ابن الهيثم
عالم البصريات والرياضيات والفلك في القرن الحادي عشر، صاحب «كتاب المناظر» الذي أسّس فهمنا الحديث للضوء والرؤية — مع فصل الأسطورة عن السجل الموثق.
أبو علي الحسن بن الهيثم (نحو 965–1040م)، المعروف في أوروبا اللاتينية باسم «Alhazen»، عالم موسوعي في الرياضيات والفلك والفيزياء عاش بين البصرة والقاهرة الفاطمية. وضع مؤلفه الأشهر «كتاب المناظر» في سبع مقالات (نحو 1011–1021م)، وفيه أثبت أن الرؤية تتم بدخول أشعة الضوء المنعكسة عن الأجسام إلى العين — قلباً لنظرية انبعاث الأشعة القديمة التي قال بها إقليدس وبطليموس — وجمع بين التجربة المنهجية والبرهان الهندسي، ودرس الانعكاس والانكسار والغرفة المظلمة، وصاغ المسألة المعروفة باسمه في الانعكاس عن المرايا المنحنية. وصل كتابه إلى الغرب اللاتيني بترجمته فشكّل علم المناظر عند روجر بيكون وفيتلو ويوهانس كيبلر. أما سيرته فلا تُروى إلا عبر روايات متأخرة متناقضة — وفي مقدمتها ما نقله المؤرخ ابن القفطي في القرن الثالث عشر — ولذلك يجب التعامل بحذر مع حكاية تنظيم النيل وادعاء الجنون، ومع الادعاءات الشائعة بأنه «مخترع المنهج العلمي».
من هو ابن الهيثم؟
أبو علي الحسن بن الهيثم عالم موسوعي وُلد في البصرة نحو عام 965م وتوفي في القاهرة نحو عام 1040م1. كان رياضياً وفلكياً قدّم إسهامات كبرى في أصول علم المناظر وفي استخدام التجارب العلمية1. وتذكر المصادر أنه تلقى تعليمه في البصرة وبغداد2. وبشهادته هو، ألّف 25 مؤلفاً في العلوم الرياضية و44 مؤلفاً في الطبيعيات وما بعد الطبيعة، فضلاً عن مؤلفات في الأرصاد الجوية وعلم النفس3. وتُحصي ثلاث قوائم لمؤلفاته — أولها مرفق بترجمته الذاتية لعام 1027م — نحو مئة مؤلف1. ويُقدَّر أنه ألّف نحو 92 مؤلفاً بقي منها أكثر من 554.
عُرف في أوروبا بالاسم اللاتيني «Alhazen»1. ويُدعى أحياناً «البصري» نسبة إلى مدينة البصرة في العراق، وأحياناً «المصري» نسبة إلى قدومه من مصر4. ولقّبه العلماء العرب «بطليموس الثاني»3. وكان عالماً في علوم شتى — الرياضيات والفيزياء والميكانيكا والفلك والفلسفة والطب — ومن أعلام علماء القرنَين العاشر والحادي عشر إلى جانب البيروني (973–1048م) وابن سينا (980–1037م)3.
من البصرة إلى القاهرة
نشأ ابن الهيثم في البصرة في أيام صباه، حين فتح الفاطميون وادي النيل عام 969م وأسسوا مدينة القاهرة عاصمة لإمبراطوريتهم الجديدة4. وتدرّب في شبابه لما يمكن وصفه بوظيفة في خدمة الدولة، وعُيّن وزيراً للبصرة وما حولها4. ثم ازداد ضيقاً بدراساته الدينية، فقرر التفرغ كلياً لدراسة العلم الذي وجد أوضح وصف له في مؤلفات أرسطو4.
بحسب رواية نقلها مؤرخ القرن الثالث عشر ابن القفطي (ت 1248م)، دعا الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (حكم 996–1021م، الملقب في المصادر بـ«الخليفة المجنون») ابنَ الهيثم إلى مصر ليبرهن على زعمه أنه قادر على تنظيم نهر النيل1. وولّاه الحاكم رئاسة فريق هندسي للمهمة، وما إن صعد الفريق في النيل حتى أدرك ابن الهيثم أن فكرته في ضبط الماء بمنشآت ضخمة لن تنجح4.
بعد أن عاين بنفسه المنطقة قرب الحدود الجنوبية لمصر، اعترف ابن الهيثم بعجزه عن تنفيذ المشروع الهندسي1. ووفق طباخي وعمر، أدرك أثناء عمله الميداني أن خطته لتنظيم تدفق النهر ببناء سد جنوب أسوان غير عملية، فخشي على حياته وادّعى الجنون2. وجُرّد من ممتلكاته وكتبه، وظل رهن الإقامة الجبرية نحو عشر سنوات حتى وفاة الحاكم عام 1021م2. وبقي محبوساً في بيته حتى نهاية خلافة الحاكم1، الذي توفي عام 1021م4. ويذكر ابن القفطي أنه كسب رزقه في مصر بعد ذلك بالنسخ اليدوي للمخطوطات إلى حد كبير، وأنه ادّعى امتلاك مخطوط بخط ابن الهيثم يعود إلى عام 1040م1.
عاش ابن الهيثم بقية حياته قرب الجامع الأزهر في القاهرة يؤلف في الرياضيات ويُدرّس ويكسب رزقه من نسخ الكتب4. وتروي رواية أخرى أنه هرب بعد فشل مهمة النيل من مصر إلى الشام حيث أمضى بقية حياته، لكن روايات أخرى تجزم بوجوده في مصر عام 1038م، فيبدو الهرب إلى الشام غير مرجح4. وذهبت بحوث حديثة — بحجة مقبولة — إلى احتمال وجود ابنَي هيثم: الحسن بن الحسن الرياضي صاحب الكتابات في المناظر، ومحمد بن الحسن الفلكي الفيلسوف صاحب الترجمة الذاتية ومؤلفات القائمتين الأولى والثانية1. أما ترجمته الذاتية الباقية عام 1027م فلا تذكر شيئاً عن أحداث حياته، وتركّز على تكوّنه الفكري4.
كتاب المناظر
أهم مؤلفات ابن الهيثم هو «كتاب المناظر»، مؤلف في سبع مقالات14. ويُعد عند كثيرين أهم إسهامات ابن الهيثم4. ووفق طباخي وعمر، ألّفه خلال فترة حبسه بين عامي 1011 و1021م، وصُنّف إلى جانب «المبادئ الرياضية» لإسحاق نيوتن ضمن أكثر الكتب تأثيراً في تاريخ الفيزياء2. ويتناول الكتاب في مقالاته السبع دراسة تجريبية ورياضية لخصائص الضوء3.
على الرغم من تأثر الكتاب بكتاب «المناظر» لبطليموس (القرن الثاني الميلادي)، فإنه يقدم النموذج الصحيح للرؤية: استقبال العينين السلبي لأشعة الضوء المنعكسة عن الأجسام، لا انبعاث أشعة فعالة من العينين1. وتتناول المقالة الثانية الإبصار، وتفحص الثالثة الشروط اللازمة لحسن الرؤية وأسباب أغلاط البصر4. وقدّم في المقالة الرابعة برهاناً تجريبياً على الانعكاس المنتظم للضوء الذاتي كما للضوء العرضي، وصياغة كاملة لقوانين الانعكاس، ووصفاً لصناعة أداة نحاسية لقياس الانعكاسات عن المرايا المستوية والكروية والاسطوانية والمخروطية المحدبة منها والمقعرة4. ووردت مسألة ابن الهيثم في المقالة الخامسة، وتفحص السادسة أغلاط البصر الناشئة عن الانعكاس، وتتناول السابعة الأخيرة الانكسار4. وعالج في المقالة الخامسة أيضاً المرايا الاسطوانية والمخروطية4.
يبدو أن الكتاب أُهمل في المشرق حتى جاء شرح الرياضي كمال الدين أبي الحسن محمد بن الحسن الفارسي (ت 1320م)1. ووضع ترجمة لاتينية له — حرفية أحياناً وتأويلية أحياناً — عالمٌ مجهول، على الأرجح في مطلع القرن الثالث عشر1، ويذكر ماك تيوتور أنها ظهرت بعنوان Opticae thesaurus Alhazeni عام 1270م4. وتذكر رسالة اليونسكو أن ترجمة لاتينية مجهولة الصاحب وُضعت للكتاب في القرن الثاني عشر/الثالث عشر3. ثم أعدّ فريدريش ريزنر الطبعة اللاتينية المطبوعة عام 1572م من كتب الحسن السبعة تحت عنوان «Opticae thesaurus» مع شروحه عليه5. وكان للكتاب أثر كبير في مفكري القرن الثالث عشر مثل روجر بيكون، وفي علماء لاحقين مثل الفلكي يوهانس كيبلر (1571–1630م)1.
كيف نُبصر: نظرية دخول الأشعة
قلب ابن الهيثم نظرية انبعاث الأشعة القديمة التي ورثها القدماء عن إقليدس وبطليموس، فأثبت أن الرؤية استقبالُ العينين لأشعة الضوء المنعكسة عن الأجسام، لا انبعاثُ أشعة فعالة من العينين1. وقدّم بذلك أول تفسير صحيح للرؤية، مبيناً أن الضوء ينعكس عن الجسم إلى العين4.

ويؤكد ابن الهيثم في المقالة الأولى أن بحثه في الضوء سيقوم على الأدلة التجريبية لا على النظر المجرد4. ويذكر أن الضوء واحد مهما اختلف مصدره — ضوء الشمس وضوء النار والضوء المنعكس عن المرآة — فكلها من طبيعة واحدة4.
الضوء واللون والتجربة
أعلن ابن الهيثم في مقدمة كتاب المناظر أن منهجه يقوم على «نقد المقدمات والتحفظ في استخلاص النتائج»، وأنه يقصد «أن يتحرى العدل ولا يتبع الهوى، وأن يتوخى الحق في كل ما يحكم عليه وينقده»4. ويرى أنصاري أن السمة الكبرى لمنهجه هي تصميم التجربة لاختبار فرضية، لا مجرد استخدامها للملاحظة أو الاكتشاف كما فعل أسلافه3. وتلاحظ بريتانيكا أن الكتاب يجمع بين التجربة والاستدلال الرياضي، وإن كانت التجربة فيه وسيلة للتحقق لا للاكتشاف في الغالب1. ويصف طباخي وعمر منهجه بأنه شديد الشبه بالمنهج العلمي الحديث: دورة متكررة من الملاحظة والفرضية والتجريب والحاجة إلى تحقق مستقل2.
من مؤلفاته الأخرى في الضوء: «ضوء القمر»، و«الهالة وقوس قزح»، و«صورة الكسوف» — وفيها مناقشة الغرفة المظلمة — و«الضوء»1. وتُعد هذه المؤلفات مع رسالة «ضوء النجوم» المصادر الرئيسية التي يُستدل منها على منهج عمله3. وينسب إليه ماك تيوتور أنه أول من ذكر الغرفة المظلمة4، ويعرفه طباخي وعمر بأول استخدام للغرفة المظلمة والكاميرا ذات الثقب2. ويُنسب إليه أول تقدير حقيقي لعمل العدسة — وبخاصة قدرة الشكل المحدب على تكبير صورة الجسم — ولم تُخترع النظارات حتى أواخر القرن الثالث عشر2. كما أجرى أولى التجارب على تحليل الضوء إلى ألوانه المكونة2.
فسّر ابن الهيثم الانكسار تفسيراً صحيحاً بكون الضوء أبطأ حركة في الأوساط الأكثف1. ويتضمن الكتاب بحثاً مفصلاً في الانكسار، بما في ذلك تجارب على زاويتي الورود والانحراف1. وقادته دراسة الانكسار إلى القول إن للغلاف الجوي عمقاً محدوداً بنحو 15 كيلومتراً، وفسّر الشفق بانكسار ضوء الشمس عندما تنخفض دون الأفق بأقل من 19 درجة4. وعالج مطولاً نظرية الظلال والكسوفات وقوس قزح، وقدّم تفسيراً صحيحاً لظهور الشمس والقمر أكبر حجماً عند اقترابهما من الأفق2. وحاول تفسير الرؤية بالعينين2. ويعدّه بعضهم مؤسس علم النفس الفيزيائي وعلم النفس التجريبي لأعماله الرائدة في سيكولوجيا الإدراك البصري2.
الرياضيات: المرايا والمجاميع والأعداد
اشهرت به مسألة حملت اسمه — مسألة ابن الهيثم — ونصّها: إذا عُلم مصدر ضوء ومرآة كروية، فأوجد النقطة على المرآة التي ينعكس منها الضوء إلى عين الراصد4. وهي المسألة التي اشتهر بها اسمه4. وصاغها ابن الهيثم وحلّها باستخدام المقاطع المخروطية1. وتؤدي المسألة إلى معادلة من الدرجة الرابعة2. وأعاد هيغنز لاحقاً صياغتها بأنها إيجاد نقطة الانعكاس على سطح مرآة كروية محدبة أو مقعرة بمعلومية نقطتين بينهما علاقة العين والمرئي، ثم حسّن حلّه ريكّاتي وسالديني4.
قادته المسألة إلى اشتقاق أقدم صيغة لمجموع القوى الرابعة، ثم طوّر ببرهان استقرائي مبكر طريقة لتعيين الصيغة العامة لمجموع أي قوى صحيحة2. وفي نظرية الأعداد حلّ مسائل تتعلق بالمتطابقات مستخدماً ما يُعرف اليوم بمبرهنة ويلسون4. وطرح مسألة البواقي الشهيرة: إيجاد عدد إذا قُسم على اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة بقي واحد، وإذا قُسم على سبعة لم يبقَ شيء4.
كان ابن الهيثم أول من أدرك أن كل عدد تام زوجي على الصورة 2^(ن−1)(2^ن−1) حيث 2^ن−1 أولي، لكنه لم ينجح في إثبات ذلك إثباتاً تاماً، وأثبته لاحقاً أويلر في القرن الثامن عشر2. ويرى رشدي راشد أن محاولته في «التحليل والتركيب» كانت «محاولة مقصودة لوصف مجموعة الأعداد التامة»4. وكتب في مساحة الهلاليات — الأشكال الناشئة عن تقاطع دائرتين — ثم كتب الأولى من رسالتين في تربيع الدائرة بالهلاليات، ولم تظهر رسالته الثانية الموعودة قط، مما يوحي بأنه أدرك استحالة حل المسألة4. ومن أعماله الهندسية «مقالة في تمام كتاب المخروطات»، وهي محاولة لإعادة بناء المقالة الثامنة المفقودة من كتاب المخروطات لأبولونيوس (نحو 200 ق.م)1.
وله في هندسة إقليدس أثر واضح: ففي «حل شكوك كتاب أقليدس» بحث حالات خاصة من نظريات إقليدس وقدّم إنشاءات بديلة، واستبدل ببعض البراهين غير المباشرة براهين مباشرة1. وفي «شرح مصادرات كتاب أقليدس» بنى معالجة الخطوط المتوازية على أساس الخطوط المتساوية البعد، لا على تعريف إقليدس للخطوط التي لا تلتقي1.
الفلك: الشكوك في بطليموس
أشهر مؤلفات ابن الهيثم الفلكية هو «هيئة العالم»، وفيه يقدم وصفاً غير تقني لكيفية فهم النماذج الرياضية المجردة في مجسطي بطليموس وفق الفلسفة الطبيعية السائدة في عصره1. وفي هذا الكتاب الشعبي الموجّه لعامة القراء يتقبل أفكار بطليموس تقبلاً كاملاً بلا تحفظ4. ويقرر فيه أن الأرض بجملتها كرة مستديرة مركزها مركز العالم، ساكنة في وسطه ثابتة فيه لا تتحرك في جهة من الجهات2. وظهرت للكتاب عدة ترجمات لاتينية، وهو كتاب أثر في غيورغ بويرباخ (1423–1461م) وغيره1.
أما مؤلفه اللاحق «الشكوك على بطليموس» (1025–1028م) فينتقد المجسطي مع كتابي بطليموس الآخرين: «الاقتصاص» في الفرضيات و«المناظر»1. ففي حين تقبل «هيئة العالم» نماذج بطليموس ضمناً، ينقلب عليها «الشكوك» نقداً1. ورأى فيه أن بعض أدوات بطليموس الرياضية في الفلك — وبخاصة معدّل المسير — لا تحقق شرط الحركة الدائرية المنتظمة فيزيائياً2. وكتب عام 1038م «نموذج حركات كل كوكب من الكواكب السبعة»، وهو كتاب فلكي مهم لم تُكتشف مخطوطته الباقية إلا حديثاً، ولم يُنشر في العصر الحديث بعد2.
السيرة الموثقة في مقابل الأساطير الشائعة
تُحيط بابن الهيثم أساطير شائعة سبقت الوثائق، والروايات عن حياته كثيراً ما تتناقض بين مؤرخ وآخر2. ومعظم معطيات سيرته مستمدة من كتابات ابن القفطي (1172–1248م)2. وفيما يلي ثلاث من هذه الأساطير في مقابل ما تقوله المصادر:

بكلماته هو
«نقد المقدمات والتحفظ في استخلاص النتائج … وأن يتحرى العدل ولا يتبع الهوى، وأن يتوخى الحق في كل ما يحكم عليه وينقده، فلا تميل به الآراء»4
من مقدمة كتاب المناظر (نقلاً عن ماك تيوتور)
«أشعة الشمس تسير من الشمس على خطوط مستقيمة وتنعكس عن كل جسم صقيل بزوايا متساوية … وإذا اجتمعت الأشعة في نقطة واحدة تضاعفت الحرارة فيها»6
من «القول في المرايا المحرقة بالدوائر»
«إن الأرض بجملتها كرة مستديرة مركزها مركز العالم، وهي ساكنة في وسطه ثابتة فيه، لا تتحرك في جهة من الجهات ولا بحركة من أصناف الحركات، بل هي أبداً على حال واحدة»2
من «هيئة العالم»
الإرث والتخليد
أثرت كتابات ابن الهيثم في المناظر في كثير من مفكري الغرب، مثل روجر بيكون وجون بيكام وفيتلو ويوهانس كيبلر2. وكان لطريقته في الجمع بين الملاحظات والحجج العقلية أثر كبير في روجر بيكون ويوهانس كيبلر على وجه الخصوص2. وفي المشرق شرح كمال الدين الفارسي كتاب المناظر بعد إهمال طويل1. وأما كتاب «هيئة العالم» فظهرت له عدة ترجمات لاتينية أثر في غيورغ بويرباخ وغيره1.
خُلّد اسمه في الفضاء تخليداً نادراً: ففوهة «ابن الهيثم» القمرية، قطرها 34.65 كيلومتراً ومركزها عند خط عرض 15.91° شمالاً وخط طول 71.83° شرقاً، اعتمد الاتحاد الفلكي الدولي اسمها عام 1935، وأصلها في الدليل: «أبو علي الحسن بن الهيثم؛ عالم رياضيات عراقي»7. وهي الفوهة رقم 183 في دليل التسميات الكوكبية للاتحاد الفلكي الدولي وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية7. والكويكب (59239) Alhazen من حزام الكويكبات اكتُشف في مرصد غنوسكا بتاريخ 7 فبراير 1999 على يد س. سبوزيتي، واقترح اسمه ب. فينزي8. ويصف نص التسمية ابنَ الهيثم بأنه «فلكي ورياضي وطبيب وفيلسوف وفيزيائي» تناول عمله أساساً دراسة الظاهرة البصرية والهندسة الضوئية8.

احتُفي بابن الهيثم في اليونسكو خلال السنة الدولية للضوء 2015 بوصفه رائداً من رواد علم المناظر الحديث3. وتزامن الاحتفال مع الذكرى الألفية لصدور كتاب المناظر9. واستضافت اليونسكو مؤتمراً دولياً عن العصر الذهبي الإسلامي للعلوم وإرث ابن الهيثم يومي 14 و15 سبتمبر 2015، وصفته فيه بأنه أحد مبتكري علم المناظر الحديث، وعُرضت إلى جانبه نسخ طبق الأصل من مخطوطات لعلماء عرب ومسلمين في معرض بعنوان «إسهامات ابن الهيثم في العصر الذهبي الإسلامي للعلوم»9. وتصفه اليونسكو بأنه «أبو علم المناظر الحديث»، عالم من القرن العاشر من البصرة راد التجريب المنهجي في العلم9.
نشأته ووظيفته قبل العلم
وُلد أبو علي الحسن بن الهيثم في البصرة، ودُعي لذلك «البصري»، كما دُعي «المصري» لأنه قدم من مصر وأقام بها4. تلقى تعليمه في البصرة وبغداد، ثم كانت وفاته في القاهرة2. ويُروى أنه في شبابه لم يكرّس نفسه لدراسة الرياضيات والعلوم، بل تدرّب لما يمكن وصفه بوظيفة في خدمة الدولة، فعُيّن وزيراً للبصرة وما حولها4. غير أنه ازداد ضيقاً بدراساته الدينية العميقة، فقرر أن يتفرغ كلياً لدراسة العلم الذي وجد أوضح وصف له في مؤلفات أرسطو4. وكانت هذه السنوات هي عهد صباه في البصرة حين فتح الفاطميون وادي النيل وأسسوا القاهرة عاصمة لإمبراطوريتهم الجديدة4.
وقد عُرف ابن الهيثم في العصور الوسطى الأوروبية باسمه اللاتيني «Alhazen»1، ودُعي بين العلماء العرب «بطليموس الثاني»3. وكان عالماً في علوم شتى: الرياضيات والفيزياء والميكانيكا والفلك والفلسفة والطب، وكان مع البيروني وابن سينا من أعلام علماء القرنَين العاشر والحادي عشر3. وبشهادته هو، ألّف خمسة وعشرين مؤلفاً في العلوم الرياضية وأربعة وأربعين مؤلفاً في الطبيعيات الأرسطية وما بعد الطبيعة، فضلاً عن مؤلفات في الأرصاد الجوية وعلم النفس3. وتوجد ثلاث قوائم لمؤلفاته، أولها مرفق بترجمته الذاتية لعام 1027م، وتُحصي مجتمعةً نحو مئة مؤلف1.
وقد بقيت ترجمة ذاتية كتبها ابن الهيثم عام 1027م، لكنها لا تذكر شيئاً عن أحداث حياته وتركّز على تكوّنه الفكري4. ويُلاحظ أن معظم معطيات سيرته مستمدة من كتابات المؤرخ المسلم ابن القفطي من القرن الثالث عشر، وأن الروايات عن حياته كثيراً ما تتناقض2. وقد ذهب بعض الباحثين حديثاً — بحجة مقبولة — إلى وجود ابنَي هيثم: الحسن بن الحسن، الرياضي صاحب الكتابات في المناظر، ومحمد بن الحسن، الفلكي الفيلسوف صاحب الترجمة الذاتية ومؤلفات القائمتين الأولى والثانية1.
مهمة النيل والإقامة الجبرية
بحسب إحدى روايات حياته التي نقلها مؤرخ القرن الثالث عشر ابن القفطي، دعا الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ابنَ الهيثم إلى مصر ليبرهن على زعمه أنه قادر على تنظيم نهر النيل1. وقد علم الحاكم باقتراح ابن الهيثم لتنظيم جريان ماء النيل، فاستدعاه إلى مصر وولّاه رئاسة فريق هندسي للمهمة4. غير أن ابن الهيثم، بعد أن عاين بنفسه المنطقة قرب الحدود الجنوبية لمصر، اعترف بعجزه عن تنفيذ المشروع الهندسي1. وما إن صعد الفريق في النيل حتى أدرك أن فكرته في ضبط الماء بمنشآت ضخمة لن تنجح4. ويذكر طباخي وعمر أنه عندما أدرك أثناء عمله الميداني أن خطته لتنظيم تدفق النهر ببناء سد جنوب أسوان غير عملية، خشي على حياته فادّعى الجنون2.
ومع أن الخليفة أبقاه في منصب رسمي، فقد بدأ ابن الهيثم يخشى على حياته، فتظاهر بالجنون وظل محبوساً في بيته حتى نهاية خلافة الحاكم1. ويبدو أنه تظاهر بالجنون فحُبس في بيته حتى وفاة الحاكم عام 1021م4. وقد جُرّد من ممتلكاته وكتبه، وظل رهن الإقامة الجبرية نحو عشر سنوات حتى وفاة الحاكم عام 1021م2. ويذكر ابن القفطي أيضاً أنه كسب رزقه في مصر بعد ذلك بالنسخ اليدوي للمخطوطات إلى حد كبير، وأنه ادّعى امتلاك مخطوط بخط ابن الهيثم يعود إلى عام 1040م1. وبعد خروجه من الإقامة الجبرية، عاش في بناء مقبب قرب الجامع الأزهر بالقاهرة يدرّس الرياضيات والفيزياء ويؤلّف الكتب العلمية ويكسب رزقه من نسخ النصوص2. وبحسب ابن القفطي، عاش ابن الهيثم بقية حياته قرب الجامع الأزهر في القاهرة يؤلف في الرياضيات ويُدرّس ويكسب رزقه من نسخ الكتب4. وتروي رواية أخرى أنه هرب بعد فشل مهمة النيل من مصر إلى الشام حيث أمضى بقية حياته، لكن روايات أخرى تجزم بوجوده في مصر عام 1038م، فيبدو الهرب إلى الشام غير مرجح4.
المنهج العلمي وأثره
يُعدّ ابن الهيثم عند كثير من الدارسين رائد المنهج العلمي الحديث؛ فقد كتب غوريني: «بحسب أغلب المؤرخين، كان الحسن رائد المنهج العلمي الحديث. غيّر بكتابه معنى مصطلح المناظر، ورسّخ التجارب معياراً للبرهان في هذا الميدان»2. ويصف طباخي وعمر منهجه العلمي بأنه شديد الشبه بالمنهج العلمي الحديث، إذ يتألف من دورة متكررة من الملاحظة والفرضية والتجريب والحاجة إلى تحقق مستقل2. ويحدد أنصاري السمة الكبرى لمنهجه في أنه تصميم التجربة لاختبار فرضية، لا مجرد استخدامها للملاحظة أو الاكتشاف كما فعل أسلافه3. وتصف مجلة «رسالة اليونسكو» الحسن بأنه عالم عربي لامع من القرنَين العاشر والحادي عشر أسهم إسهاماً كبيراً في أصول علم المناظر والفلك والرياضيات، وطوّر منهجه الخاص: التجريب وسيلةً أخرى لإثبات الفرضية أو المقدمة الأساسية3.
وقد كان لطريقة ابن الهيثم في الجمع بين الملاحظات والحجج العقلية أثر كبير في روجر بيكون ويوهانس كيبلر على وجه الخصوص2. وأثرت كتاباته في المناظر في كثير من مفكري الغرب، مثل روجر بيكون وجون بيكام وفيتلو ويوهانس كيبلر2. ويُعدّ ابن الهيثم سابقاً لغاليليو بوصفه فيزيائياً بنحو خمسة قرون، بحسب الأستاذ س. م. رضاؤ الله أنصاري3. ويعدّه بعضهم مؤسس علم النفس الفيزيائي وعلم النفس التجريبي، لأعماله الرائدة في سيكولوجيا الإدراك البصري2.
وقد احتُفي بابن الهيثم في اليونسكو خلال السنة الدولية للضوء 2015 بوصفه رائداً من رواد علم المناظر الحديث3. واستضافت اليونسكو مؤتمراً دولياً عن العصر الذهبي الإسلامي للعلوم وإرث ابن الهيثم، ووصفته بأنه أحد مبتكري علم المناظر الحديث؛ ونُظّم الحدث ضمن السنة الدولية للضوء يومي 14 و15 سبتمبر 20159. وتصف اليونسكو الحسن بن الهيثم بأنه يُعد أبا علم المناظر الحديث، وهو عالم من القرن العاشر من البصرة راد التجريب المنهجي في العلم9. وقد تزامن الاحتفال بالسنة الدولية للضوء مع الذكرى الألفية لصدور كتاب المناظر9. وعُرضت إلى جانب المؤتمر نسخ طبق الأصل من مخطوطات لعلماء عرب ومسلمين في معرض بعنوان «إسهامات ابن الهيثم في العصر الذهبي الإسلامي للعلوم»9.
وقد خُلّد اسمه في السماء كما خُلّد في تاريخ العلم: فالكويكب (59239) Alhazen من حزام الكويكبات اكتُشف في مرصد غنوسكا بتاريخ 7 فبراير 1999 على يد س. سبوزيتي8. ويقول نص التسمية في مركز الكواكب الصغيرة عنه: «كان أبو علي الحسن بن الهيثم فلكياً ورياضياً وطبيباً وفيلسوفاً وفيزيائياً، تناول عمله أساساً دراسة الظاهرة البصرية والهندسة الضوئية»8. وفوهة «ابن الهيثم» القمرية قطرها 34.65 كيلومتراً ومركزها عند خط عرض 15.91° شمالاً وخط طول 71.83° شرقاً؛ واعتمد الاتحاد الفلكي الدولي الاسم عام 1935، وأصله في الدليل: «أبو علي الحسن بن الهيثم؛ عالم رياضيات عراقي»7.
الخط الزمني
ولادته في البصرة
وُلد ابن الهيثم في البصرة بالعراق، واسمه الكامل أبو علي الحسن بن الهيثم.1
تأليف كتاب المناظر
وفق طباخي وعمر، ألّف ابن الهيثم كتابه ذا المقالات السبع «كتاب المناظر» خلال فترة حبسه، بين عامي 1011 و1021م.2
الترجمة الذاتية
بقيت ترجمة ذاتية كتبها عام 1027م، تركّز على تكوّنه الفكري لا على أحداث حياته.4
الشكوك على بطليموس
كتب ابن الهيثم «الشكوك على بطليموس»، محتجّاً بأن معدّل المسير وغيره من أدوات بطليموس الرياضية لا تحقق شرط الحركة الدائرية المنتظمة فيزيائياً.2
نموذج حركات الكواكب السبعة
ألّف كتابه عن نموذج حركات كل كوكب من الكواكب السبعة، ولم تُكتشف مخطوطته الباقية إلا حديثاً.2
الترجمة اللاتينية لكتاب المناظر
ترجم كتاب المناظر إلى اللاتينية عالمٌ مجهول — ترجمة حرفية أحياناً وتأويلية أحياناً — على الأرجح في مطلع القرن الثالث عشر.1
طبعة «خزانة البصريات» اللاتينية 1572
ظهرت طبعة 1572 اللاتينية من «خزانة البصريات» Opticae thesaurus Alhazeni — كتب الحسن السبعة في المناظر مع «المناظر» لفيتلو — بإعداد فريدريش ريزنر.5
تسمية فوهة ابن الهيثم القمرية
اعتمد الاتحاد الفلكي الدولي اسم «Alhazen» لفوهة قمرية قطرها 34.65 كم تكريماً لـ«أبي علي الحسن بن الهيثم؛ عالم الرياضيات العراقي».7
الكويكب (59239) Alhazen
اكتشف س. سبوزيتي الكويكب 1999 CR2 من مرصد غنوسكا، وسُمي لاحقاً (59239) Alhazen باقتراح من ب. فينزي.8
السنة الدولية للضوء في اليونسكو
استضافت اليونسكو مؤتمراً دولياً عن إرث ابن الهيثم ضمن السنة الدولية للضوء، تزامناً مع الذكرى الألفية لكتاب المناظر.9
أسئلة شائعة
من هو ابن الهيثم؟
أبو علي الحسن بن الهيثم، عالم وُلد في البصرة نحو عام 965م وتوفي في القاهرة نحو عام 1040م1. كان رياضياً وفلكياً قدّم إسهامات كبرى في أصول علم المناظر وفي استخدام التجارب العلمية1.
لماذا يُعد كتاب المناظر عملاً مفصلياً في تاريخ العلم؟
لأنه يقدم النموذج الصحيح للرؤية: استقبال العينين السلبي لأشعة الضوء المنعكسة عن الأجسام، لا انبعاث أشعة فعالة من العينين1. وهو يجمع بين التجربة والاستدلال الرياضي1.
ما مسألة ابن الهيثم؟
هي تحديد نقطة الانعكاس على مرآة: إذا عُلم مصدر ضوء ومرآة كروية، فأوجد النقطة على المرآة التي ينعكس منها الضوء إلى عين الراصد4. صاغها ابن الهيثم وحلّها باستخدام المقاطع المخروطية1.
هل اخترع ابن الهيثم الغرفة المظلمة؟
لا تنسب المصادر إليه اختراعها؛ فبريتانيكا تذكر مناقشة الغرفة المظلمة ضمن كتابه «صورة الكسوف»1، وماك تيوتور ينسب إليه أنه أول من ذكرها4.
هل كان ابن الهيثم «مخترع المنهج العلمي»؟
هذا وصف يحتاج إلى تحفظ: فبريتانيكا تقول إن كتابه يجمع بين التجربة والاستدلال الرياضي، وإن كانت التجربة فيه للتحقق لا للاكتشاف في الغالب1. وأما لقب «رائد المنهج العلمي الحديث» فهو شهادة تكريمية للمؤرخ غوريني2.
لماذا يصعب التحقق من سيرته؟
لأن معظم معطيات سيرة ابن الهيثم مستمدة من كتابات المؤرخ المسلم ابن القفطي (1172–1248م) من القرن الثالث عشر، والروايات عن حياته كثيراً ما تتناقض2.
الرسم البياني للمعرفة
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9