كليوباترا
آخر ملكات البطالمة في مصر — حكم موثَّق، وتحالُفان مع قيصر وأنطونيوس، وأكتيوم، وروايات موت متضاربة، ومراجعة نقدية لدعاية رومانية صنعت الأسطورة.
كليوباترا السابعة ثيا فيلوباتور (وُلدت نحو 70/69 ق.م — وتوفيت في 30 أغسطس سنة 30 ق.م في الإسكندرية، بينما تعطي جداول زمنية أخرى 12 أغسطس) آخر ملكات الأسرة البطلمية، تلك الأسرة المقدونية-اليونانية التي أسّسها بطلميوس الأول سوتر وحكمت مصر من 323 ق.م حتى ضمّها الرومان سنة 30 ق.م. اعتلت العرش سنة 51 ق.م بعد موت أبيها بطلميوس الثاني عشر أوليتس، وحكمت تباعاً مع أخويها بطلميوس الثالث عشر (51–47) وبطلميوس الرابع عشر (47–44)، ثم مع ابنها بطلميوس الخامس عشر «قيصرون» (44–30). أعادها قيصر إلى العرش بعد الحرب الإسكندرية، وزارت روما (46–44 ق.م) وكانت فيها حين اغتيل؛ ولم يتزوجها قيصر قط، كما لا يمكن اليوم الجزم بأبوّته لقيصرون. وفي سنة 41 ق.م لقيت مارك أنطونيوس في طرسوس، فأنجبت منه ثلاثة أبناء، وبعد طلاقه أوكتافيا صارت شريكته في شرق المتوسط حتى حرب الدعاية التي شنّها أوكتافيان والهزيمة البحرية في أكتيوم (2 سبتمبر 31 ق.م). انتحر أنطونيوس في 1 أغسطس 30 ق.م بعد بلاغ كاذب بموتها، وماتت هي بعده بأسابيع؛ وروايات موتها — الأفعى في سلة التين، أو السم، أو ما يطرحه بعض الباحثين من قتل مدبَّر على يد أوكتافيان أو أعوانه — تتناقض فيما بينها، ولا يمنح صورةَ الأفعى في موكب الانتصار الروماني في السجل إلا ثبات الموقع الدعائي. ويوثّق بلوتارخ سعة معرفتها باللغات واشتغالها بالعلم، فيما أخذ البحث الحديث يقرأ «فاتنة الدعاية الرومانية» ملكةً عاملة تدير مملكة آخذة في التآكل.
العالم البطلمي: ملوك مقدونيون على ضفاف النيل
أسّس بطلميوس الأول سوتر، القائد المقدوني في جيش الإسكندر الأكبر، الأسرة البطلمية التي حكمت مصر إلى أن سقطت في يد الرومان سنة 30 ق.م1. وكانت هذه الأسرة أطول الأسر عمراً من بين الأسر التي قامت على أرض إمبراطورية الإسكندر1. وحكم بطلميوس مصر ابتداءً من سنة 323 ق.م، فكانت مملكته نواة سلالة ظلت على العرش إلى سنة 30 ق.م1.
كانت الإسكندرية مدينة كوزموبوليتية نابضة، ومركزاً كبيراً للثقافة اليونانية2. وفيها أُسّس «الموزيون» الشهير بدارسيه، والمكتبة الملكية التي كانت الخزانة الكبرى للكتب واللفائف2. وإلى هذه المملكة المقدونية المصرية تنتمي كليوباترا السابعة، آخر من حكم مصر قبل أن تُضم ولاية رومانية3.
على رأس هذه المملكة في أواخر أيامها كان بطلميوس الثاني عشر أوليتس، الذي جلب عليه ولادتُه غير الشرعية وإدمانُه الشراب سخرية واسعة4. ولُقّب «أوليتس» أي «عازف الناي»، بسبب موهبته الموسيقية4. وقد ألزمته رشاويه الكبيرة المتزايدة الاقتراض من المصارف الرومانية، حتى ورث ابناه كليوباترا وبطلميوس الثالث عشر ديوناً ساحقة4. وفي وصيته ترك المملكة لأكبر أبنائه الأحياء: كليوباترا وكانت في الثامنة عشرة، وبطلميوس الثالث عشر وكان في العاشرة4.
وُلدت كليوباترا السابعة نحو سنة 70/69 ق.م، واسمها الكامل كليوباترا ثيا فيلوباتور أي «المحبّة لأبيها الإلهة»5. وأمها على الأرجح كليوباترا الخامسة تريفاينا، زوجة أبيها وأخته5. وتشير بريتانيكا إلى أنه ربما لم يكن لكليوباترا دم مصري يُذكر، فهي من أسرة مقدونية-يونانية5. غير أنها كانت مصرية ثقافة، وقدّمت نفسها ملكة مصرية3. ويذكر بلوتارخ أنها وحدها من أسرتها تكلّفت عناء تعلّم المصرية5.
اعتلاء العرش والمنفى والحرب الإسكندرية (51–47 ق.م)
بوفاة بطلميوس الثاني عشر سنة 51 ق.م انتقل العرش إلى ابنه الصغير بطلميوس الثالث عشر وابنته كليوباترا السابعة5. وقد بدأ حكم بطلميوس الثالث عشر شراكةً مع أخته الكبرى، وفقاً لرغبة أبيهما6. ويُرجّح بعض الباحثين أنهما تزوجا وفق العرف السلالي، لكن ذلك غير مُثبت تاريخياً5. وكانت كليوباترا، وهي في نحو الثامنة عشرة، الطرف الأقوى في الحكم في البداية5. لكن أول مرسوم يتقدم فيه اسم بطلميوس الثالث عشر على اسمها، في أكتوبر سنة 50 ق.م، كشف تراجع مكانتها في البلاط5.
في سنة 48 ق.م انقلب عليها مستشارها الرئيسي باثينوس مع ثيودوتوس وأخيلاس، فنصّبوا بطلميوس الثالث عشر وحده على العرش3. ففرّت كليوباترا إلى سوريا وجمعت جيشاً، لكنه هُزم قرب بيلوسيوم3. وفي تلك الأثناء قُتل بومبيوس في البلاط المصري3. ثم وصل يوليوس قيصر إلى مصر، فقضى الشتاء في الإسكندرية، وهناك التقى كليوباترا أول مرة7.
ويروي بلوتارخ كيف دبّرت كليوباترا دخولها إلى القصر: تسللّت ليلاً مع صديقها أبولودوروس الصقلّي، وتمدّدت بكامل طولها داخل كيس فراش حُمل إلى الداخل إلى قيصر8. ويرى بلوتارخ أن هذه الحيلة الجريئة كانت أول ما أسر قيصر8. وأنه، إذ استسلم لسحر مجالستها، صالح بينها وبين أخيها على أساس الشراكة في الحكم8.
وانتقل الصراع إلى الحرب الإسكندرية، حيث أمضى قيصر وكليوباترا الشتاء محاصرَين في المدينة5. وتسجّل المصادر أن المكتبة الكبرى «احترقت مصادفةً» في تلك الأحداث وفق بعض المؤرخين، وهو زعم جرى التشكيك فيه3. وجاءت التعزيزات الرومانية في الربيع التالي، ففرّ بطلميوس الثالث عشر وغرق في النيل وهو في الخامسة عشرة من عمره3. وأعاد قيصر بعد ذلك كليوباترا إلى العرش5.
وفي يونيو سنة 47 ق.م أنجبت كليوباترا طفلاً حمل اسم بطلميوس قيصر وعُرف بقيصرون5. ولا يمكن اليوم الجزم بما إذا كان قيصر أباً له كما يوحي اسمه5. وحكمت كليوباترا بعد ذلك مع أخيها بطلميوس الرابع عشر5. وفي سنة 46 ق.م جيء بأرسينوي أختها في موكب انتصار قيصر5. ويُقال إنها طلبت لاحقاً من أنطونيوس إعدام أرسينوي، التي كانت في حماية معبد أرتميس بأفسوس، لقطع أي محاولة مستقبلية على العرش9.
قيصر وكليوباترا: العلاقة الموثّقة (48–44 ق.م)
مهما اختلفت قراءات المؤرخين، تتفق المصادر على أن قيصر وكليوباترا صارا عاشقين5. وكانت كليوباترا تدرك أن استعادة عرشها تحتاج دعماً رومانياً، وبالأخص دعم قيصر5. وكان قيصر يريد من جهته استرداد الديون التي راكمها أبوها في صراعه على العرش، وقد قدّرها بلوتارخ بنحو 17.5 مليون دراخما8. وكان كلٌّ من الطرفين عازماً على استخدام الآخر5.
في سنة 46 ق.م، وبعد احتفالات النصر، جلب قيصر كليوباترا وقيصرون وحاشيتها إلى روما3. فأعلن قيصرون ابناً له علناً، دون أن يجعله وريثه، وأعلن كليوباترا قرينةً له3. وأقامت في فيلا قيصر عبر نهر التيبر، ويُرجَّح أنها رأت هناك تمثالاً ذهبياً لها في معبد فينوس جينيتريكس5. ولم تكن النخبة الرومانية كلها مرحّبة: فقد كتب شيشرون سنة 45 ق.م أنه يمقت الملكة، وأن تذكّر وقاحتها يوجعه3. وكانت كليوباترا في روما حين اغتيل قيصر في 15 مارس سنة 44 ق.م10.
على أن هذه العلاقة لم تصر زواجاً: تقول بريتانيكا إن يوليوس قيصر لم يتزوج كليوباترا، وإن كانت بينهما علاقة عاطفية7. وقد أُعلن قيصرون ابناً لقيصر من جهة كليوباترا، ثم من جهة أنطونيوس لاحقاً، من دون أن يصير وريثاً لقيصر3. ومع ذلك لا يمكن اليوم الجزم بأبوّة قيصر له5.
أنطونيوس على قيدنوس: طرسوس وسنوات الإسكندرية (41–37 ق.م)
في سنة 41 ق.م، وقد صار المتحكّم في ولايات روما الشرقية، استدعى أنطونيوس كليوباترا إلى طرسوس لتفسير دورها في أعقاب اغتيال قيصر5. فسارت إليه محمّلة بالهدايا، بعد تأجيل متعمّد لرحيلها يزيد لهفته5. ويروي بلوتارخ مشهد قيدنوس: سفينة بمؤخرة مذهّبة وأشرعة أرجوانية ومجاديف فضية، وبخور ينتشر على ضفتي النهر11. وهمس الجماهير في كل مكان بأن فينوس جاءت لتنادم باخوس لخير آسيا11. وكانت تحضر بوصفها «إيزيس الجديدة»، وهو لقب سياسي ميّزها عن الملكة البطلمية السابقة كليوباترا الثالثة5.
ويكشف بلوتارخ في هذا السياق عن طبيعة قوتها: فجمالها «لم يكن في ذاته بالدرجة التي لا تُبارى»11. أما سرّها فكان في الحديث؛ فمجالستها حملت سحراً لا يُقاوم، وكان في حضورها ونبرات صوتها ما يُثير11. وكان لسانها كآلة ذات أوتار كثيرة، تديرها إلى أي لغة تشاء11. وقلّما احتاجت مترجماً مع الإثيوبيين والتروغلوديت والعبرانيين والعرب والسوريين والميديين والفرثيين11. مع أن ملوك مصر من قبلها لم يبذلوا حتى جهداً لتعلّم اللغة الأصلية للبلاد11.
أمضى الاثنان شتاء 41–40 ق.م في الإسكندرية، وهناك شكّلا جمعيتهما الشهيرة «عاشرو الحياة التي لا تُقلَّد»9. وفي سنة 40 ق.م أنجبت كليوباترا التوأمين ألكسندر هيليوس وكليوباترا سيليني5. وفي الإطار نفسه عاد أنطونيوس إلى إيطاليا، فتزوج أوكتافيا شقيقة أوكتافيان في تسوية برونديزيوم بعد موت فولفيا5. على أنه كان يعتبرها زوجته قبل أن يتزوجها قانوناً12.
وبعد ثلاث سنوات عاد أنطونيوس إلى الشرق، فكان اللقاء في أنطاكية حيث وُضعت خطط حملته الفرثية9. وهناك حملت كليوباترا بطفلها الثالث منه، بطلميوس فيلادلفوس9. وانتقلت بموجب ذلك اللقاء أجزاء من أملاك روما الشرقية إلى سيطرتها9. فقد كان أنطونيوس يحتاج دعمها المالي لحملته الفرثية المؤجلة، فطلبت في المقابل استعادة جزء كبير من إمبراطورية مصر الشرقية السابقة، بما فيه بساتين البلسم الغنية في أريحا5.
تبرعات الإسكندرية وحرب الكلمات (34–32 ق.م)
في «تبرعات الإسكندرية» سنة 34 ق.م نوديت كليوباترا «ملكة الملوك»، ونودي قيصرون «ملك الملوك»5. ووُزّعت أراضٍ على الأبناء: ألكسندر هيليوس نال أرمينيا والأرض وراء الفرات، وأخوه الرضيع بطلميوس نال ما غربها، وكليوباترا سيليني صارت حاكمة قوريني5. وكان واضحاً لأوكتافيان المترقّب من روما أن أنطونيوس يريد لعائلته الموسّعة أن تحكم العالم المتمدن5.
واستولى أوكتافيان على وصية أنطونيوس — أو ما ادّعى أنها وصيته — من معبد عذارى فيستا حيث كانت أودعت5. وكشف للشعب الروماني أنها تضم منح أملاك رومانية لامرأة أجنبية، ورغبة أنطونيوس في أن يُدفن بجانبها في مصر5. غير أن كثيراً من المؤرخين يرى أن الوصية كانت في الواقع ملفّقة، فقد خدم مضمونها حربه الكلامية على كليوباترا13. وكانت دعايته تصورها فاتنة شريرة لأعظم رجلين رومانيين، وتشيع أنه لو آل الأمر لأنطونيوس لسلّم روما لها ونقل مقر السلطة إلى الإسكندرية13.
| الاتهام الروماني | قائله | ما يقوله السجل |
|---|---|---|
| «ساحرة فتنت أنطونيوس بالعقاقير» | دعاية أوكتافيان كما تسجّلها موسوعة تاريخ العالم13 | تحالف سياسي ومالي: احتاجت كليوباترا أنطونيوس لإحياء حدود مملكتها، واحتاج أنطونيوس مصر مصدراً للتجهيز والتمويل14 |
| «عاهرة وشرقية سكّيرة» | نعت بها أوكتافيان ومجلس الشيوخ خصمهم سنة 32 ق.م9 | المجلس «صوّت على شنّ الحرب ضد كليوباترا» وحدها، «ولم يعلن شيئاً من ذلك ضد أنطونيوس»15 |
| نقل العاصمة إلى الإسكندرية | إشاعة روّجتها حملة أوكتافيان13 | دوّت الاتهامات في العالم من يومها حتى صارت أحياناً تُؤخذ بحسن نية كوقائع13 |
| فاتنة لا سياسية | الصورة الرومانية الشائعة3 | الكتّاب القدامى أثنوا على ذكائها وسحرها قبل صفاتها الجسدية3 |
وفي سنة 32 ق.م بلغ الأمر ذروته: جرّد مجلس الشيوخ أنطونيوس من سلطاته9. وأُعلنت الحرب — لا على أنطونيوس، بل على كليوباترا وحدها9. وصوّت الرومان في الوقت نفسه على انتزاع سلطة أنطونيوس «التي سلّمها لامرأة»11. ويشرح كاسيوس ديو الحساب السياسي: أرادوا أن يحمّلوه أيضاً عار محاربة وطنه إلى جانب امرأة مصرية15.
أكتيوم والانهيار (31–30 ق.م)
وتوّج التصعيد بمواجهة بحرية: في 2 سبتمبر سنة 31 ق.م واجه أوكتافيان قوّتي أنطونيوس وكليوباترا مجتمعتين في معركة بحرية كانت كارثة على المصريين5. ويذكر بلوتارخ أن أنطونيوس كان يملك ما لا يقل عن خمسمئة سفينة قتالية، ومئة ألف من المشاة، واثني عشر ألفاً من الفرسان11. وكان أسطول أنطونيوس وجيشه يقضيان الصيف في أكتيوم حين قطع أغريبا — قائد أسطول أوكتافيان — خطوط الإمداد13. وكانت خطة القتال تنتهي — إن فشلت — بالفرار إلى مصر13.
«بلغ بأنطونيوس أن صار ذيلاً للمرأة: فمع أنه كان متفوّقاً على البر تفوقاً كبيراً، أراد أن يُترك القرار لأسطوله إرضاءً لكليوباترا»11
بلوتارخ، حياة أنطونيوس 62
«وغلّبت كليوباترا رأيها بأن يُحسم الأمر بالسفن، مع أنها كانت تفكّر في الفرار وتوزّع قواها حيث يمكنها الإفلات إن خسرت المعركة»11
بلوتارخ، حياة أنطونيوس 63
«شوهدت سفن كليوباترا الستون ترفع أشرعتها للفرار وتشقّ طريقها وسط المقاتلين، فأوقعت الفوضى في الأسطول»11
بلوتارخ، حياة أنطونيوس 66
«ما إن رأى سفينتها تبتعد حتى نسي كل شيء، وفرّ من الذين يقاتلون ويموتون في قضيته، وركب مركباً خماسياً ولحق بالمرأة التي أهلكته من قبل»11
بلوتارخ، حياة أنطونيوس 66
| المصدر | أرقام القوى والخسائر | الملاحظة |
|---|---|---|
| بلوتارخ | خمسمئة سفينة قتالية، ومئة ألف مشاة، واثنا عشر ألفاً من الفرسان11 | أرقام ضخمة لأسطول واحد |
| موسوعة تاريخ العالم | 230 سفينة و50 ألف بحّار في مواجهة أسطول أغريبا9 | ملخص حديث بأرقام أدنى كثيراً |
| قيصر نفسه كما نقل بلوتارخ | قتلى لا يزيدون على خمسة آلاف، وثلاثمئة سفينة وقعت في الأسر11 | لا تتفق أعداد القتلى والغنائم مع تقديرات القوى |
وكانت التبعات قاسية: صمدت كتائب أنطونيوس سبعة أيام ثم استسلمت11. وفي الإسكندرية حلّ الاثنان جمعية «عاشرو الحياة التي لا تُقلَّد»، وأسّسا بدلاً منها جمعية «شركاء الموت» التي تعهّد أعضاؤها بالموت معاً11. وشرعت كليوباترا تجمع أنواع السموم القاتلة وتختبر خفّة أثرها على محكومين بالإعدام11. ولما رأت أن السموم السريعة تزيد الموت حدةً بالألم، وأن الأليفة منها ليست عاجلة، جرّبت الحيوانات السامة تراقبها بعينها تُطلق بعضها على بعض11. وخلصت — كما يروي بلوتارخ — إلى أن لدغة الأفعى وحدها تُحدث خدراً ناعماً وسكوناً بلا تشنج ولا أنين11.
موت كليوباترا ومشكلة المصادر
في 1 أغسطس سنة 30 ق.م ألقى أنطونيوس بنفسه على سيفه بعد بلاغ كاذب بوفاة كليوباترا11. وقد خافت كليوباترا غضبه، فتحصّنت في ضريحها وأرسلت تقول إنها ماتت11. ثم نُقل أنطونيوس إلى الضريح، ودُلّي إلى الأعلى عبر نافذة بحبال شدّتها كليوباترا وامرأتان11. ومات بين ذراعيها بعد أن نصحها بأن تنظر في أمن نفسها إن استطاعت دون عار، وأن تثق ببروكوليوس من بين أصحاب قيصر11.
كانت أوامر أوكتافيان إحضار كليوباترا حيّة: فقد خشي على كنز ضريحها، ورأى أن قيادتها في موكب انتصاره ستزيده مجداً11. ويروي بلوتارخ عن يومها الأخير رجلاً من الريف جاء بسلة تين، فلما رأى الحرّاس عِظَم التين وبهاءه أدخلوه دون ارتياب11. وبعد عشائها أرسلت كليوباترا لوحاً مختوماً إلى قيصر، وأغلقت الأبواب وليس معها إلا امرأتان وفيتان11. وعندما قُتحت الأبواب وُجدت ميتة على أريكة ذهبية بالزينة الملكية، وإيراس تحتضر عند قدميها، وخارميون تحاول تعديل التاج على جبينها11. وحين قيل لخارميون ساخراً «فعل جميل هذا!» أجابت: «نعم، هو جميل جداً ويليق بسليلة هذا العدد من الملوك»، ثم لم تنطق بكلمة وسقطت إلى جانب الأريكة11.
أما الكيفية فمدار تضارب: يقول بلوتارخ إن الأفعى أُدخلت مخبأة بين التين والورق، أو — كما يقول آخرون — كانت محفوظة في جرة ماء يُثار حفيظتها بمغزل ذهبي حتى تنشب في ذراعها11. لكنه يصرّح بحدود المعرفة: «لكن أحداً لا يعرف حقيقة الأمر»11. ويورد الرواية البديلة: أنها كانت تحمل سماً في مشط أجوف مخبأ في شعرها11. ويلاحظ أن بعضهم رأى وخذتين خفيفتين في ذراعها، وأن قيصر بدا مصدّقاً لذلك، إذ حُمل في موكبه تمثال لها ملتصقةً به الأفعى11. ويوافقه كاسيوس ديو: «لا أحد يعرف بيقين كيف لقيت حتفها، ولم يكن على جسدها سوى وخزات خفيفة في الذراع»16.
وتضع بريتانيكا الرواية الشائعة موضع شك: فالاعتقاد القديم بالأفعى «من غير المرجح علمياً أن ينتج سماً كافياً لقتل ثلاثة بالغين»5. وقد أورد عدد من الكتّاب القدامى أن كليوباترا وامرأتيها سُمّوا5. بل إن بعض الباحثين المحدثين طرح أن موتها لم يكن انتحاراً، بل دُسّ إليها السم سراً من أوكتافيان أو من أعوانه5. وتصف مراجعة علمية حديثة في السموم نظرية الأفعى بأنها موضع إشكال، إذ إن الأنواع المرشّحة كثيرة إلى حدّ يجعل التحقق من «الأفعى» المعنية مستحيلاً2. وهي تعيد بناء المنطق: اقتنعت كليوباترا بأن السموم الفموية تعني نهاية بطيئة وعذاباً، فقرّرت على الأرجح أن تمنح نفسها نهاية سريعة بلا ألم2.
| الرواية | أقدم تسجيل | الإشكال |
|---|---|---|
| الأفعى في سلة التين | بلوتارخ وديو (القرنان الأول والثالث الميلادي)11 | «لكن أحداً لا يعرف حقيقة الأمر»11، ولا الوخذات تثبت شيئاً16 |
| السم في مشط أجوف | يورده بلوتارخ روايةً بديلة11 | رواية بلا أثر مادي، وتتناقض مع رواية الأفعى |
| وخذتان خفيفتان في الذراع | بلوتارخ؛ وقيصر «يبدو أنه صدّق»11 | لا تفضيان بالضرورة إلى موت، ولا تحددان نوع الأفعى |
| فرضية قتل مدبَّر | بحث حديث5 | فرضية تفسيرية لا أكثر5 |
ما فعلته فعلاً: ملكة ودبلوماسية وامرأة عالم
من الخطأ الشائع أن تُقرأ كليوباترا عبر قيصر وأنطونيوس فحسب؛ فقد كانت ملكة قوية وحكمت مصر البطلمية قبلهما3. وكانت أقوى من أيٍّ من الحكام المتأخرين في أسرتها، وحفظت مملكتها متماسكة عبر فترة عصيبة3. وقد أثار استقلالها في القرار حساسيات البلاط، إذ كانت تتخذ القرارات وتنفذها دون مشورة أعضاء بلاطها3. وفي مرة أصدرت حكماً حازماً حين قتل ضباط مرتزقة رومان أبناء والي سوريا الروماني: أوقفت المسؤولين فوراً وسلّمتهم إلى والدهم المكلوم3.
كانت كليوباترا السابعة الوحيدة من أسرتها التي تعلّمت المصرية5. وقد عرفت لغات شعوب كثيرة، وخاطبت الإثيوبيين والتروغلوديت والعبرانيين والعرب والسوريين والميديين والفرثيين بلا مترجم تقريباً11. مع أن ملوك مصر من قبلها لم يبذلوا جهداً لتعلّم اللغة الأصلية، وبعضهم تخلى عن لهجته المقدونية11.
وتتواصل مع هذا التقليد العلمي إسهامها المنسوب في الصيدلة: تنسب إليها دراسة حديثة دليلاً مهنياً باليونانية عنوانه «التجميلات»2. ناقش الكتاب العقاقير والأدهنة والمستحضرات، وهو على الأرجح الكتاب الذي ذكره بليني باسم «كليوباترا جينيكياروم ليبري»2. ويسجّل بلوتارخ بالتفصيل تجاربها المنهجية على السموم ومراقبتها الحيوانات السامة بعينها11. ويحفظ سجلّ النقود أثراً وثائقياً آخر: فقد أصدرت نقوداً برونزية في قبرص التي أعادها قيصر إلى مملكتها17. وعلى تلك النقود رأسها وأمامه ابنها الصغير قيصرون، وقد يُقرأ التصميم أفروديت وإيروس أو إيزيس وحورس الطفل17.
كان ثقلها المالي عنصراً حاسماً في حسابات القوة: أسهمت من مصر بعشرين ألف طالنط في تمويل استعدادات أنطونيوس الحربية13. وقد لخّصت بريتانيكا المعادلة: احتاجت كليوباترا أنطونيوس لإحياء حدود مملكتها، واحتاج أنطونيوس مصر مصدراً للتجهيز والتمويل14. وأظهرت ذلك في التفاوض: فحين احتاج دعمها المالي للحملة الفرثية اشترطت استعادة إمبراطورية مصرية شرقية قديمة، بما فيها بساتين البلسم الغنية في أريحا5. وكانت شراكة إحدى عشرة سنة ووالدة ثلاثة من أبنائه، لا مجرد قصة حب14.
مراجعة الأسطورة: الصورة الرومانية مقابل السجل
تستحق الصورة الشائعة عن كليوباترا مراجعة نقدية، فقد صاغتها الدعاية الرومانية في جوهرها: فاتنة شريرة لأعظم رجلين رومانيين13. وقد دوّت تلك الاتهامات في العالم من يومها حتى صارت أحياناً تُؤخذ بحسن نية كوقائع13. في المقابل، أثنى الكتّاب القدامى على ذكائها وسحرها قبل صفاتها الجسدية3. ويشدّد البحث الحديث على أنها كانت ملكة عاملة حكمت مصر البطلمية وحفظتها متماسكة قبل أن يدخل قيصر وأنطونيوس إلى حكايتها3.
المآلات: ما صنعته روما منها
جرت العادة أن يُختم هذا كله بموكب النصر: حُمل فيه نُصُب لكليوباترا الميتة على أريكة مع أبنائها، فكانت «جزءاً من المشهد وغنيمة في الاحتفال»16. وصارت مصر ولاية رومانية سنة 30 ق.م، فانتهت المملكة البطلمية3. وقد عزّز أوكتافيان موقعه بتولّي مصر وإمداد روما بحبوبها شخصياً13. ولاستمالة رعايا كليوباترا السابقين، تقبّل مراسم الفرعون البطلمي ولقبه ولو لم تكن لهما عنده قيمة13.
ولم ينجُ بيتها كله: قُتل قيصرون بعد موت كليوباترا بأمر من أوكتافيان11. وقد كان اسمياً الحاكم المنفرد للمملكة البطلمية حتى أُعدم في أواخر أغسطس سنة 30 ق.م10. أما أبناء أنطونيوس فنجوا: لم يُعدَم منهم إلا أنتيلوس الابن الأكبر، وربّت أوكتافيا الباقين مع أبنائها11. وتزوجت كليوباترا سيليني من جوبا، الذي وصفه بلوتارخ بأنه «أكثر الملوك كمالاً»11. وشهدت التماثيل مفارقة: هُدّمت تماثيل أنطونيوس وبقيت تماثيل كليوباترا قائمة، بعد أن دفع صديقها أرخيبوس ألفي طالنط لقيصر11.
ومع انقضاء الأجيال، صارت كليوباترا تُذكر لإغوائها رجلين عظيمين أكثر مما تُذكر لإدارتها مملكة غنية كثيفة السكان في خريفها3. فقد دوّت الاتهامات الرومانية في العالم من يومها، حتى صارت أحياناً تُؤخذ بحسن نية كوقائع13. ولم تبدأ محاولات البحث الحديث لتقديم صورة أكثر واقعية وإشراقاً إلا في القرن الماضي3.
دُفن أنطونيوس وكليوباترا معاً كما أرادا5. وتقول بريتانيكا إن الجمهورية الرومانية نفسها دُفنت معهما5. ويستمر الجدل الحديث حول قبرها وعرقها وطريقة موتها، وما بأيدينا من شهادات هو في غالبه رواية رومانية معادية كُتبت بعد أجيال من الأحداث13. فأي تفصيل درامي في سيرتها — من سلة التين إلى مشط السم — ينبغي أن يُقرأ بهذا التحفظ11.
الخط الزمني
مولد كليوباترا السابعة
وُلدت كليوباترا السابعة في نحو 70/69 ق.م، ابنة بطلميوس الثاني عشر أوليتس ملك مصر.
اعتلاء العرش بعد وفاة أبيها
بوفاة بطلميوس الثاني عشر انتقل العرش إلى بطلميوس الثالث عشر وكليوباترا السابعة، وكانت في نحو الثامنة عشرة وأصبحت في البداية الطرف الأقوى في الحكم.
أول مرسوم يتقدّم فيه اسم بطلميوس
أول مرسوم يتقدّم فيه اسم بطلميوس الثالث عشر على اسمها يكشف تراجع مكانتها في البلاط.
المنفى وبيلوسيوم ووصول قيصر
فرّت كليوباترا إلى سوريا وجمعت جيشًا لكنه هُزم قرب بيلوسيوم، وقُتل بومبيوس في البلاط المصري ثم وصل يوليوس قيصر إلى مصر.
العودة إلى العرش ومولد قيصرون
أعاد قيصر كليوباترا إلى العرش فحكمت مع أخيها بطلميوس الرابع عشر؛ وغرق بطلميوس الثالث عشر في النيل؛ وفي يونيو أنجبت بطلميوس قيصر المعروف بـ«قيصرون».
كليوباترا في روما
احتفل قيصر بانتصاره أربعة أيام جيء فيها بأرسينوي شقيقة كليوباترا؛ وأقامت كليوباترا في فيلا قيصر عبر نهر التيبر، ويُرجَّح أنها شهدت تدشين تمثال ذهبي لها في معبد فينوس جينيتريكس.
مقتل قيصر ووفاة بطلميوس الرابع عشر
كانت كليوباترا في روما حين اغتيل قيصر؛ وبعد عودتها إلى الإسكندرية توفي شريكها في الحكم بطلميوس الرابع عشر (44 ق.م) فحكمت مع طفلها قيصرون ابتداءً من 2 سبتمبر 44 ق.م.
اللقاء في طرسوس
استدعى أنطونيوس كليوباترا إلى طرسوس، فوصلت على نهر قيدنوس بثياب إيزيس الجديدة، وصارا عاشقين وحليفين وأمضيا الشتاء في الإسكندرية.
مولد التوأمين وزواج أنطونيوس من أوكتافيا
أنجبت كليوباترا لأنطونيوس التوأمين ألكسندر هيليوس وكليوباترا سيليني، وعاد أنطونيوس إلى إيطاليا فتزوج أوكتافيا شقيقة أوكتافيان في إطار تسوية برونديزيوم.
تبرعات الإسكندرية
أقام أنطونيوس وكليوباترا حفل «تبرعات الإسكندرية»: نوديت كليوباترا «ملكة الملوك» وقيصرون «ملك الملوك»، ووُزّعت أراضٍ على أبنائهما.
إعلان الحرب على كليوباترا وحدها
استولى أوكتافيان على وصية أنطونيوس وأعلن مضمونها، فجرّد مجلس الشيوخ أنطونيوس من سلطاته وأعلن الحرب على كليوباترا وحدها لا عليه.
معركة أكتيوم
هزم أسطول أوكتافيان بقيادة أغريبا أنطونيوس وكليوباترا في البحر الأيوني؛ فشقت سفن كليوباترا طريقها هاربة نحو مصر وتبعها أنطونيوس.
وفاة أنطونيوس
بعد بلاغ كاذب بوفاة كليوباترا، ألقى أنطونيوس نفسه على سيفه ونُقل إلى ضريحها حيث فارق الحياة.
وفاة كليوباترا وضمّ مصر
توفيت كليوباترا (تسجّل بريتانيكا 30 أغسطس، بينما تذكر جداول زمنية أخرى 12 أغسطس)؛ وقُتل قيصرون بعدها بقليل، وصارت مصر ولاية رومانية.
أسئلة شائعة
من هي كليوباترا السابعة؟
هي آخر من حكم مصر من البطالمة قبل أن تُضم ولاية رومانية3. وُلدت نحو سنة 70/69 ق.م ابنةً لبطلميوس الثاني عشر أوليتس5، وكانت يونانية عرقاً من أسرة مقدونية، لكنها مصرية ثقافة قدّمت نفسها ملكة مصرية3.
هل تزوج يوليوس قيصر كليوباترا؟
لا؛ تقول بريتانيكا إن قيصر لم يتزوج كليوباترا، وإن كانت بينهما علاقة عاطفية7. وقد أعلن قيصرون ابناً له دون أن يجعله وريثه3.
هل كان قيصرون ابن قيصر فعلاً؟
لا يمكن اليوم الجزم بذلك، كما تقول بريتانيكا5. وقد أُعلن قيصرون ابناً لقيصر علناً من جهة كليوباترا ثم من جهة أنطونيوس، دون أن يصير وريثاً3.
كيف ماتت كليوباترا؟
لا أحد يعرف حقيقة الأمر: فالروايات القديمة تتناقض بين الأفعى والسم والمشط الأجوف11، ويؤكد ديو أنه لم يكن على جسدها سوى وخزات خفيفة في الذراع16. وترى بريتانيكا أن موت ثلاثة بالغين بلدغة أفعى أمر غير مرجّح علمياً5.
لماذا ارتبطت قصتها بالأفعى إلى هذا الحد؟
لأن صورة الموكب ثبّتتها: حُمل في موكب انتصار أوكتافيان نُصُب للملكة الميتة على أريكة16، وحُمل — بحسب بلوتارخ — تمثال لها ملتصقةً به الأفعى11. وقد كان الاعتقاد بالأفعى شائعاً في العصور القديمة5.
كم لغة كانت تتحدث كليوباترا؟
تعدّد المصادر قائمة الشعوب التي خاطبتها دون مترجم: الإثيوبيون والتروغلوديت والعبرانيون والعرب والسوريون والميديون والفرثيون11. وكانت الوحيدة من أسرتها التي تعلّمت المصرية5، مع أن ملوك مصر من قبلها لم يبذلوا جهداً لتعلّم اللغة الأصلية11.
خريطة المعرفة
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19