة عن الطيران. فحجّة أوين إذن تقوم على أن العزلة التي حمت الطائر من الأعداء هي نفسها التي أفسحت المجال لضمور أعضائه، وأن مجيء الإنسان غيّر هذا التوازن. 1

وهكذا تُقرأ مذكّرة أوين لا كوصف عابر لطائر منقرض، بل كمحاولة لتفسير الانحطاط العضوي في بيئة معزولة، تجمع بين ملاحظة البقايا القليلة واستنتاج الأسباب. وهي بهذا المعنى تسبق كثيراً من الأسئلة التي شغلت علماء الأحياء بعد ذلك حول علاقة البيئة بشكل الكائن الحي. 1

1. التسمية وأولى الروايات

تسمية الدودو وأولى الروايات عنه مرتبطتان برحلة هولندية وصلت إلى موريشيوس سنة 1598، وهي السنة نفسها التي يعود إليها أول وصف معروف للطائر. وقد جاء في ذلك الوصف أنه كان بحجم البجع، وهو تشبيه يضع الطائر في مصافّ الطيور الكبيرة المعروفة للأوروبيين، ويكشف عن دهشة الواصفين أمام حجمه غير المألوف. غير أن هذا الوصف لا يقف عند الحجم، بل يمضي إلى تفصيل في بنية الجناح، إذ يذكر أن ما بقي منه صار ثلاث أو أربع أقلام سوداء صغيرة، وهي صورة تختصر مصير عضو الطيران عند طائر لم يعد يحتاجه. 1

رسمان لرأس الدودو: من نموذج أكسفورد ومن إعادة بناء
رأس الدودو: أعلى من النموذج المحفوظ في متحف أشموليان بأكسفورد، وأسفل إعادة بناء عن لوحة إدواردز. لوحة من كتاب ستريكلاند عن الدودو (1848). · H. Dinkel / Strickland, The Dodo and its Kindred (1848) · Public domain

ومن هذا الوصف نفسه انبثقت التسمية الهولندية «Walgh-Vogel»، وهي تسمية تحمل في بنيتها إشارة إلى ما لاحظه الواصفون الأوائل من طبيعة الطائر وغذائه. لذلك يمكن القول إن الرواية الهولندية سنة 1598 لم تكن مجرّد تسجيل عابر لحيوان غريب، بل كانت أول صياغة مكتوبة تجمع بين وصف الهيئة ووصف العادات، ومنها استمدّ الطائر اسمه الأول في السجل الأوروبي. 1

غير أن هذه الرواية الأولى ظلّت محدودة المدى، لأنها لم تكن مبنية على تشريح ولا على مقارنة، وإنما على مشاهدة سطحية في بيئة الجزيرة. وبالتالي فإن ما قدّمه الواصفون الهولنديون يظلّ شهادة أولية ذات قيمة تاريخية، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير بنية الطائر. وقد كان على الباحثين اللاحقين، ومنهم ريتشارد أوين سنة 1866، أن يعودوا إلى ما بقي من الطائر لاستكمال الصورة التي بدأتها تلك الرواية. 1

وهكذا تتصل التسمية الأولى بالرواية الأولى اتصالاً وثيقاً، فكلتاهما تنتمي إلى لحظة واحدة من لقاء الأوروبيين بموريشيوس وحيواناتها. في المقابل، فإن هذه اللحظة لا تُغني عن النظر في البقايا التي درستها مذكّرة أوين، والتي كانت الأساس الذي انطلق منه لتفسير حال الطائر. 1

2. المواد التي عمل عليها أوين

لم تكن المادة التي اشتغل عليها أوين في متناوله إلا بقايا قليلة، إذ لم يبقَ من الطائر إلا الرأس والقدم، وهما محفوظتان في أكسفورد. وتُعدّ هذه الندرة عاملاً حاسماً في تشكيل منهجه، لأنها حرمته من الهيكل العظمي الكامل الذي يتيح للباحث أن يتحقق من نسب الأعضاء بعضها إلى بعض، فاضطرّ إلى أن يبني استنتاجاته على شاهدين محدودين، وأن يستنطق ما لديه من تفاصيل تشريحية دقيقة بدلاً من الاعتماد على المقارنة الشاملة بين الهياكل. 1

لوحة إدواردز للدودو سنة 1758، وعليها اسم الرسّام
لوحة جورج إدواردز للدودو، وعليها «The Dodo & given by G. Edwards F.R.S. 1758». وقد عدّها أوين من الشواهد المصوّرة على الطائر. · George Edwards, 1758 · Public domain

وقد انعكس هذا الضيق في المادة على طريقة تناوله الرأس، فقاس أبعاده الثلاثة: عرضاً وطولاً وارتفاعاً، ثم نظر في العظم الجبهي فوجد أن العضلة فيه تتجاوز قطر ذلك العظم، وهو ما يشير إلى بنية قوية تدعم الفكّ. غير أن هذه القياسات، على دقتها، ظلّت مقتصرة على جزء من الجمجمة، ولم تمكّنه من رسم صورة كاملة للجهاز العضلي أو للعلاقة بين الجمجمة وبقية الهيكل. 1

أما القدم فقد أتاحت له ملاحظة طول الأصابع، إذ بلغ طول الإصبع فيها بوصتين، وهو ما يتفق مع تصوّر طائر ثقيل يتحرك على الأرض. غير أن هذه الملاحظة، شأنها شأن ملاحظات الرأس، بقيت جزئية، لأن القدم وحدها لا تكشف عن آلية الحركة كلها، ولا عن وزن الطائر ولا عن توازنه. لذلك كان على أوين أن يستخلص من هذه الشواهد المتفرقة ما يمكن استخلاصه، وأن يترك ما لا تدعمه المادة دون أن يملأ الفراغ بتخمين. 1

وهكذا يظهر أثر ندرة المادة في منهج أوين ظهوراً واضحاً: فقد اضطُرّ إلى الانتقال من الوصف التشريحي المباشر إلى الاستنتاج المقارن، وإلى تعويض غياب الهيكل الكامل بتكثيف النظر في الجزء المتاح. وبالتالي فإن قيمة مذكّرته لا تقوم على شمول المادة، بل على ما استطاع أن يستخرجه من بقايا محدودة، وهو ما يجعلها وثيقة في منهج البحث بقدر ما هي وثيقة في وصف الطائر. 1

وليس هذا المنهج في الاستدلال من بقية صغيرة على حيوان كامل مقصوراً على الدودو؛ فقد طُبّق مثلاً على الميغالودون، وهو قرش منقرض أُعيد بناؤه في معظمه من أسنانه. 1

3. الهيكل والجمجمة

تكشف بقايا الهيكل العظمي التي وصفها ريتشارد أوين سنة 1866 عن طائر ثقيل ينتمي إلى فئة طيور الأرض، وهي صفة تتجلى في الجمجمة قبل غيرها من الأعضاء. فقد بلغ عرض الجمجمة ثلاثة بوصات وثماني خطوط، وهو اتساع نسبي يدعم تصوّر رأس ضخم يحمل منقاراً ثقيلاً. غير أن هذا الاتساع لا يعني ضخامة الدماغ بالضرورة، إذ يقارن أوين حجم الدماغ بحجمه عند حمام التاج (Goura)، فيشير بذلك إلى أن كتلة الجمجمة الكبيرة لا تقابلها كتلة دماغية مماثلة. ومن هنا يتضح أن ثقل الرأس عند الدودو ناتج عن بنية عظمية كثيفة لا عن تطور مراكز عصبية، وهو ما يتفق مع تصنيفه طائراً أرضياً ثقيلاً. 1

هيكل الدودو ومجسّمه في متحف جامعة أكسفورد للتاريخ الطبيعي
هيكل عظمي مصبوب (يساراً) ومجسّم حيّ (يميناً) للدودو في متحف جامعة أكسفورد للتاريخ الطبيعي. وقد عمل أوين بأقل من هذا بكثير. · Wikimedia Commons · CC BY 2.0
رسمان لرأس الدودو: من نموذج أكسفورد ومن إعادة بناء
رأس الدودو: أعلى من النموذج المحفوظ في متحف أشموليان بأكسفورد، وأسفل إعادة بناء عن لوحة إدواردز. لوحة من كتاب ستريكلاند عن الدودو (1848). · H. Dinkel / Strickland, The Dodo and its Kindred (1848) · Public domain

وقد نظر أوين في العظم الجبهي فوجد أن العضلة فيه تتجاوز قطر ذلك العظم، وهي ملاحظة تشريحية دقيقة تشير إلى قوة العضلات التي تحرّك الفكّ وتدعم المنقار الثقيل. فالثقل الذي يظهر في اتساع الجمجمة يجد تفسيره في هذه البنية العضلية الكثيفة، إذ إن منقاراً بهذا الحجم يحتاج إلى مرتكز عضلي متين. وبذلك تترابط ملاحظة العظم الجبهي مع قياس عرض الجمجمة في صورة واحدة: رأس كبير يحمل منقاراً ثقيلاً، تدعمه عضلات قوية تنغرس في عظم يتجاوز سمكه ما هو معتاد. 1

غير أن هذه الصورة تظل محدودة المدى، لأن المادة التي اشتغل عليها أوين لم تكن هيكلاً كاملاً، بل بقايا قليلة لم يبقَ منها إلا الرأس والقدم المحفوظتان في متحف أشموليان بأكسفورد. لذلك كان عليه أن يستنطق الجزء المتاح بدلاً من أن يقارن أعضاء الهيكل بعضها ببعض. وفي هذا السياق تأتي ملاحظة طول الإصبع، إذ بلغ طوله بوصتين، وهي قيمة تتسق مع تصوّر طائر ثقيل يتحرك على الأرض ولا يعتمد على الطيران. فقِصر الأصابع نسبياً وثقل الجسم يجعلان الحركة الأرضية هي نمط العيش الغالب، وهو ما يفسّر بدوره ضمور الجناح الذي صار ثلاث أو أربع أقلام سوداء صغيرة. 1

وهكذا تنتهي ملاحظات أوين التشريحية إلى نتيجة تفسيرية واحدة: أن الدودو عضو منحطّ من أعضاء طيور الأرض، وأن انحطاطه مرتبط ببيئته الجزيرة التي حرمته من أعداء قاتلين، فاستغنى عن الطيران وتركّز ثقل بنيته في الرأس والقدم. غير أن هذا التفسير ظلّ رهيناً بشاهدين محدودين، فلم يكن أمام أوين من سبيل إلى تعويض غياب الهيكل الكامل سوى تكثيف النظر في التفاصيل الدقيقة، وهو ما يجعل قيمته منهجية بقدر ما هي وصفية. 1

4. الدماغ والخلايا الهوائية

يقدّم قياس القحف عند الدودو مفتاحاً لفهم بنية رأسه، إذ بلغ عرضه بوصة واحدة وستة خطوط، وهو اتساع لا يوازيه ارتفاع القحف الذي اقتصر على بوصة واحدة، ولا يقابله طوله الذي بلغ بوصة وثماني خطوط. غير أن هذه الأبعاد لا تُقرأ إلا في مقابل ما لاحظه أوين في العظم الشبيه بالشهد، حيث تتجاوز العضلة فيه قطر ذلك العظم. فالثقل الذي تحمله الجمجمة إنما يعود إلى كثافة البنية العظمية والمرتكزات العضلية، لا إلى كتلة عصبية مماثلة. لذلك كان من الطبيعي أن يقارن أوين حجم الدماغ بحجمه عند حمام التاج، فيكشف هذا التقابل أن ضخامة الرأس لا تعني ضخامة المخ. وبالتالي يتبيّن أن الدودو طائر أرضي ثقيل، تتجمع ثقله في عظامه وعضلاته لا في مراكزه العصبية. 1

وتتصل هذه الملاحظة بفكرة الانحطاط التي بنى عليها أوين تفسيره، فقد عدّ الدودو عضواً منحطاً من أعضاء طيور الأرض، وربط هذا الانحطاط ببيئته الجزيرة التي حرمته من أعداء قاتلين. فغياب الخطر الخارجي أتاح له الاستغناء عن الطيران، وتركّز ثقل بنيته في الرأس والقدم بدلاً من أن يتوزع على أعضاء الحركة الجوية. غير أن هذا التفسير ظل رهيناً بالمادة المتاحة، فلم يكن أمام أوين من سبيل إلى تعويض غياب الهيكل الكامل سوى تكثيف النظر في التفاصيل الدقيقة، وهو ما يجعل قيمته منهجية بقدر ما هي وصفية. 1

5. فقدان الطيران

لم يكن طائر بحجم الدودو، الذي وصفه الرحّالة الأوائل بأنه بحجم بجعاتنا، قادراً على النهوض بالطيران؛ فالجسم الضخم يستلزم أجنحة واسعة تحمله، لكن ما بقي من جناحه لم يكن سوى ثلاث أو أربع أقلام سوداء صغيرة، وهي بنية لا تصلح لدفع جسم ثقيل في الهواء. لذلك اتجه نظر أوين إلى تفسير هذا الضمور لا بوصفه نقصاً عارضاً، بل بوصفه نتيجة طبيعية لظروف عيش خالية من الضغط. 1

وقد ربط أوين بين هذا الضمور وبين بيئة الجزيرة التي نشأ فيها الطائر؛ فغياب الأعداء القاتلين أزال الحاجة إلى الفرار بالطيران، فتراخى العضو بالإهمال وتركّز ثقل البنية في الرأس والقدم. غير أن هذا التفسير لم يكن مجرد استنتاج نظري، بل استند إلى قراءة تشريحية في البقايا القليلة المتاحة، إذ لم يبقَ من الطائر إلا الرأس والقدم المحفوظتان في متحف أشموليان بأكسفورد، فكان على أوين أن يستنطق الجزء بدلاً من أن يقارن أعضاء الهيكل بعضها ببعض. 1

وفي هذا السياق تأتي ملاحظته عن طول الإصبع، إذ بلغ بوصتين، وهي قيمة تتسق مع تصوّر طائر ثقيل يتحرك على الأرض؛ فقِصر الإصبع نسبياً مع ثقل الجسم يجعل الحركة الأرضية هي نمط العيش الغالب. ويضاف إلى ذلك ما لاحظه في الصدر والقانصة من بنية تصلح لمضغ غذاء وفير، وهو ما يتفق مع طائر يقيم على الأرض ولا يعتمد على الطيران في تحصيل قوته. 1

وهكذا انتهى أوين إلى عدّ الدودو عضواً منحطاً من أعضاء طيور الأرض، وإلى ربط انحطاطه ببيئته الجزيرة التي حرمته من أعداء قاتلين، فاستغنى عن الطيران بالإهمال. غير أن هذه النتيجة ظلت رهينة بمادة محدودة، ولم يكن أمامه من سبيل إلى تعويض غياب الهيكل الكامل سوى تكثيف النظر في التفاصيل الدقيقة، وهو ما يجعل قيمته منهجية بقدر ما هي وصفية. 1

6. الغذاء والجزر

تقع موريشيوس في المحيط الهندي، وقد وجد طائر الدودو فيها بيئة خالية من الأعداء القاتلين، وهي الحالة التي ربطها أوين بانحطاط الطائر وفقدانه القدرة على الطيران. فغياب الخطر الخارجي أتاح له الاستغناء عن الأجنحة في الفرار، فتراخى العضو بالإهمال، وتركّز ثقل البنية في الرأس والقدم بدلاً من أن يتوزع على أعضاء الحركة الجوية. غير أن هذا التفسير لم يكن مجرد استنتاج نظري، بل استند إلى قراءة تشريحية في البقايا القليلة المتاحة، إذ لم يبقَ من الطائر إلا الرأس والقدم المحفوظتان في متحف أشموليان بأكسفورد، فكان على أوين أن يستنطق الجزء بدلاً من أن يقارن أعضاء الهيكل بعضها ببعض. 1

وفي هذا السياق تأتي ملاحظته عن بنية الصدر والقانصة، إذ وجد فيهما ما يصلح لمضغ غذاء وفير، وهو ما يتفق مع طائر يقيم على الأرض ولا يعتمد على الطيران في تحصيل قوته. ويضاف إلى ذلك ما لاحظه في الإصبع، إذ بلغ طوله بوصتين، وهي قيمة تتسق مع تصوّر طائر ثقيل يتحرك على الأرض؛ فقِصر الإصبع نسبياً مع ثقل الجسم يجعل الحركة الأرضية هي نمط العيش الغالب. وهكذا تتكامل قراءة أعضاء الغذاء مع قراءة أعضاء الحركة لتؤكد أن الدودو كان طائراً أرضياً ثقيلاً، تتجمع ثقته في عظامه وعضلاته لا في مراكزه العصبية. 1

وقد ربط أوين بين هذا الضمور وبين بيئة الجزيرة التي نشأ فيها الطائر؛ فغياب الأعداء القاتلين أزال الحاجة إلى الفرار بالطيران، فتراخى العضو بالإهمال وتركّز ثقل البنية في الرأس والقدم. غير أن هذا التفسير ظل رهيناً بالمادة المتاحة، فلم يكن أمام أوين من سبيل إلى تعويض غياب الهيكل الكامل سوى تكثيف النظر في التفاصيل الدقيقة، وهو ما يجعل قيمته منهجية بقدر ما هي وصفية. 1

وهكذا انتهى أوين إلى عدّ الدودو عضواً منحطاً من أعضاء طيور الأرض، وإلى ربط انحطاطه ببيئته الجزيرة التي حرمته من أعداء قاتلين، فاستغنى عن الطيران بالإهمال. غير أن هذه النتيجة ظلت رهينة بمادة محدودة، ولم يكن أمامه من سبيل إلى تعويض غياب الهيكل الكامل سوى تكثيف النظر في التفاصيل الدقيقة، وهو ما يجعل قيمته منهجية بقدر ما هي وصفية. 1

7. وصول الإنسان والانقراض

يُنهي وصول الإنسان حياة الدودو في حجّة أوين لا بفعل الصيد المباشر، بل بشرطٍ بنيوي سبق مجيئه: غياب الأعداء القاتلين في موريشيوس. ففي جزيرةٍ خاليةٍ من الضواري، لم يجد الطائر ما يدفعه إلى الفرار بالطيران، فتراخى عضوه بالإهمال، واستغنى عن الأجنحة في النجاة. غير أن هذا الاستغناء لم يكن محايداً، بل جعل الطائر رهيناً بشرطٍ واحدٍ لا يحتمل التغيير: استمرار العزلة التي أنتجته. لذلك فإن مجيء الإنسان، وهو حدثٌ حديثٌ في عمر الجزيرة، لم يكن مجرّد إضافةٍ إلى بيئةٍ قائمة، بل كان إلغاءً للشرط الذي جعل الطائر قادراً على البقاء. وبالتالي انقلب ما كان سبب نجاته إلى سبب فنائه، إذ لم يعد أمام طائرٍ أهدر عضلات طيرانه من سبيلٍ إلى الفرار حين تغيّر محيطه. 1

وفي هذا الإطار تتضح دلالة وصف أوين للدودو بأنه عضو منحط من أعضاء طيور الأرض. فالانحطاط عنده ليس صفةً عارضة، بل نتيجةً مباشرة لإهمال عضوٍ لم يعد يُستعمل، وهو الإهمال الذي جعل الطائر ثقيلاً أرضياً لا يملك من أدوات النجاة إلا ما توفره له بيئته الخالية. لذلك فإن انقراضه لم يكن حادثاً منفصلاً عن تكوينه، بل كان استكمالاً منطقياً لتكوينٍ قام على غياب الخطر؛ فحين زال الغياب، زال معه ما بُني عليه. 1

غير أن هذا الربط بين وصول الإنسان والانقراض ظلّ مشروطاً بمادةٍ محدودة، إذ لم يبقَ من الطائر إلا الرأس والقدم المحفوظتان في متحف أشموليان بأكسفورد. فكان على أوين أن يستنطق الجزء بدلاً من أن يقارن أعضاء الهيكل بعضها ببعض، وأن يستخرج من التفاصيل الدقيقة ما يعوّض غياب الصورة الكاملة. وبالتالي فإن حجّته في الانقراض، على وضوحها المنطقي، تظلّ حجّةً مبنيّةً على أثرٍ ناقص، لا على هيكلٍ كامل يسمح بقياس التحوّل عبر الزمن. 1

وهكذا ينتهي أوين إلى أن الشرط الذي أنهى النوع هو بعينه الشرط الذي صنعه: عزلةٌ جزيرةٍ بلا أعداء قاتلين، أتاحت للطائر أن يهمل أجنحته، ثم جاء الإنسان فكشف هشاشة هذا الإهمال. فلم يكن الانقراض نتيجة عداءٍ مباشر، بل نتيجة انكشاف طائرٍ لم يعد يملك ما يواجه به تغيّراً لم يُهيَّأ له. 1

8. المقارنة بالطيور العاجزة عن الطيران

وضع أوين الدودو في صف الطيور العاجزة عن الطيران، غير أنه لم يجعله نسخة من النعامة أو الإيمو أو الكيوي أو الأوك الكبير، بل جعله عضواً منحطاً من أعضاء هذه الطيور. فالانحطاط عنده ليس وصفاً خارجياً يلحق الطائر، بل نتيجة لانقطاع الصلة بين بنيته وبين وظيفة الطيران؛ إذ أُهمل الجناح في الطيران، فلم يبقَ منه ما يصلح للتحليق. وقد عبّر أوين عن هذا الضمور تعبيراً مادياً حين جعل ما بقي من الجناح في مقام ثلاث أو أربع ريشات سوداء صغيرة، وهو ما يكفي لبيان أن العضو لم يعد أداة حركة في الهواء. 1

وفي مقابل هذا الضمور، احتفظ الدودو بسمات الطائر الأرضي الثقيل. فقد صنّف أوين جمجمته ضمن نمط الطائر الأرضي الثقيل، وهو تصنيف يفسّر تجمّع الثقل في الرأس والقدم لا في مراكز الطيران. ويلاحظ في هذا السياق أن عرض القحف بلغ ثلاثة بوصات وثماني خطوط، وهي قيمة تدل على ضخامة البنية القحفية عند طائر عاجز عن الطيران، وتقابلها في المقابل صغر الأبعاد الدقيقة للجمجمة نفسها حين تُقاس بالخطوط. غير أن هذا التقابل لا يعني تناقضاً في وصف أوين، بل يعني أن الطائر جمع بين ضخامة الهيكل وضمور العضو، وهي جمعية تفسّر موقعته بين الطيور العاجزة. 1

وقد استند أوين في هذه المقارنة إلى مادة محدودة، إذ لم يبقَ من الطائر إلا الرأس والقدم المحفوظتان في متحف أشموليان بأكسفورد. لذلك كان عليه أن يستنطق الجزء بدلاً من أن يقارن أعضاء الهيكل بعضها ببعض، فكثّف النظر في التفاصيل الدقيقة عوضاً عن الصورة الكاملة. وبالتالي فإن إدراج الدودو بين النعامة والإيمو والكيوي والأوك الكبير ظلّ إدراجاً مشروطاً بمادة ناقصة، لا مبنياً على هيكل كامل يسمح بموازنة الأعضاء عضواً بعضواً. 1

وهكذا يتضح أن مقارنة أوين لم تكن تصنيفاً شكلياً، بل كانت قراءة لوظيفة فقدت عضوها. فحين أُهمل الجناح في الطيران، لم يبقَ من الطائر إلا ثقل أرضي، وهذا الثقل هو ما جعله عضواً منحطاً في صف الطيور العاجزة، لا نظيراً كاملاً لها. 1

والاستسلام نفسه للطيران، وإن تحقّق بطريق مختلف، هو ما يميّز البطريق: طائر تنازل عن الهواء للماء لا للأرض. 1

9. ما بقي من الدودو

لم يبقَ من الدودو بعد انقراضه إلا الرأس والقدم المحفوظتان في متحف أشموليان بأكسفورد، وهي بقية تختصر طائراً وصفه أول من رآه بأنه بحجم البجع، وذلك في وصف يعود إلى سنة 1598. وهذا التضاؤل بين صورة الطائر الكامل وأثره المادي هو ما جعل مكانته في التاريخ الطبيعي معلّقة على جزء لا على هيكل، فصار استنطاق العظم المتبقي بديلاً عن مقارنة الأعضاء بعضها ببعض. 1

لوحة إدواردز للدودو سنة 1758، وعليها اسم الرسّام
لوحة جورج إدواردز للدودو، وعليها «The Dodo & given by G. Edwards F.R.S. 1758». وقد عدّها أوين من الشواهد المصوّرة على الطائر. · George Edwards, 1758 · Public domain

وقد بنى أوين على هذه البقية المحدودة حكماً في بنية الرأس، فقارن بين قطر العظم الجبهي وقطر القحف، وخلص إلى أن الأول يتجاوز الثاني في الدودو، وهو ما يفسّر ثقل البنية القحفية عنده. غير أن هذا الثقل لم يكن علامة قوة، بل كان قرين ضمور في عضو آخر؛ إذ لم يبقَ من الجناح في وصفه إلا بمقام ثلاث أو أربع ريشات سوداء صغيرة، وهو ما يكفي لبيان أن العضو فقد وظيفته في الطيران. وبالتالي فإن ما بقي من الدودو لا يشهد على طائر مكتمل، بل على تركيب جمع بين ضخامة الرأس وضمور الجناح. 1

وفي هذا الجمع تتحدد مكانة الدودو في التاريخ الطبيعي؛ فقد أدرجه أوين في صف الطيور العاجزة عن الطيران، غير أنه لم يجعله نظيراً كاملاً لها، بل عضواً منحطاً من أعضائها. فالانحطاط لم يكن وصفاً خارجياً، بل نتيجة انقطاع الصلة بين البنية ووظيفة الطيران، وهو انقطاع عبّر عنه أوين بإهمال الأجنحة في الطيران. لذلك فإن فقد الدودو لم يكن فقداً لنوع واحد فحسب، بل كان فقداً لشاهد على مسار تحوّل قام على العزلة؛ عزلة جزيرة بلا أعداء قاتلين أتاحت للطائر أن يهمل أجنحته، ثم جاء الإنسان فكشف هشاشة هذا الإهمال. 1

وهكذا يكتسب معنى الفقد في جزر المحيط بعداً أوسع من الانقراض نفسه؛ فما بقي في أكسفورد رأس وقدم لا يحفظان طائراً كاملاً، بل يحفظان دليلاً على أن العزلة التي صنعت الدودو هي بعينها ما جعله عرضة للزوال حين وصول الإنسان. وبالتالي فإن قيمته في التاريخ الطبيعي لا تقوم على كمال هيكله، بل على ما يكشفه أثره الناقص من تلازم بين تكوينٍ قام على غياب الخطر وفقدٍ تمّ حين زال هذا الغياب. 1

10. حقائق أساسية

السمةالقيمة
أول وصف1598 1
أهم البقايا الباقيةالرأس والقدم في متحف أشموليان بأكسفورد 1
نمط الجمجمةطائر أرضي ثقيل البنية 1
عرض القحف3 بوصات و8 خطوط 1
مقارنة الدماغحمام التاج (الغورا) 1
سبب فقدان الطيرانإهمال الجناحين في الطيران 1
الشرط الذي أتاح الحجمغياب الأعداء القاتلين 1
سمات أساسية للدودو، عن أوين (1866)

11. أسئلة شائعة

الدودو

كان الدودو طائراً أرضياً لا يطير عاش في موريشيوس، وورد أول وصف له سنة 1598. 1

من وصف تشريحه؟

وصف ريتشارد أوين هيكل الدودو العظمي في مذكّرته سنة 1866. 1

لماذا لم يستطع الطيران؟

أرجع أوين فقدان الطيران إلى إهمال الجناحين في جزيرة تخلو من الأعداء القاتلين. 1

ما حجم دماغه؟

وجد أوين أن المخ لا يتجاوز كثيراً مخ حمام التاج (الغورا). 1

ما الذي بقي من الطائر؟

الرأس والقدم المحفوظان في متحف أشموليان بأكسفورد هما أهم البقايا التي اعتمد عليها أوين. 1

12. خط زمني

  • 1598
    أول رواية هولندية تصف الطائر في موريشيوس بأنه بحجم البجع.
    أول رواية هولندية تصف الطائر في موريشيوس بأنه بحجم البجع.
  • 1866
    ينشر ريتشارد أوين مذكّرته عن هيكل الدودو العظمي.
    ينشر ريتشارد أوين مذكّرته عن هيكل الدودو العظمي.

المراجع (1)

1 مصادر · أرشيف 1

  1. 1Memoir on the Dodo (Didus ineptus, Linn.) — Taylor and Francis, London (via Biodiversity Heritage Library) أرشيف↩عرض المصدر