الإمبراطورية الرومانية
من انهيار الجمهورية إلى سقوط الغرب وبقاء بيزنطة — تاريخ الإمبراطورية الرومانية وحكمها وحدودها ومدنها وإرثها، مبنيٌّ بالكامل على أدلة موثّقة المصادر.
الإمبراطورية الرومانية دولة قديمة تمركزت حول مدينة روما، وتأسّست عام 27 ق.م حين اتخذ أوكتافيان لقب أغسطس، واستمرّت إمبراطوريةً للغرب حتى خلع رومولوس أوغستولوس عام 476 م، بينما نجت الإمبراطورية الشرقية بوصفها الإمبراطورية البيزنطية حتى 1453. وفي أقصى امتدادها في عهد ترايان امتدت الإمبراطورية من بريطانيا إلى بلاد الرافدين ومن الراين والدانوب إلى شمال أفريقيا، ودافعت عنها حدود بطول نحو 5,000 كيلومتر. تتبع قاعدة المعطيات التقسيم الزمني الثلاثي المعتمد — الجمهورية (509–27 ق.م) والبريدنسيب (27 ق.م–284 م) والدومينات (284–476 م في الغرب) — وتغطي الحكم والاقتصاد والمجتمع والدين والآثار (بومبي وروما وسور هادريان) والإرث، مع اقتباس حرفي من المصدر في كل بند معرفي.
ما الإمبراطورية الرومانية
الإمبراطورية الرومانية دولة قديمة تمركزت حول مدينة روما، ويُعتمد عام 27 ق.م في التأريخ لتأسيسها1. وفي ذلك العام مُنح أوكتافيان لقب princeps، أي «المواطن الأول»، وهو لقب أُريد به إبقاء صورة السلطة المحدودة2. غير أن الواقع انتهى إلى حكم أوتوقراطي خلف الأشكال الجمهورية المُحيَاة2. وكان أوغسطس أول إمبراطور لروما، إذ حكم من 27 ق.م إلى 14 م1.
ومن بلدة صغيرة على نهر التيبر وسط إيطاليا، تحوّلت روما عبر القرون إلى إمبراطورية شملت إنكلترا ومعظم أوروبا القارية غرب الراين وجنوب الدانوب، ومعظم آسيا غرب الفرات، وشمال أفريقيا، وجزر البحر المتوسط3. وبحسب الأسطورة، أُسّست المدينة على ضفاف التيبر عام 753 ق.م على يد رومولوس وريموس، وكانت أولًا مركز الجمهورية ثم مركز الإمبراطورية4. وفي القرن الرابع الميلادي صارت روما عاصمة العالم المسيحي4.
ويجري هذا المقال على التقسيم الزمني الثلاثي المعتمد: الجمهورية، وتمتد من 509 ق.م إلى 27 ق.م حين تأسّست الإمبراطورية2. ثم البريدنسيب (27 ق.م–284 م)، وهو النظام الذي أقامه أغسطس فجمع بعض عناصر الجمهورية مع السلطات التقليدية للملكية1. ثم الدومينات التي افتتحها دقلديانوس من عام 284 م، فأعاد بها كفاءة الحكم إلى الدولة بعد عقود من الاضطراب5. ويتتبّع المقال حكم الإمبراطورية وحدودها ومدنها وإرثها، من انهيار الجمهورية إلى سقوط الغرب وبقاء بيزنطة1.
من القرية إلى الجمهورية (753–27 ق.م)
بحسب الرواية التقليدية أُسّست مدينة روما عام 753 ق.م، وفي عام 509 ق.م بدأ عهد الجمهورية3. وقد سبق الجمهوريةَ عهدُ الملوك الذي افتتحه رومولوس بحسب الرواية نفسها3. واستبدل الرومان الملكية بمسؤولَين اثنين يُنتخبان سنويًا عُرفا بالقنصلين2. ولم يبدأ التدوين التاريخي الجدّي عن روما المبكرة إلا بعد قرون من تلك الأحداث3.
نظريًا كان الشعب صاحب السيادة، وكان مجلس الشيوخ يقدّم المشورة فقط، لكنه مارس في الواقع سلطة هائلة بفضل الهيبة الجماعية لأعضائه2. وكان للجمهورية جمعيتان شعبيتان: جمعية المئويات ذات الطابع العسكري، وجمعية القبائل المدنية غير العسكرية3. وفي عام 451 ق.م تلقّت روما أول مدوّنة قانونية مكتوبة، هي قانون الألواح الاثني عشر، الذي صار أساس القانون الخاص الروماني كله2. وانقسم المجتمع بين الأرستقراطيين (البطريق) والعامة (البليبس)، ودام صراعهما السياسي أكثر من 200 سنة3.
وعلى مدى السنوات 264–146 ق.م دارت الحروب البونية بين روما وقرطاجة3. وفي عام 146 ق.م احتّل الرومان قرطاجة ودمّروها تدميرًا كاملًا2. ونظّم الرومان الشعوب المغلوبة في ولايات يحكمها حكّام معيّنون ذوو سلطة مطلقة على كل غير المواطنين الرومان2. وعلى خلاف مدن اليونان، أدمجت روما منذ بدايتها الشعوب المغلوبة، ثم منحت الجنسية الرومانية لاحقًا لحلفائها الذين تبنّوا العادات الرومانية3.
واستحوذ يوليوس قيصر في النهاية على السلطة الكاملة في روما بوصفه دكتاتورًا، وبعد اغتياله عام 44 ق.م حكم الثلاثي مارك أنطوني وليبيدوس وأوكتافيان2. وكان هؤلاء قد مُنحوا رسميًا في 27 نوفمبر عام 43 ق.م تفويضًا دكتاتوريًا لخمس سنوات لإعادة بناء الدولة (التحالف الثلاثي الثاني)6. ولم يطل التنافس حتى خاض أوكتافيان حربه ضد أنطونيوس، وبعد انتصاره في أكتيوم عام 31 ق.م توّج أول إمبراطور لروما: أغسطس2.
جدول الحقب: الجمهورية والبريدنسيب والدومينات
لكل حقبة من الحقب الثلاث سمات حاكمة: قضاة منتخبون ومجلس شيوخ وتوسّع جمهوري، ثم أمير خلف مؤسسات قديمة، ثم إصلاحات أوتوقراطية أنقذت الدولة1. ويعرض الجدول الآتي هذه الحقب الثلاث بتواريخها وملامحها الأساسية1.
| الحقبة | المدى الزمني | ملامح الحكم والمحطات |
|---|---|---|
| الجمهورية | 509–27 ق.م2 | حكم القضاة المنتخبون والقنصلان سنويًا ومجلس الشيوخ2. والتوسّع المتوسطي بعد الحروب البونية وتدمير قرطاجة عام 146 ق.م2. ثم الانهيار في الحروب الأهلية ومصرع قيصر عام 44 ق.م2. |
| البريدنسيب | 27 ق.م–284 م1 | الأمير الخلف لأشكال جمهورية مُحيَاة، من سلالة يوليو-كلاوديوس إلى السلالة السيفيرية1. وأقصى امتداد إقليمي في عهد ترايان7. ثم أزمة القرن الثالث قبل نهوض دقلديانوس5. |
| الدومينات | من 284 م؛ ينتهي في الغرب عام 476 م ويستمر في الشرق1 | إصلاحات دقلديانوس والنظام الرباعي، وأساس الإمبراطورية البيزنطية في الشرق5. وإمبراطورية مسيحية منذ عهد قسطنطين8. وسقوط الغرب عام 476 م، واستمرار الشرق حتى 14531. |
ويُظهر هذا التسلسل أن سقوط الغرب عام 476 م لم يكن نهاية روما كلها، إذ واصل الشرق حياته بوصفه الإمبراطورية البيزنطية حتى 1453 م1.
الترتيب الأغسطي
في عام 27 ق.م مُنح أوكتافيان لقب princeps أي «المواطن الأول»، فصارت هذه السنة بداية عهد البريدنسيب2. وقد قُصد باللقب إبقاء صورة السلطة المحدودة، لا إعلان أوتوقراطية صريحة2. وتميّز عهده، الممتد من 27 ق.م إلى 14 م، بالاستقرار والسلام1.
وقد أقام أغسطس نظامًا عُرف بالبريدنسيب، جمع بعض عناصر الجمهورية مع السلطات التقليدية للملكية1. وأحلّ على العالم اليوناني الروماني سلامًا عُرف بـ«السلام الروماني» (Pax Romana)6. ويعالج «تاريخ كامبريدج القديم» هذه الحقبة بوصفها تحوّلًا في البنية السياسية للدولة إلى ملكية سلالية ونشوءًا للإمبراطورية الرومانية، في قلبها إنجاز الإمبراطور الأول9.
ويحفظ سجل «أعمال الإله أغسطس» رواية الإمبراطور نفسه عن أعماله، وهو مصدر أساسي للترتيب الأغسطي10. فقد لُقّب أوغسطس بمرسوم من مجلس الشيوخ، ووُضع درع ذهبي في كوريَا يوليا شاهدًا على شجاعته ورحمته وعدله وتقواه10. ويذكر أنه أرغم الفرثيين على إعادة غنائم ثلاثة جيوش رومانية وألويتها، وعلى التماس صداقة الشعب الروماني10. وتُحصي الوثيقة أعداد المواطنين الرومان: 4,063,000 ثم 4,233,000 ثم 4,937,00010. ويذكر السجل أيضًا أن نحو 500,000 مواطن روماني أدّوا له قسمًا عسكريًا10.
«senatus consulto Augustus appellatus sum et laureis postes aedium mearum vestiti publice coronaque civica super ianuam meam fixa est» — أي: بمرسوم من مجلس الشيوخ لُقّبت بأوغسطس، وستُرَت قوائم بيتي بالغار علنًا، وثُبّت الإكليل المدني فوق بابي10
أغسطس، «أعمال الإله أغسطس» (Res Gestae Divi Augusti)، النص اللاتيني — المكتبة اللاتينية
«censa sunt civium Romanorum capitum quadragiens centum millia et nongenta triginta et septem millia» — أي: أُحصي 4,937,000 مواطنًا رومانيًا10
أغسطس، «أعمال الإله أغسطس»، النص اللاتيني — المكتبة اللاتينية
الخلافة والسلالات الأولى (14–96 م)
واختار أغسطس تيبيريوس خليفةً له، وتبنّاه عام 4 م، فبدأت بذلك سلالة يوليو-كلاوديوس1. وتتابع على العرش تيبيريوس (14–37) فكاليغولا (37–41) فكلاوديوس (41–54) فنيرون (54–68)1. وقد أنهى نيرون السلالة بكونه أول إمبراطور يُمحى عهده رسميًا بأمر من مجلس الشيوخ1.
وفي عام 69 م انتهت حرب على الخلافة بوصول فسبازيان إلى العرش وتأسيس سلالة فلافيوس1. وقد اشتُهر عهده (69–79) بإعادة تنظيم الجيش، وتوسيع عضوية مجلس الشيوخ، وتنظيم الضرائب، وتعزيز حدود الإمبراطورية1.
وبخلاف حروب الجمهورية شبه الدائمة، كان القرنان الأولان من العهد الإمبراطوري سلميين نسبيًا2.
الإمبراطورية العليا (96–192)
كان ترايان إمبراطورًا رومانيًا بين 98 و117 م، سعى إلى توسيع حدود الإمبراطورية شرقًا، ونفّذ برنامج بناء هائلًا، ووسّع الرعاية الاجتماعية7. وتخلّى عن سياسة عدم توسيع الحدود التي أرساها أغسطس، وأضاف داقية والعربية وأرمينيا وبلاد الرافدين إلى الإمبراطورية7. وشملت أعماله العامة الطرق والجسور والقنوات واستصلاح الأراضي القاحلة وبناء الموانئ7. وكان كريمًا مع سكان روما، فوزّع عليهم هدايا نقدية سخية، ووسّع عدد الفقراء الذين يتلقّون الحبوب مجانًا من الدولة7. وما زال عمود ترايان قائمًا في الساحة خلف منتداه يخلّد حروبه الداقية، وقد استقبلت قاعدته لاحقًا رماد الإمبراطور7. وتُعدّ رسائل بليني الأصغر وترايان، المحفوظة في الكتاب العاشر من مراسلاته، من أهم مصادر الإدارة الولائية الرومانية7.
وفي عهد هادريان بُني السور الذي يحمل اسمه عند أقصى الحدود الشمالية لمقاطعة بريطانيا نحو سنة 122 م، وبلغ طوله 118 كيلومترًا11. وامتد السور من وولسند (Wallsend) على نهر التاين شرقًا إلى بوينس (Bowness) على خور سولواي غربًا، أي 73 ميلًا من الساحل إلى الساحل عبر عرض شمال بريطانيا12. ونصّت الخطة الأصلية على جدار حجري عرضه 10 أقدام رومانية وارتفاعه 12 قدمًا على الأقل في القطاع الشرقي، ومتراس ترابي عرضه 20 قدمًا رومانية عند القاعدة في القطاع الغربي12. ثم بنى أنطونينوس بيوس (138–161) سور أنطونين في اسكتلندا بطول 37 ميلًا، لكنه هُجر خلال عقدين لصالح سور هادريان، الذي بقي مستخدمًا حتى قرب نهاية الحكم الروماني في بريطانيا12.
وكان ماركوس أوريليوس آخر الأباطرة الخمسة الصالحين، وقد ختم عهده (161–180) فترة من الهدوء الداخلي وحسن الحكم13. ويعرفه القراء أساسًا بـ«التأملات» في الفلسفة الرواقية13. وعادت الجيوش من حرب الفرثيين حاملة وباءً تفشّى في أنحاء الإمبراطورية سنوات13. وفي عام 167 أو 168 انطلق ماركوس وفيروس في حملة تأديبية عبر الدانوب، فاجتاحت من خلفهما حشود من القبائل الجرمانية إيطاليا وحاصرت أكويليا13.
ومنح مرسوم كاراكلا الصادر عام 212 الجنسية الرومانية لكل السكان الأحرار في الإمبراطورية14. وكان قد حكم مناصفةً مع أبيه سبتيموس سفيروس بين 198 و211، ثم منفردًا من 211 حتى اغتياله عام 21714. وإلى جانب مرسوم الجنسية، تُعدّ حمّاماته الضخمة في روما من أبرز منجزاته14.
أزمة القرن الثالث ودقلديانوس (235–305)
وقد أظهرت مراسلات بليني وترايان أن مالية الإمبراطورية كانت قد بدأت تشهد نزعات تضخمية7. ثم وقع القرن الثالث في فوضى شبه تامة قبل أن يعيد دقلديانوس كفاءة الحكم5.
وفي 17 نوفمبر عام 284 أعلن الجيش دقلديانوس إمبراطورًا، ولم تكن له في البداية سلطة حقيقية إلا في البلاد التي يسيطر عليها جيشه5. وبحلول منتصف صيف 285 صار سيد الإمبراطورية5. وعلى مدى أكثر من 20 سنة في الحكم (284–305) أعاد إلى الدولة الرومانية الاستقرار والأمن وكفاءة الحكم بعد نحو نصف قرن من الفوضى5.
ولم تكن للحكومة الرومانية حتى ذلك الحين سياسة لاضطهاد المسيحيين؛ بل كان العمل الرسمي مبنيًا على حفظ النظام العام لا على العداء الديني7. لكن بتحريض من القيصر غاليريوس بدأ دقلديانوس عام 303 آخر اضطهاد كبير للمسيحيين في الإمبراطورية5. وخلفه غاليريوس في لقب أغسطس عام 305 وواصل الاضطهاد حتى عام 3115. وفي عام 305 تنازل الإمبراطوران دقلديانوس ومكسيميانوس عن العرش، وخلفهما نائباهما غاليريوس وقنسطانطيوس8.
وقد أرست إعادة تنظيم الجهاز المالي والإداري والعسكري في الإمبراطورية الأساس الذي قامت عليه الإمبراطورية البيزنطية في الشرق5. وبقي هذا التنظيم أساسًا للدولة في الشرق، التي واصلت حياتها بوصفها الإمبراطورية البيزنطية حتى عام 14531. وقد دعّم هذا التنظيم الغرب مؤقتًا، بينما أرسى في الشرق أساس إمبراطورية دامت قرونًا5.
قسطنطين والإمبراطورية المسيحية (312–337)
وغزا قسطنطين إيطاليا عام 312، وبعد حملة خاطفة هزم مكسنتيوس عند جسر ميلفيوس قرب روما8. وفي عام 313 جعل اضطهاد المسيحيين غير قانوني بتوقيعه مرسوم ميلانو8. وبعد هزيمته ليكينيوس عام 324 صار الإمبراطور الوحيد في الشرق والغرب8. وكان أول إمبراطور روماني يعتنق المسيحية8.
وأسهم في نشر الديانة بتمويل مشاريع بناء الكنائس8. ودعا إلى مجمعَي آرل عام 314 ونيقية عام 325، وهما المجمعان اللذان وجّها عقيدة الكنيسة قرونًا بعد ذلك8.
وكان إنجازه الأبرز تكريس القسطنطينية عاصمةً إمبراطورية جديدة عام 3308. وبذلك انتقل ثقل الإمبراطورية نحو الشرق، حيث واصلت الإمبراطورية الشرقية حياتها بوصفها بيزنطة1.
سقوط الغرب وبقاء الشرق
كان سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عملية متعددة الأوجه، لا سببًا واحدًا1. فقد تحدّت «الغزوات البربرية»، ولا سيما في القرن الخامس الميلادي، قدرة الإمبراطورية على صيانة وحدتها السياسية والعسكرية1. وأدّت مشكلات الحكم الداخلية دورًا كبيرًا أيضًا: الفساد وسوء استخدام السلطة، والجنود غير المنضبطين وسيئي التجهيز، وانقطاع النخب المدنية عن الخدمة العامة1.
وجاء التسلسل الأخير سريعًا: في عام 395 انقسمت الإمبراطورية إلى إمبراطوريتين غربية وشرقية1. وفي عام 410 نهب القوط الغربيون روما1. ثم في عام 476 خلع الزعيم الجرماني أودواكر رومولوس أوغستولوس، آخر أباطرة الغرب الرومان1.
أما الإمبراطورية الشرقية، وهي الأغنى والأقوى دائمًا، فقد واصلت حياتها بوصفها الإمبراطورية البيزنطية حتى عام 14531. وبذلك لم تكن سنة 476 نهاية التاريخ الروماني كله، بل نهاية فرعه الغربي وحده1.
الحياة الرومانية: المدن والمجتمع والترفيه
دُمّرت بومبي في 24 أغسطس عام 79 م بفعل الانفجار العنيف لجبل فيزوف15. وكان زلزال عام 62 م قد أحدث أضرارًا جسيمة في بومبي وهركولانيوم، ولم تكن المدينتان قد تعافتا حين حلّ بهما الدمار الأخير بعد 17 سنة15. وبعد الظهر بقليل بدأ الرماد والحطام البركاني يتساقط على المدينة، فبقيت مدفونة تحت حجر الخفاف والرماد بعمق 19 إلى 23 قدمًا15. وكانت تضم ما بين 10,000 و20,000 نسمة عند تدميرها15. ويقدّر كثير من المؤرخين عدد الضحايا بنحو 2,000، وقد عُثر حتى الآن على أكثر من 1,000 جثة15. ويحفظ شهادة عيان مباشرة على الانفجار رسالتان كتبهما بليني الأصغر إلى المؤرخ تاسيتوس15. وتمثّل بومبي، ببناياتها المحفوظة في مساحة محفورة تبلغ 44 هكتارًا، الموقع الأثري الوحيد في العالم الذي يقدّم صورة كاملة لمدينة رومانية قديمة16.
وكان الرومان يحصون المواطنين وممتلكاتهم كل خمس سنوات لتحديد التزاماتهم17. ووُسّعت هذه الممارسة لتشمل الإمبراطورية الرومانية بأكملها عام 5 ق.م17. وبعد انهيار روما انقطعت في الغرب حتى العصر الحديث17. ويحفظ سجل أغسطس ذروة أرقامها: 4,937,000 مواطن روماني10.
وبدأ بناء الكولوسيوم بين عامي 70 و72 في عهد فسبازيان18. ودُشّن رسميًا عام 80 على يد تيتوس في حفل تضمّن 100 يوم من الألعاب18. وتصل أبعاده إلى 620 في 513 قدمًا، وكان يستوعب حتى 50,000 متفرج18. ومُوّل المدرّج من غنائم استيلاء تيتوس على القدس عام 70، وبناه أسرى يهود من يهودا18. وقد دبّ فيه الخراب الشديد بعد سقوط الإمبراطورية الغربية، واستُخدم مقلعًا للحجارة أكثر من 1,000 سنة18.
ويُعتقد أن 10% من سكان الإمبراطورية الرومانية كانوا من العبيد19. وكانت حفائر بومبي والمناطق المحيطة بها في منتصف القرن الثامن عشر بداية علم الآثار الحديث15. وتغطي قاعة روما في المتحف البريطاني نحو 1,000 سنة، من التأسيس الأسطوري عام 753 ق.م إلى عام 324 م، حين أسّس الإمبراطور قسطنطين عاصمته المسيحية الجديدة في القسطنطينية19.
الحدود بوصفها تراثًا عالميًا: قراءة روما عبر آثارها
تُقرأ الإمبراطورية الرومانية اليوم في مشهدين متكاملين16: مدن كاملة طمرها الرماد، وحدود تمتد من شمال بريطانيا عبر أوروبا إلى البحر الأسود وعبر شمال أفريقيا11.
«كانت المدينة قلب حضارة بلغت أرقى تعبيراتها في القانون واللغة والأدب، وما زالت أساس الثقافة الغربية»4
اليونسكو — وصف «مركز روما التاريخي» في قائمة التراث العالمي
«امتدّت على أكثر من 5,000 كيلومتر من ساحل الأطلسي في شمال بريطانيا عبر أوروبا إلى البحر الأسود، ومنه إلى البحر الأحمر وعبر شمال أفريقيا إلى ساحل الأطلسي»11
اليونسكو — ملف «حدود الإمبراطورية الرومانية» في قائمة التراث العالمي
وقد بلغت حدود الإمبراطورية في أقصى امتدادها نحو 5,000 كيلومتر، من ساحل الأطلسي شمال بريطانيا عبر أوروبا إلى البحر الأسود، ومنه إلى البحر الأحمر وعبر شمال أفريقيا11. وقد مثّلت هذه الحدود فاصلًا ثقافيًا بين العالم المتأثّر بالرومنة والشعوب الجرمانية غير المرومَنة، رغم أن التأثيرات الثقافية عبرتها11. ومن أبرز شواهدها سور هادريان، البالغ 118 كيلومترًا، وقد أُدرج في قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 198712.
أما الوثيقة الحجرية والمكتوبة، فقد أعاد مشروع «نقوش بريطانيا الرومانية» جمعها رقميًا: المجلد الأول يضمّ نقوش الحجر المكتشفة حتى 1955، مع مجموعة إضافية من الأحجار سُجّلت حتى عام 200620. وتُعدّ ألواح فيندولاندا، وهي نحو 780 نصًا كتبت على صفائح خشبية رقيقة في أواخر القرن الأول وبداية الثاني الميلاديين، مصدرًا غنيًا للتاريخ العسكري والاقتصادي والاجتماعي20. وإلى جانب النقوش، عُثر في هركولانيوم على أكثر من 1,800 لفافة بردي تحوي نصوصًا فلسفية يونانية في فيلا البردي16.
الإرث
وأعمق ما تبقّى من روما هو لغتها: فقد تطوّرت الإيطالية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية والرومانية كلها من اللاتينية، لغة الرومان3. وإلى ذلك يُضاف ميراث ثقافي ملموس: الأبجدية الغربية المكوّنة من 26 حرفًا، والتقويم القائم على 12 شهرًا و365.25 يومًا3. وهما مثالان بسيطان على ما تركته روما للحضارة الغربية3.
وفي القانون، ظلّ قانون الألواح الاثني عشر أساس القانون الخاص الروماني كله بعد ذلك2. وتحفظ روما في موقعها التاريخي معالم من العصور القديمة: المنتديات وضريح أغسطس وضريح هادريان والبانثيون وعمود ترايان وعمود ماركوس أوريليوس4. وفي القرن الرابع الميلادي صارت المدينة عاصمة العالم المسيحي4.
وتبقى المدينة، في وصف اليونسكو، قلب حضارة بلغت أرقى تعبيراتها في القانون واللغة والأدب، وما زالت أساس الثقافة الغربية4. وتتعدّد الشواهد من اللغة اللاتينية إلى القانون الروماني، ومن بومبي إلى سور هادريان: ما زال إرث روما حاضرًا في الحضارة الغربية3.
الخط الزمني
التأسيس التقليدي لروما
بحسب الرواية التقليدية كان رومولوس أول ملوك روما، وقد استقرّ في العصور القديمة على اعتبار 753 ق.م سنة تأسيس المدينة؛ ولم يبدأ التدوين التاريخي الجدّي عن روما المبكرة إلا بعد قرون.
قيام الجمهورية
استبدل الرومان الملكية بمسؤولَين يُنتخبان سنويًا هما القنصلان؛ وبحسب التسلسل الزمني التقليدي بدأت الجمهورية عام 509 ق.م.
تدمير قرطاجة
احتّل الرومان قرطاجة ودمّروها تدميرًا كاملًا عام 146 ق.م، فانتهت الحروب البونية وتوجّهت أطماعهم إلى البحر المتوسط كله.
اغتيال يوليوس قيصر
اغتيل يوليوس قيصر عام 44 ق.م بعد أن استحوذ على السلطة الكاملة دكتاتورًا؛ ثم حكم الثلاثي مارك أنطوني وليبيدوس وأوكتافيان.
النصر في أكتيوم
خاض أوكتافيان الحرب ضد أنطونيوس، وبعد انتصاره في أكتيوم توّج أول إمبراطور لروما: أغسطس.
بداية عهد البريدنسيب
مُنح أوكتافيان لقب princeps أي «المواطن الأول»، وتأسّست الإمبراطورية الرومانية؛ وتميّز عهده بين 27 ق.م و14 م بالاستقرار والسلام.
سقوط القدس وتمويل الكولوسيوم
مُوّل مدرّج الكولوسيوم من غنائم استيلاء تيتوس على القدس عام 70 م، وبناه أسرى يهود من يهودا.
فيزوف يدمّر بومبي
انفجر فيزوف في 24 أغسطس عام 79 م، فدُفنت بومبي تحت حجر الخفاف والرماد بعمق 19 إلى 23 قدمًا، وهو ما حفظ المدينة قرونًا.
بدء بناء سور هادريان
بُني سور هادريان البالغ طوله 118 كيلومترًا بأوامر الإمبراطور هادريان نحو سنة 122 م عند أقصى الحدود الشمالية لمقاطعة بريطانيا الرومانية.
ماركوس أوريليوس إمبراطورًا
تولّى ماركوس أوريليوس، آخر الأباطرة الخمسة الصالحين، السلطة عام 161؛ وختم عهده (161–180) فترة من الهدوء الداخلي وحسن الحكم.
كاراكلا يمنح الجنسية للجميع
منح مرسوم عام 212 الجنسية الرومانية لكل السكان الأحرار في الإمبراطورية، وهو من أبرز منجزات كاراكلا.
إعلان دقلديانوس إمبراطورًا
أُعلن دقلديانوس إمبراطورًا في 17 نوفمبر عام 284، وبحلول منتصف صيف 285 صار سيد الإمبراطورية؛ وأعاد عهده (284–305) الاستقرار بعد نحو نصف قرن من الفوضى.
مرسوم ميلانو
جعل قسطنطين اضطهاد المسيحيين غير قانوني بتوقيعه مرسوم ميلانو عام 313.
تكريس القسطنطينية
كان إنجاز قسطنطين الأبرز تكريس القسطنطينية عاصمةً إمبراطورية جديدة عام 330.
انقسام الإمبراطورية إلى اثنتين
في عام 395 انقسمت الإمبراطورية إلى إمبراطوريتين غربية وشرقية.
سقوط الإمبراطورية الغربية
كان القوط الغربيون قد نهبوا روما عام 410، وفي عام 476 خلع الزعيم الجرماني أودواكر رومولوس أوغستولوس آخر أباطرة الغرب الرومان؛ بينما واصلت الإمبراطورية الشرقية حياتها بوصفها الإمبراطورية البيزنطية حتى 1453.
أسئلة شائعة
ما الإمبراطورية الرومانية، ومتى تأسست؟
هي دولة قديمة تمركزت حول مدينة روما1. تأسست في التأريخ المعتمد عام 27 ق.م، حين مُنح أوكتافيان لقب princeps أي «المواطن الأول»2. وكان أول أباطرة روما باسم أغسطس، إذ حكم من 27 ق.م إلى 14 م1.
ما أقصى امتداد بلغته الإمبراطورية؟
في عهد ترايان تخلّت روما عن سياسة عدم التوسع، وأضافت داقية والعربية وأرمينيا وبلاد الرافدين إلى الإمبراطورية7. وبلغت الحدود في أقصاها نحو 5,000 كيلومتر من ساحل الأطلسي شمال بريطانيا عبر أوروبا إلى البحر الأسود، ومنه إلى البحر الأحمر وعبر شمال أفريقيا11.
من أول إمبراطور روماني؟
أغسطس، وقد توّج بهذا اللقب بعد انتصاره في أكتيوم عام 31 ق.م2. وكان أول إمبراطور روماني، وحكم من 27 ق.م إلى 14 م1.
كيف سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية؟
كان السقوط عملية متعددة الأوجه، جمعت «الغزوات البربرية» ولا سيما في القرن الخامس إلى مشكلات داخلية كالفساد وسوء استخدام السلطة والجنود غير المنضبطين1. وفي عام 410 نهب القوط الغربيون روما، وفي عام 476 خلع الزعيم الجرماني أودواكر رومولوس أوغستولوس آخر أباطرة الغرب1.
ماذا حدث للإمبراطورية الشرقية؟
واصلت الإمبراطورية الشرقية، وهي الأغنى والأقوى دائمًا، حياتها بوصفها الإمبراطورية البيزنطية حتى عام 14531.
ما بومبي، ولماذا تُعدّ مهمة؟
مدينة رومانية دُمّرت بفعل الانفجار العنيف لجبل فيزوف في 24 أغسطس عام 79 م، ودفنت تحت حجر الخفاف والرماد بعمق 19 إلى 23 قدمًا15. وبمساحة محفورة تبلغ 44 هكتارًا، هي الموقع الأثري الوحيد في العالم الذي يقدّم صورة كاملة لمدينة رومانية قديمة16.
خريطة المعرفة
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20