ماتشو بيتشو
قلعة الإنكا المعلّقة فوق وادي أوروبامبا — كيف بُنيت من حجارة بلا ملاط، وماذا كشف التأريخ الإشعاعي عن عمرها، وكيف صاغ بينغهام وييل والبيرو قصتها الحديثة.
ماتشو بيتشو هي أشهر مدن إمبراطورية الإنكا وأفضلها حفظاً: نحو 200 مبنى ومعبد ومدرج ونافورة، رُصّتْ حجارتها من دون ملاط على سَرجٍ صخري يرتفع 2,430 متراً فوق سطح البحر بين قمّتي ماتشو بيتشو وواينا بيتشو. بُنيت نحو عام 1450 ميلادية كمقرٍّ ملكي يُنسب إلى الإنكا باتشاكوتي، ثم هُجرت في القرن السادس عشر وغطّاها الضباب والغابة حتى بلغها هيرام بينغهام في 24 يوليو 1911. منذ ذلك الحين صارت موقع تراث عالمي لليونسكو (1983)، وإحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة (2007)، ومسرحاً لنزاع استمر قرناً حول الآثار التي أخذها بينغهام إلى جامعة ييل، ومختبراً مفتوحاً للمهندسين وعلماء الآثار يدرسون فيه هندسة المياه والعمارة واستخدام الأرض عند الإنكا. تجمع هذه الوثيقة الأدلة من سجلات اليونسكو للتراث العالمي، ووزارة الثقافة البيروفية والحديقة الأثرية الوطنية لماتشوبيتشو، وجامعة ييل، وناشيونال جيوغرافيك، وبريتانيكا، وكتاب بينغهام نفسه «أرض الإنكا» وتقرير بعثته عام 1913، وأبحاث محكّمة منشورة في دوريات Radiocarbon وScientific Reports وNHESS وهندسة الري والصرف.
مدينة على ارتفاع 2,430 متراً
تقع ماتشو بيتشو على ارتفاع 2,430 متراً فوق سطح البحر، وسط غابة جبلية مدارية على المنحدرات الشرقية لجبال الأنديز.1 وتصفها اليونسكو بأنها على الأرجح أبدع إنجاز حضري عرفته إمبراطورية الإنكا في ذروة مجدها، فأحجارها الجبارة ومدرجاتها ومنحدراتها تكاد تبدو منحوتة نحتاً طبيعياً في الجروف الصخرية المتصلة.1 ويشرف الموقع على وادي نهر أوروبامبا من سَرج ضيق بين قمتين حادّتين، هما ماتشو بيتشو «القمة العجوز» وواينا بيتشو «القمة الفتية»، على ارتفاع 7,710 أقدام أي 2,350 متراً.2 ويقع على نحو 80 كم شمال غرب كوسكو.2 وتجتمع في الاسم لفظتا «machu» بمعنى عجوز و«picchu» بمعنى قمة في لغة الكيشوا، ليصير المعنى «القمة العجوز»، وهي إشارة مباشرة إلى التضاريس الجبلية التي يستند إليها المعلم الأثري.3
ويحيط بالموقع إطار حماية واسع: يمتد الملاذ التاريخي — الحديقة الأثرية الوطنية لماتشوبيتشو — على 37,302 هكتار، وهو من أغنى مناطق البيرو بالتنوع الأحيائي، ويضم أكثر من 60 معلماً أثرياً تربطها شبكة معقدة من طرق الإنكا.4 وفي هذه المنطقة تقوم نحو 200 منشأة شكلت معاً مركزاً دينياً واحتفالياً وفلكياً وزراعياً على حيد جبلي شديد الانحدار تعبره مدرجات حجرية.1 أما موقع التراث العالمي المختلط فيضم 32,592 هكتاراً من المنحدرات والقِمم والوديان المحيطة، وترتفع في قلبه القلعة «لا سيوداديلا» أكثر من 2,400 متر فوق سطح البحر.1
ويرى اليونسكو أن الملاذ يقع في مصاف أعظم الإنجازات الفنية والمعمارية وإنجازات استخدام الأرض في أي مكان، وأنه أهم إرث مادي لحضارة الإنكا.1 وقد وصف المعيار (i) المدينة الإنكاوية بأنها المركز الرابط لمحيطها، تحفة في الفن والعمران والعمارة والهندسة عند حضارة الإنكا.1 ويقع كل ذلك عند نقطة التقاء الأنديز البيروفية وحوض الأمازون، في مشهد طبيعي هو جزء أصيل من قيمة الموقع.1
في أي غرض بُنيت ماتشو بيتشو؟
لم تكن ماتشو بيتشو معقلاً دفاعياً بحسب القراءة السائدة اليوم، بل منتجعاً بناه الحاكم الإنكاوي باتشاكوتي ولأجله.5 فقد خلصت أبحاث جون رو وريتشارد برغر ولوسي سالازار-برغر إلى هذه الخلاصة، ويرجّح برغر أن المكان أُعدّ لتنأى النخب في أرجائه عن ضجيج المدينة وازدحامها.5 وعلى هذا النحو كانت ماتشو بيتشو والمناطق المحيطة بها ضيعة ملكية خاصة تُنسب إلى باتشاكوتي إنكا يوبانكي.6 ويوحي أسلوب البناء بأن الموقع مجمّع قصور للحاكم الذي حكم نحو 1438–1471.2 وتقدّر دراسات حديثة أنه كان صغيراً بمقاييس الإنكا، ولم تُسكنه سوى نحو 500 إلى 750 شخصاً.5
ويصف الخبير البيروفي لويس لومبرياس الموقع بأنه «قلعة تتألف من قصور ومعابد ومساكن ومخازن» تضطلع بوظائف دينية احتفالية.5 ويقرأ أحد قطاعات المدينة المسوَّرة، بما فيه من جدران وخنادق وربما خندق مائي واقٍ، بوصفه «شكلاً من العزلة الاحتفالية المقيَّدة» لا جزءاً من تحصين عسكري.5 ومن أقدم القراءات التي صنعت أسطورة الموقع، رأي بينغهام بأنه كان معبداً لـ«عذارى الشمس»، بعدما صُنِّفت معظم الهياكل العظمية التي نُقّب عنها عام 1912 في البداية كأنثوية.2 غير أن الدراسات الحديثة لدفنات الموقع أظهرت انقساماً متكافئاً تقريباً بين الذكور والإناث، فنسخت قراءة بينغهام الأنثوية الكاملة.5 وتشير شواهد متنوعة في الموقع، منها فخار صنعته شعوب بعيدة بعضها من حوض بحيرة تيتيكاكا، إلى أن سكان المدينة قدموا من أنحاء مختلفة من الإمبراطورية.5 أما سبب الهجران فلا يزال مجهولاً، وإن كان شح المياه قد يكون أحد العوامل.2
مشهد مقدس بين الأنديز والأمازون
يؤكد مستكشف ناشيونال جيوغرافيك يوهان راينهارد، بعد سنوات من دراسة المواقع الاحتفالية الإنكاوية المرتفعة، أن ماتشو بيتشو بُنيت في قلب مشهد مقدس.5 ويكاد نهر أوروبامبا يحيط بالمدينة، ولا يزال يحظى بتبجيل سكان المنطقة حتى اليوم، فيما تشكل الجبال التي تحتضن الموقع تشكيلات أرضية مقدسة.5 ويرى راينهارد أن هذه السمات مجتمعة جعلت من ماتشو بيتشو «مركزاً كونياً ومائياً وجغرافياً مقدساً لمنطقة شاسعة».5
ويقع الموقع عند نقطة التقاء الأنديز البيروفية وحوض الأمازون، في مشهد وصفته اليونسكو بأنه هو ما جعل الملاذ من أعظم إنجازات العمارة واستخدام الأرض في أي مكان.1 وترى المنظمة أن شروط السلامة مستوفاة، لأن السمات والقيم الطبيعية والبشرية التي تصون قيمته العالمية الاستثنائية توجد في معظمها داخل حدوده، ولأن التناغم البصري بين الموقع الأثري ومحيطه الجبلي لا يزال سليماً في معظمه.1 ولم تتغير شروط الأصالة: فبعد هجران الموقع في مطلع القرن السادس عشر، ضمن نمو الغطاء النباتي والعزلة حفظ سماته المعمارية.1
مهندسو المياه في وادي أوروبامبا
يقوم الموقع الإنكاوي على صدع زلزالي فوق جبل شديد الوعورة، بشواهد منحدرات حادة وانزلاقات وأمطار غزيرة تناهز 2,000 ملم سنوياً، وهي ظروف طرحت تحديات تصريف حرجة واجهها الإنكا بنجاح بتقنيات هندسية متقدمة ما زالت غير مفهومة تماماً حتى اليوم.7 ويسجّل باحثو هندسة الري أن قيود الموقع الصعبة، من الأمطار الغزيرة والمنحدرات الحادة والانزلاقات وصعوبة الوصول، طرحت تحديات تصريف جابهها الإنكا بنجاح.8 ويعتبر المهندسون المدنيون البنية التحتية للصرف التي شيّدها الإنكا في ماتشو بيتشو القديمة إنجازاً كبيراً في مجال الأشغال العامة، والدليل على نجاحها أن المدينة مكثت في قلب الغابة المطيرة أربعة قرون من دون أن يفشل نظامها.8 وما زال ذلك النظام مستخدماً حتى اليوم، وفعّالاً في منع تشبّع التربة بالماء وتآكلها وانهيار الجدران.7
وعلى مقياس الجهد المبذول، تشير التحليلات الجيوفيزيائية والأثرية إلى أن نحو 60% من جهود البناء استُهلكت في إعادة تشكيل مستجمع المياه لأجل نظام الصرف.7 وتقدّر وزارة الثقافة البيروفية أن أكثر من 50% من الجهد اللازم لتشييد اللاكتا ذهب إلى تجهيز الأرض والأساسات ونظام الصرف.4 ويكشف المسح الجيوفيزيائي أن أول تحوّل عرفه الموقع كان أعمال المحاجر التي أعادت تشكيل مستجمع الصرف الطبيعي، وكانت مادة المحجر نفسها صخوراً متفرقة ناتجة عن التعرية بين القمم الباقية شمال شرق الساحة الرئيسية وشرق الساحة المقدسة.7 وتبقى المنظومة ظاهرة في أجزائها الكبرى: أكثر من 700 مدرج زراعي حفظت التربة وعزّزت الزراعة وجاءت جزءاً من نظام واسع لتوزيع المياه وفّر الماء وحدّ من التعرية على المنحدرات الشديدة.9 ويحمل السلّم الرئيسي في المدينة سلسلة من 14 أو 15 نافورة، كل حوض بطول نحو 2.5 قدم وعرض 1.5 قدم وعمق من 5 إلى 6 بوصات، ينحت أحياناً من كتلة غرانيت واحدة، وتتدفق المياه بين الأحواض عبر قنوات أرضية منقوشة.10
العمارة: ماذا تشاهد في القلعة
يتوزع في الموقع نحو 200 منشأة شكلت مركزاً دينياً واحتفالياً وفلكياً وزراعياً، ويحفظ سجل التراث العالمي وصف أبرز معالمها التي يقف عليها الزائر.1
| المنشأة | موضعها | أبرز ما فيها | مفتاح المصدر |
|---|---|---|---|
| معبد الشمس (الصخرة المقدسة)2 | الجزء الجنوبي من الأطلال، وتعلوه بناية على شكل حدوة الفرس تُعرف بالبرج العسكري2 | بُني نصف دائرياً حول صخرة كبيرة، وفي الانقلاب الصيفي ينفذ ضوء الشمس من نافذته فيتحاذى مع الصخرة في الداخل ومع قمة جبل قريب.9 وقد سماه بينغهام «الضريح».2 | بريتانيكا؛ ناشيونال جيوغرافيك2 |
| معبد النوافذ الثلاث2 | الساحة المقدسة10 | قاعة طولها 35 قدماً (10.6 م) وعرضها 14 قدماً (4.2 م)، وفي أحد جدرانها ثلاث نوافذ شبه منحرفة هي الأكبر المعروفة في عمارة الإنكا، والجدار مبني بحجارة مضلّعة2 | بريتانيكا2 |
| الإنتي واتانا2 | قرب الساحة الرئيسية2 | مزولة احتفالية فريدة تتألف من عمود قائم وقاعدة نحتا كقطعة واحدة بارتفاع 6 أقدام (1.8 م)؛ وقد تضررت عام 2000 أثناء تصوير إعلان تجاري2 | بريتانيكا2 |
| الساحة المقدسة10 | الساحة المقدسة، حيث أبدع منشأتان من أنفس منشآت الموقع10 | موقع أبدع منشأتين في ماتشو بيتشو، إحداهما مبنى بارتفاع نحو 12 قدماً أقيم حول ثلاثة أضلاع من مستطيل طوله نحو 30 قدماً وعرضه 18 قدماً، باستخدام كتل غرانيت ثلاثة منها يتجاوز طولها 12 قدماً10 | تقرير بعثة 191210 |
| الساحة الرئيسية والمدخل الرسمي2 | الساحة عند الطرف الشمالي الأوسط، والمدخل في الطرف الجنوبي الشرقي المؤدي إلى درب الإنكا2 | المدخل الرسمي الوحيد إلى الموقع، والساحة مقسمة جزئياً بمدرجات عريضة2 | بريتانيكا2 |
| سلّم النوافير10 | السلّم الرئيسي في المدينة10 | 14 أو 15 حوضاً بعمق من 5 إلى 6 بوصات، تنقل المياه بينها قنوات أرضية منقوشة عبر ثقوب في زوايا الأحواض10 | تقرير بعثة 191210 |
| قصر الأميرة وقصر الإنكا2 | ضمن منشآت القلعة2 | قصر الأميرة بنية من طابقين بحجر عالي الإتقان يُرجَّح أنها آوت أحد نبلاء الإنكا، وقصر الإنكا مجموعة غرف بجدران ذات كوات وفناء2 | بريتانيكا2 |
| قمة واينا بيتشو10 | القمة المشرفة على المدينة كحارس10 | على القمة كهوف خشنة كان الحراس يستخدمونها للتنبيه من أي خطر قادم10 | تقرير بعثة 191210 |
ووراء واجهة الأسماء تبقى الحكاية الأساسية: حجارة رُصّت من دون أي ملاط، وتراكبت بإحكام بالغ حتى لا يستطيع نصل سكين أن ينفذ بينها.5 ووصف بينغهام ما شاهده بأنه «متاهة من بيوت الغرانيت الجميلة» بجدران جُلّها من الغرانيت الأبيض نُحتت بعناية ورُكّبت بإتقان، وبحجارة «سيكلوبية» يبلغ طول الواحدة عشر أقدام.11 وازدان المعبد الرئيسي بكوات رائعة الصنع، خمس عاليات عند كل طرف وسبع في الجدار الخلفي، ويقف تحت الكوات السبع كتلة مستطيلة طولها 14 قدماً يُرجَّح أنها مذبح قرباني.11 ومع ذلك فحين بُنيت ماتشو بيتشو لم يكن لدى الإنكا حديد ولا فولاذ ولا عجلات.9
تأريخ المدينة: الحوليات في مواجهة الكربون المشع
حمل التسلسل الزمني التقليدي لدولة الإنكا أن تولّي باتشاكوتي السلطة وقع نحو عام 1438م، وأن بناء ماتشو بيتشو بدأ بحلول 1450–1460م.6 وقُدِّر تاريخياً أن البناء انطلق بعد نحو عشر سنوات من بداية حكمه، أي في حدود عام 1450م.6 وتؤرّخ وزارة الثقافة البيروفية تخطيط المدينة الإنكاوية وبنائها في حدود عام 1450م أيضاً، في عهد الإنكا باتشاكوتي.4 ثم ضغط العلم الحديث هذا الجدول: دراسة منشورة عام 2021 شملت 11 تأريخاً جديداً بالكربون المشع جرى نمذجتها إحصائياً بالاستدلال البايزي، وترجّح بنسبة 68.2% أن أول نشاط مؤرَّخ في لاكتا ماتشو بيتشو يقع بين 1422 و1448م، أي أبكر مما اعتاده السرد التقليدي.6
ولم يقف برنامج التأريخ عند الموقع الرئيسي، بل أخذ في الحسبان مواقعه التابعة الستين إلى جانب القلعة نفسها.6 ويشير التسلسل النمذجي إلى أن موقع تشوكيسوسوي الإنكاوي قد يكون سابقاً للاكتا ماتشو بيتشو، أي إن منشآت إنكاوية أقدم وُجدت في المنطقة.6 ومن هذا النسيج كان تشاتشابامبا مجمّعاً احتفالياً مرتبطاً بمزار مائي يضم 14 مغتسلاً طقسياً.6 وعلى المستوى التاريخي بُنيت المدينة في القرن الخامس عشر وهُجرت عندما فتح الإسبان إمبراطورية الإنكا في القرن السادس عشر، ولم يعرف العالم الخارجي المجمّع الأثري إلا عام 1911.1 ويؤرّخ المهندسون الهجران الفعلي بنحو عام 1540م، حيث صمد الموقع بعدها أربعة قرون ونصفاً تحت غابة كثيفة حتى القرن العشرين.8 فيما تضع وزارة الثقافة البيروفية الهجران في النصف الثاني من القرن السادس عشر، مشددة على أن اللاكتا لم تكن مفقودة قط.4
الاكتشاف: بينغهام وأسطورة «المدينة المفقودة»
في صباح 24 يوليو 1911 البارد الممطر، صعد المحاضر في جامعة ييل هيرام بينغهام إلى الأطلال بدلالة المزارع ميلتشور أرتِياغا، الذي لم يوافق على الإرشاد إلا بعد أن دُفع له صول واحد، أي ثلاثة أو أربعة أضعاف الأجر اليومي المعتاد في تلك النواحي.11 وكان المزارعان ريتشارتي وألفاريز قد اتخذا من الأطلال عُشّاً لبيتهما، ووجداهما فيه مدرجات وفيرة تصلح للزراعة.11 وبإرشاد صبي صغير بلغ بينغهام ما صار يُعد أحد أعظم الكشوف الأثرية في القرن العشرين، والمكان الذي اختير عام 2007 ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة.5 وقد يكون المغامر الألماني أوغوستو بيرنز زار الموقع قبل ذلك بسنوات، عام 1867.2
ثم عرّفت المجلة العالم بالقلعة: نُشر كشف بينغهام في عدد أبريل 1913 من مجلة ناشيونال جيوغرافيك، وموّلت الجمعية الجغرافية الوطنية رحلتيه إلى ماتشو بيتشو في العامين 1912 و1915.5 وأشاد محرر المجلة غيلبرت غروسفينور بالبنائين الذين شيّدوا «مدينة الملاذ الرائعة على قمة الجبل» من دون أدوات فولاذية، وبمطارق وأسافين حجرية فقط.10 وأنتج مسّاح بعثة 1912 خريطة للموقع موزعة على 16 لوحة كبيرة.10 أما أسطورة «المدينة المفقودة» فقد صُحّحت لاحقاً: فآخر عاصمة إنكاوية مستقلة، فيلكابامبا التي ظنّ بينغهام أنها ماتشو بيتشو، تقع في مكان آخر؛ وقد حدّد جين سافوي موقع إسبيريتو بامبا ونقّب فيه على نطاق واسع عام 1964.5
البيرو تتولى المسؤولية: القانون والترميم والبحث
في 13 يونيو 1929 صدر القانون البيروفي رقم 6634 معلناً أن الممتلكات الأثرية ملك للدولة، لا تُمس ولا تسقط بالتقادم ولا يجوز نقل ملكيتها، ونصّ صراحة على ماتشوبيتشو بين المعالم الوطنية الرئيسية.3 وتوالت بعد حملة بينغهام عام 1915 حملات تنقيب بقيادة بيروفية: تنقيبات 1934 على يد الأثري لويس فالكارسل، ثم تنقيبات 1940–1941 على يد بول فيخوس.2
وبعد زلزال كوسكو في 21 مايو 1950 أُنشئت لجنة «كريف» لتتولى تنظيف المعلم وترميمه واستكشافه ودراسته، ثم عملت «لجنة ترميم ماتشوبيتشو» بين عامَي 1950 و1968.3 وأُنشئت وحدة إدارة الملاذ التاريخي عام 1999 لتقود استراتيجيات المخططات الرئيسية، وأُعيد تنشيطها عام 2011 بممثلين عن وزارات الثقافة والبيئة والتجارة الخارجية والسياحة، وحكومة كوسكو الإقليمية، وبلدية ماتشو بيتشو المحلية.1 وتحتفظ الوزارة والحديقة الأثرية الوطنية بوثائق إدارية وتقنية وقانونية، منها قرارات وزارية للأعوام 2023–2024 و«المخطط الرئيسي» للملاذ، بما يتيح إدارة متكاملة للموقع.12
التراث العالمي وضغوط الشهرة
أُدرج الملاذ التاريخي لماشو بيتشو في قائمة التراث العالمي عام 1983 كموقع مختلط ثقافي وطبيعي بالمعايير (i)(iii)(vii)(ix).1 ويرى اليونسكو أن شروط السلامة مستوفاة لأن القيم الطبيعية والبشرية التي تصون قيمته العالمية توجد في معظمها داخل حدوده، ولأن التناغم البصري بين الأطلال ومحيطها الجبلي ما زال سليماً في معظمه.1 وتحذّر المنظمة من أن السياحة سلاح ذو حدين: فهي تدرّ منافع اقتصادية، لكنها تُحدث أثراً ثقافياً وبيئياً كبيراً، ويجب أن يقابلها تنظيم كافٍ للوصول وتنويع للعرض.1 ومنذ الإدراج تواصل تسجيل مخاوف من تدهور النظم البيئية بفعل الاحتطاب والجمع التجاري للنباتات وسوء إدارة النفايات والصيد الجائر والتعديات الزراعية والأنواع الدخيلة وتلوث نهر أوروبامبا.1 وتبقى ماتشو بيتشو أهم معلم سياحي من حيث العائد الاقتصادي في البيرو.2
وعلى مدخل الوادي تخدم بلدة ماتشو بيتشو — أغواس كالينتس — أكثر من 700,000 سائح يزورون الموقع سنوياً، وقد تضاعف عدد سكانها ثلاثة أضعاف في عقدين، فامتد البناء إلى منحدرات الوادي غير المستقرة.13 ومن أشد الاختبارات التي مرت بالموقع حريق 1997: فبين 6 و11 سبتمبر من ذلك العام هدّد حريق هائل الأطلال والتهم أكثر من 800 هكتار من الغابة الجبلية، وعمل أكثر من 400 من رجال الإطفاء على ضخ المياه، حتى أنهت أمطار غزيرة الحريق بعد خمسة أيام، وأُعيد فتح الموقع في 12 سبتمبر.14 وفي يناير 2010 أدت انزلاقات أرضية إلى إغلاق السكة الحديد بين أغواس كالينتس وأولانتايتامبو، فحوصر 2000 سائح قرب الملاذ قبل أن تبدأ طائرات الهليكوبتر بإنقاذهم.15 ولم تصب الأمطار الغزيرة القلعة ذاتها بأذى، مع أن مساحتها لا تمثل إلا نسبة صغيرة من المساحة المحمية.15 وكانت لجنة التراث العالمي قد أوصت في دورتها الثالثة والثلاثين في إشبيلية عام 2009 بخطة لإدارة المخاطر وخطة للاستخدام العام وتخطيط عمراني وأنظمة نقل ونقاط دخول مضبوطة للزوار وتدابير للحد من خطر الانزلاقات.15 وعلى الجانب الوقائي نُصّب في البلدة عام 2009 نظام تجريبي للإنذار المبكر يتابع الطقس وتدفق النهر واستقرار المنحدرات، وأثبت جدوى إنشاء قدرة إنذار محلية.13
عودة الآثار
توصلت جامعة ييل وحكومة البيرو إلى اتفاق تاريخي في نوفمبر 2010 لإعادة المواد الأثرية التي نقّب عنها هيرام بينغهام الثالث في ماتشو بيتشو قبل نحو قرن.16 وفي فبراير 2011 وقّعت ييل وجامعة سان أنطونيو أباد الوطنية في كوسكو (يونساك) اتفاقاً لإنشاء «المركز الدولي يونساك-ييل لدراسة ماتشو بيتشو وثقافة الإنكا» في كوسكو.16 ويُكرَّس المركز لعرض المجموعات الأثرية لماتشو بيتشو المحفوظة في متحف بيبودي بجامعة ييل منذ تنقيبات بينغهام عام 1912، ولحفظها ودراستها.16 وبدأت ييل إرسال الآثار إلى البيرو في مارس 2011؛ وضمت الشحنة الأولى قطعاً سليمة صالحة للعرض إلى جانب مقاطع فخارية، بما ضمن وجود الآثار في البيرو عند الذكرى المئوية لاكتشافها في يوليو 2011.16 ثم نُقلت بقية المجموعات إلى البيرو في ديسمبر 2011 ونوفمبر 2012.16 وحضر مسؤولو ييل افتتاح المركز في كوسكو في أكتوبر 2011؛ ولقي «متحف ماتشو بيتشو» في «كاسا كونشا»، وهو قصر إنكاوي تاريخي، نجاحاً كبيراً لدى أهل كوسكو الذين يدخلونه مجاناً، كما لدى المسافرين البيروفيين والأجانب.16
زيارة ماتشو بيتشو
لمن يختار الوصول سيراً، يبقى درب الإنكا الطريق الكلاسيكي: يُقطع الجزء المؤدي إلى ماتشو بيتشو من محطة القطار «كم 88» عادة في ثلاثة إلى ستة أيام، ويتألف من آلاف الدرجات المنحوتة وجدران استنادية عالية وأنفاق، ويتدرج ارتفاعه بين نحو 2,600 و4,200 متر.2 وتبقى بلدة الوادي — أغواس كالينتس — بوابة الخدمة لأكثر من 700,000 زائر سنوياً.13
بكلمات بينغهام
وثّق هيرام بينغهام لحظة دخوله الأطلال في كتابه «أرض الإنكا».11 وضمّ تقرير بعثة 1912 الذي نشرته ناشيونال جيوغرافيك شهادة محرر المجلة غيلبرت غروسفينور في البنائين.10
Crossing these terraces, I entered the untouched forest beyond, and suddenly found myself in a maze of beautiful granite houses! They were covered with trees and moss and the growth of centuries, but in the dense shadow, hiding in bamboo thickets and tangled vines, could be seen, here and there, walls of white granite ashlars most carefully cut and exquisitely fitted together.11
هيرام بينغهام، «أرض الإنكا»، 1922
Not only were they made of selected blocks of beautifully grained white granite; their walls contained ashlars of Cyclopean size, ten feet in length, and higher than a man. The sight held me spellbound.11
هيرام بينغهام، «أرض الإنكا»، 1922
What an extraordinary people the builders of Machu Picchu must have been to have constructed, without steel implements, and using only stone hammers and wedges, the wonderful city of refuge on the mountain top.10
غيلبرت غروسفينور، محرر ناشيونال جيوغرافيك، 1913
الخط الزمني
باتشاكوتي يتولى السلطة في التسلسل الزمني التقليدي
وفق التسلسل الزمني التقليدي لدولة الإنكا، يتولى باتشاكوتي إنكا يوبانكي، تاسع الملوك، السلطة نحو عام 1438م — وهو الإطار الذي اعتمد عليه تأريخ ماشو بيتشو طويلاً.
أقدم دليل إشعاعي على نشاط الإنكا في الموقع
تحديدات الكربون المشع بالنظام المطيافي من حفريات 2017، بعد نمذجتها إحصائياً، تعطي احتمالاً بنسبة 68.2٪ بأن أول نشاط في لاكتا ماشو بيتشو بدأ بين عامي 1422 و1448م.
تخطيط اللاكتا وبناؤها في عهد باتشاكوتي
تؤكد وزارة الثقافة البيروفية أن مدينة ماشوبيتشو الإنكاوية خُططت وبُنيت نحو عام 1450م في عهد الإنكا باتشاكوتي، كمركز ديني وسياسي وإداري داخل مشهد مقدس بين الأنديز والأمازون.
التخلي عن المدينة
خلص مهندسون درسوا منشآت المياه إلى أن ماشو بيتشو هُجرت فعلياً نحو عام 1540 بعد وصول الغزاة الإسبان؛ بينما تحدّد وزارة الثقافة البيروفية تاريخ التخلي في النصف الثاني من القرن السادس عشر.
اسم ماشو بيتشو يظهر أول مرة على خريطة
أعدّ المهندس هيرمان غورينغ وثيقة خرائطية سجّلت للمرة الأولى اسمَي «ماشو بيتشو» و«واينا بيتشو».
هيرام بينغهام يصل إلى الأطلال
في صباح بارد ممطر، صعد المحاضر في جامعة ييل هيرام بينغهام، بمرافقة المزارع ميلتشور أرتِياغا وبإرشاد صبي صغير، إلى القلعة المكتسية بالغابة — ليعرّف العالم بماشو بيتشو.
بعثة ييل-بيرو تنقّب وترسم الخرائط
بعثة متعددة التخصصات بتمويل من جامعة ييل والجمعية الجغرافية الوطنية نظّفت الموقع ونقّبت فيه؛ وأثمر مسح استمر ثلاثة أشهر خريطة من 16 لوحة.
مجلة ناشيونال جيوغرافيك تنشر تقرير بينغهام
نُشر كشف بينغهام في عدد أبريل 1913 من مجلة ناشيونال جيوغرافيك مع نحو 250 صورة، فأصبحت القلعة الجبلية معروفة لجمهور واسع.
حفريات بقيادة بيروفية: فالكارسل وفيخوس
بعد حملة بينغهام عام 1915، جرت حفريات إضافية في 1934 على يد الأثري البيروفي لويس إ. فالكارسل، وفي 1940–1941 على يد بول فيخوس، لتبدأ الإدارة البيروفية الطويلة للموقع.
إسبيريتو بامبا يثبت أنه «المدينة المفقودة»
حدّد جين سافوي موقع إسبيريتو بامبا ونقّب فيه على نطاق واسع، مثبتاً أن آخر عاصمة إنكاوية مستقلة، فيلكابامبا — التي ظنّ بينغهام أنها ماشو بيتشو — تقع في مكان آخر.
الإدراج في قائمة التراث العالمي لليونسكو
أُدرج الملاذ التاريخي لماشو بيتشو في قائمة التراث العالمي كموقع مختلط ثقافي وطبيعي بالمعايير (i)(iii)(vii)(ix).
حريق هائل يهدد الأطلال
التهم حريق ضخم أكثر من 800 هكتار من الغابات الجبلية حول الموقع؛ وعمل أكثر من 400 رجل إطفاء على ضخ المياه حتى أنهت أمطار غزيرة الحريق بعد خمسة أيام، وأُعيد فتح الموقع في 12 سبتمبر.
تضرر الإنتي واتانا أثناء التصوير
تضرر الحجر المنقوش الذي سمّاه بينغهام «حجر المزولة» عندما اصطدمت به شركة تصوير إعلان تجاري — وهو حادث غذّى المطالبات البيروفية بحماية أكبر للمعلم.
اختيارها إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة
اختار تصويت عالمي ماشو بيتشو إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة — وهي نعمة مزدوجة لكوسكو، حملت الفخر والعائدات مع التلوث وضغوط البناء.
فيضانات وانزلاقات تقطع الطريق إلى الملاذ
تسببت أمطار غزيرة في انزلاقات أغلقت السكك الحديدية؛ فحوصر 2000 سائح قرب الملاذ ولقي سائح ومرشد حتفهما، فأوفدت اليونسكو لاحقاً بعثة تقنية لتقييم المخاطر على المنطقة الجوهرية.
عودة الآثار إلى الوطن
بعد اتفاق نوفمبر 2010، شحنت جامعة ييل مجموعتها من آثار ماشو بيتشو إلى بيرو على ثلاث دفعات (مارس وديسمبر 2011، ونوفمبر 2012)؛ وافتُتح متحف يونساك-ييل في كاسا كونشا بكوسكو في أكتوبر 2011، قبيل الذكرى المئوية لاكتشاف بينغهام في يوليو 2011.
أسئلة شائعة
أين تقع ماتشو بيتشو وعلى أي ارتفاع بُنيت؟
تقع في إقليم كوسكو في البيرو، على نحو 80 كم شمال غرب كوسكو، في سَرج ضيق بين قمتي ماتشو بيتشو «القمة العجوز» وواينا بيتشو «القمة الفتية».2 ويبلغ ارتفاعها 2,430 متراً فوق سطح البحر في وسط غابة جبلية مدارية.1
لماذا بُنيت ماتشو بيتشو؟
القراءة السائدة اليوم ترى فيها منتجعاً بناه الحاكم الإنكاوي باتشاكوتي ولأجله، لا معقلاً دفاعياً.5 ويرجّح الباحث ريتشارد برغر أنها أُعدّت لتنأى النخب عن ضجيج المدينة وازدحامها.5
متى بُنيت ماتشو بيتشو؟
وفق التسلسل التقليدي تولّى باتشاكوتي السلطة نحو عام 1438م وبدأ بناء الموقع بحلول 1450–1460م.6 ويترجّح بنسبة 68.2% في نموذج بايزي أن أول نشاط في اللاكتا يقع بين 1422 و1448م، أي أبكر من الرواية التقليدية.6
كيف صمدت المدينة أمام أمطار الوادي الغزيرة؟
بنى الإنكا بنية تحتية للصرف يصفها المهندسون بأنها إنجاز كبير في الأشغال العامة، ومكثت المدينة في الغابة أربعة قرون من دون أن يفشل نظامها.8 ولا يزال النظام مستخدماً حتى اليوم في منع تشبّع التربة وتآكلها وانهيار الجدران.7
هل كانت ماتشو بيتشو مدينة مفقودة فعلاً؟
تقول وزارة الثقافة البيروفية إن اللاكتا هُجرت في النصف الثاني من القرن السادس عشر لكنها لم تكن مفقودة قط، إذ ظل السكان يزورونها ويسكنونها من حين إلى آخر.4 وقد سجّلت خريطة المهندس هيرمان غورينغ عام 1874 اسمَي ماشو بيتشو وواينا بيتشو قبل عقود من بعثة بينغهام.4
ما أبرز ما يمكن مشاهدته في الموقع؟
من أبرز معالم القلعة معبد الشمس المبني نصف دائرياً حول صخرة كبيرة في الجزء الجنوبي من الأطلال.9 وحجر الإنتي واتانا قرب الساحة الرئيسية عمود وقاعدة نحتا كقطعة واحدة بارتفاع 6 أقدام (1.8 م)، وقد تضرر عام 2000 أثناء تصوير إعلان تجاري.2
خريطة المعرفة
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16