طريق الحرير
شبكة الطرق البرية والبحرية التي حملت الحرير والأفكار والأديان بين الصين وحوض المتوسط طوال قرابة ألفي عام.
لم يكن طريق الحرير طريقاً واحداً، بل شبكة واسعة من طرق التجارة البرية والبحرية ربطت الصين بآسيا الوسطى والهند وبلاد فارس والجزيرة العربية وعالم المتوسط. تشكّلت هذه الشبكة نحو القرن الثاني قبل الميلاد بعد بعثات أسرة هان إلى آسيا الوسطى، وظلّت مستخدمة حتى القرن السادس عشر الميلادي، ونقلت الحرير والورق والتوابل والخيول، ومعها البوذية والمسيحية والإسلام وتقنيات مثل صناعة الورق. وأصبحت مراكزها — تشانغآن وسمرقند ومرو ودونهوانغ وبغداد وأنطاكية — ملتقى للحضارات، ولا يزال إرثها حاضراً حتى اليوم، من ممرات التراث العالمي في اليونسكو إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية.
ما طرق الحرير؟
لم تكن طرق الحرير طريقاً واحداً، بل شبكات من طرق التواصل والتجارة تعبر أوراسيا، اتصل بعضها ببعض تدريجياً حتى تكوّنت منها طرق برية وبحرية تبادلت المجتمعات عبرها الحرير وبضائع أخرى كثيرة1. وتصف اليونسكو طرق الحرير بأنها شبكة طرق مترابطة ربطت مجتمعات آسيا القديمة وشبه القارة وآسيا الوسطى وغرب آسيا والشرق الأدنى، وأسهمت في تطور كثير من أعظم حضارات العالم2. وكانت الطرق البحرية جزءاً أساسياً من هذه الشبكة تربط الشرق بالغرب عبر البحر1.
أما اسم «طريق الحرير» فحديث نسبياً؛ ففي معظم تاريخها الطويل لم يكن لهذه الطرق القديمة اسم محدد1. ففي منتصف القرن التاسع عشر أطلق الجغرافي الألماني البارون فرديناند فون ريشتهوفن على هذه الشبكة اسم «دي زايدن شتراسه» أي «طريق الحرير»1. ويُنسب مصطلح «طرق الحرير» (زايدن شتراسه) عادة إلى ريشتهوفن، وقد استخدمه مؤرخون وجغرافيون ألمان في القرن التاسع عشر وهم يدرسون الصلات التي كانت قائمة قبل ألفي عام بين حوض المتوسط الروماني والصين في عهد أسرة هان3.
كيف كانت تعمل الطرق؟
كان النقل البري يتم بالقوارب النهرية وحيوانات الحمل، وعلى رأسها الجمل ذو السنامين القوي، بينما اعتمد السفر بحراً على رياح المحيط الهندي الموسمية4. ولم تتبع طرق التجارة مساراً واحداً: كان أمام التجار خيارات واسعة من الطرق عبر أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وآسيا الوسطى والشرق الأقصى، فضلاً عن طرق بحرية تربط الصين وجنوب شرق آسيا بأفريقيا والهند والشرق الأدنى عبر المحيط الهندي1. واعتمدت القوافل على شبكة من الخانات، وهي استراحات كبرى مخصصة للتجار المسافرين، متباعدة بمقدار مسيرة يوم تقريباً — بمتوسط خان واحد كل 30 إلى 40 كيلومتراً في المناطق جيدة الخدمة1.
ولما تطورت طرق التجارة وازداد ربحها صارت الخانات ضرورة، وتكثف بناؤها في آسيا الوسطى منذ القرن العاشر الميلادي، فنشأت شبكة امتدت من الصين إلى شبه القارة الهندية والهضبة الإيرانية والقوقاز وتركيا وصولاً إلى شمال أفريقيا وروسيا وأوروبا الشرقية، وما زال كثير منها قائماً حتى اليوم1. وبحلول نهاية القرن الأول قبل الميلاد توسعت التجارة الدولية توسعاً كبيراً شمل خمس قوى متجاورة: الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية البارثية، وإمبراطورية كوشان، واتحاد الشيونغنو، وإمبراطورية هان4. وضمنت حملات تانغ العسكرية طرقاً تجارية بعيدة المدى ومستقرة نقلت البضائع والأفكار بين الصين وآسيا الوسطى والهند وبلاد فارس5.

ويتصل بذلك أن الشبكة لم تكن ثابتة عبر الزمن؛ فقد تطوّر ممر تشانغآن-تيانشان ليربط تشانغآن في وسط الصين بقلب آسيا الوسطى بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، حين بدأت التجارة البعيدة المدى في البضائع الثمينة — وعلى رأسها الحرير — بالتوسع بين الإمبراطوريتين الصينية والرومانية2. وازدهر الممر بين القرنين السادس والرابع عشر، وبقي طريقاً تجارياً رئيسياً حتى القرن السادس عشر2. ويذهب البحث العلمي إلى أنه من التبسيط المفرط القول إن للتبادل عبر هذه الشبكة الشاسعة قوة دافعة واحدة أو محرّكاً واحداً6.
جغرافية الشبكة
عند الطرف الشرقي للطريق تقوم تشانغآن (شيآن اليوم)7. ومنها اتبع الطريق البالغ 4,000 ميل (6,400 كيلومتر) — وهو في الحقيقة طريق قوافل — سور الصين العظيم نحو الشمال الغربي، متجاوزاً صحراء تاكلاماكان، متسلقاً جبال البامير، عابراً أفغانستان، حتى بلاد الشام حيث تُشحن البضائع عبر البحر المتوسط7. وكان طريق الحرير طريق تجارة قديماً ربط الصين بالغرب ونقل البضائع والأفكار بين حضارتي روما والصين7.
أما أفضل أجزاء الشبكة دراسة فهو ممر تشانغآن-تيانشان، وهو مقطع بطول نحو 5,000 كيلومتر يضم نحو 8,700 كيلومتر من المسالك2. وتنخفض تضاريس الممر إلى 154 متراً تحت سطح البحر وترتفع إلى 7,400 متر، وتعبر أنهاراً عظيمة وبحيرات جبلية وسبخات ملحية وصحارى شاسعة وجبالاً مكللة بالثلوج2. ويضم الممر ثلاثة وثلاثين عنصراً، منها عواصم ومدن وقصور إمبراطوريات وممالك الخانات، ومستوطنات تجارية، ومعابد بوذية كهفية، ومسالك قديمة، ومحطات بريد، وممرات جبلية، وأبراج منارات، وأجزاء من سور الصين العظيم، وحصون، ومقابر، ومبانٍ دينية2.
تقوم دونهوانغ في واحة بغرب مقاطعة قانسو8. وكانت النقطة التي يلتقي عندها فرعا طريق الحرير الماران حول حوض تاريم من الشمال والجنوب8. وأُنشئت مقاطعة دونهوانغ عام 111 ق.م في عهد أسرة هان8.
البضائع التي عبرت الطرق
كانت الطرق تنقل أساساً المواد الخام والأغذية والكماليات، واحتكرت الصين إمداد آسيا الوسطى وشبه القارة وغرب آسيا وعالم المتوسط بالحرير2. ولم يكن الحرير سوى واحدة من بضائع كثيرة تدور بين الشرق والغرب: المنسوجات والتوابل والحبوب والفواكه والخضراوات وجلود الحيوانات والأدوات والأشياء الخشبية والمعدنية والمواد الدينية والأعمال الفنية والأحجار الكريمة1. فالحرير سار غرباً، بينما سار الصوف والذهب والفضة شرقاً7. وبحسب التقليد الصيني، تطوّرت تربية دودة القز لإنتاج الحرير نحو عام 2700 قبل الميلاد1. وظل أسلوب إنتاجه سراً محروساً بشراسة في الصين نحو ثلاثة آلاف عام، وكانت المراسيم الإمبراطورية تقضي بالإعدام لمن يفشي سره لأجنبي1.
| البضاعة | الاتجاه | المصدر |
|---|---|---|
| الحرير | من الصين غرباً | موسوعة بريتانيكا 7 |
| الصوف والذهب والفضة | شرقاً إلى الصين | موسوعة بريتانيكا 7 |
| الخيول | من الغرب إلى الصين | متحف المتروبوليتان للفنون 5 |
| الورق | من الصين غرباً | موسوعة بريتانيكا 9 |
| التوابل | على الطرق البحرية | برنامج اليونسكو لطرق الحرير 1 |
| العنب والفِصْفِصة | إلى الصين | موسوعة بريتانيكا 10 |
شخصيات طرق الحرير
في الرواية «التقليدية»، يُؤرَّخ افتتاح شبكة تجارة طريق الحرير عادة بنهاية القرن الثاني قبل الميلاد، وتحديداً ببعثة تشانغ تشيان الأولى غرباً نحو عام 138 قبل الميلاد6. أرسل الإمبراطور وو دي من أسرة هان تشانغ تشيان عام 138 ق.م لإقامة علاقات مع شعب اليوجي، وهي قبيلة من آسيا الوسطى تتحدث لغة هندية أوروبية10. فأسره الشيونغنو واحتجزوه عشر سنوات، لكنه بلغ وجهته وعاد إلى الصين بعد غياب دام ثلاثة عشر عاماً10. وكان تشانغ تشيان — الذي توفي عام 114 ق.م — أول رجل يحمل إلى بلاط الصين وصفاً موثوقاً لأراضي آسيا الوسطى10. وتصف اليونسكو تشانغ تشيان بأنه الرجل الذي يُنسب إليه غالباً افتتاح أول طريق من الصين إلى الغرب في القرن الثاني قبل الميلاد، مع أنه أُرسل في مهمة دبلوماسية لا تجارية1.
أكثر من أي شعب آخر، اغتنم الصغديون فرص طرق الحرير، وطوّروا مجتمعاً تجارياً جنى أرباحاً طائلة من التجارة بين الصين وسائر أجزاء آسيا11. وكان الصغديون شعباً إيرانياً وطنه صغد، وقد تمركز وطنهم في وسط عدة طرق من طرق الحرير في أوزبكستان وطاجيكستان الحاليتين11. وكانت صغد بلداً قديماً في آسيا الوسطى يتركز حول وادي نهر زرافشان الخصيب في أوزبكستان الحديثة12. وبلغت صغد ذروة ثرائها ومكانتها من القرن الرابع حتى القرن الثامن الميلاديين، أي العصر الذهبي للصغديين11. وأدى تمرد القائد الصغدي التركي آن لوشان (توفي عام 757م) على إمبراطور تانغ في خمسينيات القرن الثامن إلى تراجع حظوظ كثير من الجاليات الصغدية في الصين11.
تجسّد رحلتا ماركو بولو في القرن الثالث عشر وابن بطوطة في القرن الرابع عشر ما تمثله طرق الحرير: شبكات للسفر والتعلم والمعرفة والتبادل3. كان ماركو بولو (نحو 1254-1324) تاجراً بندقياً سافر من أوروبا إلى آسيا بين عامي 1271 و1295، وأقام في الصين سبعة عشر عاماً، وتُعرف رواية رحلته باسم «إل ميليوني» أو «رحلات ماركو بولو»13. وأرسل قوبلاي خان ماركو بولو في بعثات استطلاع إلى يوننان وعبر جنوب شرق الصين إلى «كوينساي» (هانغتشو اليوم)، ورافق بولو أميرة مغولية بحراً إلى هرمز في طريق عودته13. وغادر الراهب الصيني شيوانتسانغ (نحو 602-664) تشانغآن عام 629 متحدياً حظر الإمبراطور، ومشى إلى الهند، وعاد منتصراً بعد أكثر من ستة عشر عاماً بقافلة محملة بالسوترا والتماثيل والآثار5. وألهمت رحلة شيوانتسانغ (629-654) لاحقاً رواية القرن السادس عشر الشهيرة «الرحلة إلى الغرب» التي صارت من كلاسيكيات الأدب الصيني العظيمة1.
الأفكار والأديان والتقنيات
لم تكن طرق الحرير ممرات للبضائع فحسب؛ فقد تعايشت على طولها أديان كثيرة: الزرادشتية — وهي ديانة الصغديين الرئيسية في منطقة جيتيسو — والمانوية والمسيحية النسطورية والإسلام2. وتسجّل المعابد البوذية والمعابد الكهفية الممتدة من كوتشا غرباً إلى لويونغ شرقاً انتقال البوذية شرقاً من الهند عبر كاراكورام2. وتلقت الصين المسيحية النسطورية والبوذية (من الهند) عبر طريق الحرير7. وانتشر الفن البوذي والمعابد البوذية على طول طرق الحرير، من باميان في أفغانستان إلى جبل ووتاي في الصين وبوروبودور في إندونيسيا1. وشهد الممر توتراً دينياً أيضاً؛ فقد شنت حكومة تانغ بين عامي 842 و846 حملة قاسية على البوذية والمسيحية النسطورية والمانوية والزرادشتية بعد أن تخلت عن تسامحها السابق مع الأديان الأجنبية5.
من أشهر الابتكارات التقنية التي انتشرت على طول طرق الحرير صناعة الورق، ثم تلاها تطور تقنيات الطباعة1. وأقدم قطعة ورق معروفة — خريطة عُثر عليها في مقبرة بفانغماتان في مقاطعة قانسو عام 1986 — تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وظهرت أول سجلات عملية صناعة الورق في الصين نحو عام 105م9. ووصل الورق وصناعته إلى آسيا الوسطى بحلول عام 751، وبحلول القرن الرابع عشر كانت هناك مصانع ورق في عدة أنحاء من أوروبا9. وفي عهد المغول في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، أنشأ عمال صينيون مصنعاً لصناعة الورق في سمرقند، وسرعان ما حل الورق محل مواد الكتابة الأخرى في معظم غرب أوراسيا14. أما أسرار الحرير نفسه فعبرت إلى الغرب متأخرة؛ فبحسب المؤرخ بروكوبيوس في القرن السادس، بدأ إنتاج الحرير في الإمبراطورية الرومانية نحو عام 550م بعد أن نقل رهبان بيض دودة القز إلى بيزنطة1.
About the same time [circa. 550 CE] there came from India certain monks; and when they had satisfied Emperor Justinian Augustus that the Romans should no longer buy silk from the Persians, they promised the emperor in an interview that they would provide the materials for making silk so that never should the Romans seek business of this kind from their enemy the Persians, or from any other people whatsoever.
بروكوبيوس، مؤرخ القرن السادس، عن الرهبان الذين نقلوا بيض دودة القز إلى بيزنطة نحو عام 550م (كما ورد في برنامج اليونسكو لطرق الحرير)
الطرق البحرية
من الخطأ تصور طرق الحرير على أنها طرق برية فقط؛ فقد ربطت الممرات البحرية الخليج والمحيط الهندي وبحري الصين الشرقي والجنوبي بمواقع في الداخل3. وربطت شبكة من الطرق البحرية موانئ صينية جنوبية مثل قوانغتشو بالهند والخليج العربي ومنه إلى الساحل الشرقي لأفريقيا5. وكان طريق الحرير البحري يربط جنوب الصين بجنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية وصولاً إلى شبه الجزيرة العربية وأوروبا، بينما ربط الطريق البري أوروبا وآسيا الوسطى بشمال الصين عبر السهوب الأوراسية15. واستُخدمت الطرق البحرية بخاصة لتجارة التوابل، ومن هنا جاء اسم «طرق التوابل»1.
ويعود تاريخ الطرق البحرية إلى آلاف السنين1. فقد امتدت هذه الصلات بين شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين وحضارة وادي السند1. وأقيمت صلات تجارية بحرية بين العرب والصين منذ القرن الثامن الميلادي في وقت مبكر1.
ونمت مدن ساحلية نابضة حول الموانئ الأكثر تردداً على هذه الطرق، مثل زنجبار والإسكندرية ومسقط وغوا1. ودخلت الهندوسية ثم الإسلام إلى إندونيسيا وماليزيا على أيدي تجار طرق الحرير المسافرين عبر الطرق البحرية من شبه القارة الهندية وشبه الجزيرة العربية1. وقبل ذلك بكثير، أخبر تشانغ تشيان الإمبراطور أن بضائع من شو (سيتشوان) وصلت إلى داكسيا (باختر) عبر الهند، وحثّه على فتح طريق جديد من الجنوب الغربي يتجنب خطر الطريق الشمالي15.
مدن طرق الحرير
في قلب الشبكة كانت تشانغآن (شيآن الحالية) أكثر مدن العالم سكاناً في عهد أسرة تانغ، ومقر البلاط الإمبراطوري، ومركزاً نابضاً بالفن والموضة والثقافة5. ومن أنطاكية عبرت الطرق البادية السورية عبر تدمر إلى قطسيفون وسلوقية، ثم اتجهت شرقاً فوق جبال زاغروس إلى إكباتانا ومرو، حيث تفرّع فرع شمالاً عبر بخارى وفرغانة وفرع آخر إلى باختر4. وإلى بغداد وصلت صناعة الورق عام 7939.
تعد مدينة سمرقند التاريخية، الواقعة في واحة كبيرة بوادي نهر زرافشان شمال شرق أوزبكستان، ملتقى لثقافات العالم بتاريخ يتجاوز ألفين ونصف ألف عام16. وتعود أدلة الاستيطان في المنطقة إلى 1500 ق.م، وشهدت المدينة أهم تطورها في العصر التيموري (القرنان الرابع عشر والخامس عشر) حين كانت عاصمة الدولة التيمورية القوية16. وقد عُرفت باسم ماراكاندا في القرن الرابع ق.م وفتحها الإسكندر الأكبر عام 329 ق.م، ثم جعلها تيمورلنك عاصمة لإمبراطوريته فصارت مركزاً اقتصادياً وثقافياً حيوياً في آسيا الوسطى17. ومن معالمها مسجد بيبي خانوم (1399-1404) وضريح تيمور المعروف بغور أمير (نحو 1405) وساحة ريغستان ومدارسها17. وتأسست سمرقند في القرن السابع قبل الميلاد باسمها القديم أفراسياب، ويُحفظ موقعها الأثري — الذي دمّره جنكيز خان في القرن الثالث عشر — كمحمية أثرية16.

وكانت دونهوانغ أول مدينة تجارية يصلها التجار الأجانب عند دخولهم الأراضي الخاضعة للإدارة الصينية من الغرب8. وقربها تقوم خلايا موغاو ومعابدها الكهفية البالغ عددها 492 عند نقطة استراتيجية على طريق الحرير، وتشتهر بتماثيلها وجدارياتها التي تؤرخ لألف عام من الفن البوذي18. وتُعد كهوف موغاو أكبر كنز للفن البوذي في العالم وأغناه وأطولها استخداماً، وقد شُيّد أولها عام 366م، وتمثل الإنجاز الأعظم للفن البوذي من القرن الرابع حتى القرن الرابع عشر18. وتضم الكهوف المحفوظة البالغ عددها 492 نحو 45,000 متر مربع من الجداريات وأكثر من 2,000 تمثال مطلي18. واكتُشف كهف المكتبة في موغاو عام 1900 بما فيه من عشرات الآلاف من المخطوطات والآثار، ووُصف الاكتشاف بأنه أعظم اكتشاف للثقافة الشرقية القديمة في العالم18.
المرض والتراجع والانتعاش
اجتاح الموت الأسود أوروبا بين عامي 1347 و1351، وأودى بحياة نسبة أكبر من أي وباء أو حرب معروفة حتى ذلك الوقت؛ ويُقدَّر عدد القتلى بنحو 25 مليوناً19. ويُعتقد على نطاق واسع أن الموت الأسود نجم عن الطاعون، أي العدوى ببكتيريا اليرسينية الطاعونية19. ونشأ الطاعون الذي سبب الموت الأسود في الصين في أوائل القرن الرابع عشر ومنتصفه، وانتشر غرباً على طول طرق التجارة إلى المتوسط وشمال أفريقيا19.
وصار طريق الحرير غير آمن على نحو متزايد بعد خسارة الرومان لأراضيهم في آسيا وصعود القوة العربية في بلاد الشام7. ثم انتعش الطريق في القرنين الثالث عشر والرابع عشر تحت حكم المغول، وفي ذلك الوقت استخدمه البندقي ماركو بولو للوصول إلى الصين7. وبنى المغول إمبراطورية شاسعة امتدت من المحيط الهادئ إلى البحر الأسود والمتوسط، وكانوا إداريين بارعين في إدارة أراضي طرق الحرير3. وكانت شبكة تجارة طريق الحرير أهم شبكة تبادل وتفاعل عالمي قبل القرن الخامس عشر على الأرجح6.
الإرث
أُدرج ممر تشانغآن-تيانشان — وهو مقطع بطول نحو 5,000 كيلومتر — على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 20142. ويضم الممر ثلاثة وثلاثين موقعاً في الصين وكازاخستان وقرغيزستان2. وأُدرجت مدينة سمرقند على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 200117.
لا يزال جزء من طريق الحرير موجوداً حتى اليوم7. فهو اليوم طريق سريع معبّد يصل باكستان بمنطقة شينجيانغ ذاتية الحكم في الصين7. وألهم الطريق عازف التشيلو يو-يو ما لتأسيس «مشروع طريق الحرير» عام 1999 لاستكشاف التقاليد الثقافية على طول مساره7.
أُعلنت مبادرة الحزام والطريق الصينية في أستانا في سبتمبر 2013، مستحضرةً طرق الحرير بوصفها إطاراً للتواصل الأوراسي3. وصدر المجلد الأول من كتاب ريشتهوفن «الصين» عام 1877، وهو العمل الذي أطلق فيه على الشبكة اسم «دي زايدن شتراسه» أي «طريق الحرير»20. وظلّت هذه الطرق مستخدمة من نحو القرن الثاني قبل الميلاد حتى القرن السادس عشر الميلادي2. وما زال كثير من الخانات التي شُيّدت على طول الطرق قائماً حتى اليوم1.
الخط الزمني لطرق الحرير
بداية تربية دودة القز في الصين
بحسب التقليد الصيني، بدأت تربية دودة القز لإنتاج الحرير نحو عام 2700 قبل الميلاد.
أقدم ورقة باقية
أقدم قطعة ورق معروفة، وهي خريطة عُثر عليها في مقبرة بفانغماتان بمقاطعة قانسو عام 1986، تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد.
تشانغ تشيان ينطلق غرباً
أرسل الإمبراطور وو دي من أسرة هان تشانغ تشيان عام 138 ق.م لطلب التحالف مع شعب اليوجي؛ فأسره الشيونغنو واحتجزوه عشر سنوات، ثم عاد إلى الصين بعد ثلاثة عشر عاماً حاملاً أول وصف موثوق لآسيا الوسطى.
تأسيس مقاطعة دونهوانغ
تأسست مقاطعة دونهوانغ عام 111 ق.م، فدخلت الواحة التي يلتقي عندها فرعا طريق الحرير تحت السيطرة الصينية.
بداية كهوف موغاو
شُيّد أول معبد كهفي في موغاو قرب دونهوانغ عام 366م، فبدأت بذلك ألف عام من الفن البوذي.
سرّ الحرير يعبر إلى الغرب
بحسب المؤرخ بروكوبيوس، نقل رهبان بيض دودة القز إلى بيزنطة نحو عام 550م، فبدأ إنتاج الحرير في الإمبراطورية الرومانية.
رحلة الحاج شيوانتسانغ
سافر الراهب البوذي شيوانتسانغ من تشانغآن عبر آسيا الوسطى إلى الهند وعاد (629-654)؛ وألهمت رحلته لاحقاً رواية «الرحلة إلى الغرب».
رحلة ماركو بولو
انطلق ماركو بولو وأبوه وعمه من البندقية عام 1271 ووصلوا الصين عام 1275؛ وأمضت عائلة بولو سبعة عشر عاماً في الصين.
الموت الأسود
اجتاح الموت الأسود أوروبا بين عامي 1347 و1351؛ ونشأ الطاعون في الصين في أوائل القرن الرابع عشر ومنتصفه وانتشر غرباً على طول طرق التجارة.
ظهور اسم «طريق الحرير»
صدر المجلد الأول من كتاب ريشتهوفن «الصين» عام 1877، وهو العمل الذي أطلق فيه على الشبكة اسم «دي زايدن شتراسه» أي «طريق الحرير».
اكتشاف كهف المكتبة
اكتُشف كهف المكتبة المختوم في كهوف موغاو عام 1900، وفيه عشرات الآلاف من المخطوطات والآثار.
الإدراج على قائمة التراث العالمي
أُدرج «طرق الحرير: شبكة طرق ممر تشانغآن-تيانشان»، وهو مقطع بطول 5,000 كم عبر الصين وكازاخستان وقرغيزستان، على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
أسئلة شائعة
هل كان طريق الحرير طريقاً واحداً؟
لا؛ لم تكن طرق الحرير طريقاً واحداً، بل شبكات من طرق التواصل والتجارة تعبر أوراسيا، اتصلت تدريجياً لتكوّن طرقاً برية وبحرية1. ولم تتبع طرق التجارة مساراً واحداً؛ فقد كان أمام التجار خيارات واسعة من الطرق عبر أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وآسيا الوسطى والشرق الأقصى، فضلاً عن طرق بحرية عبر المحيط الهندي1.
من أطلق اسم «طريق الحرير»؟
في منتصف القرن التاسع عشر أطلق الجغرافي الألماني البارون فرديناند فون ريشتهوفن على هذه الشبكة اسم «دي زايدن شتراسه» أي «طريق الحرير»1. ويُنسب المصطلح عادة إليه، وقد استخدمه مؤرخون وجغرافيون ألمان في القرن التاسع عشر وهم يدرسون الصلات بين حوض المتوسط الروماني والصين في عهد أسرة هان3.
كم بلغ طول شبكة طرق الحرير؟
امتدت الشبكة نحو 7,500 كيلومتر خطاً مستقيماً، وأكثر من 35,000 كيلومتر على طول المسالك المحددة2. أما ممر تشانغآن-تيانشان فهو مقطع بطول نحو 5,000 كيلومتر يضم نحو 8,700 كيلومتر من المسالك2.
ما البضائع التي كانت تعبر الطرق؟
كانت الطرق تنقل أساساً المواد الخام والأغذية والكماليات، واحتكرت الصين إمداد آسيا الوسطى وشبه القارة وغرب آسيا وعالم المتوسط بالحرير2. فالحرير سار غرباً، بينما سار الصوف والذهب والفضة شرقاً7. وقادت بعثة تشانغ تشيان إلى إدخال سلالة خيول متفوقة ونباتات جديدة مثل العنب والفِصْفِصة إلى الصين10.
من هو تشانغ تشيان؟
كان تشانغ تشيان (توفي عام 114 ق.م) أول رجل يحمل إلى بلاط الصين وصفاً موثوقاً لأراضي آسيا الوسطى10. أرسله الإمبراطور وو دي عام 138 ق.م لإقامة علاقات مع شعب اليوجي، فأسره الشيونغنو عشر سنوات، وعاد إلى الصين بعد غياب دام ثلاثة عشر عاماً10.
كيف انتقلت الأديان عبر طرق الحرير؟
تسجّل المعابد البوذية والمعابد الكهفية الممتدة من كوتشا إلى لويونغ انتقال البوذية شرقاً من الهند، وتلقت الصين المسيحية النسطورية والبوذية عبر طريق الحرير27. وتعايشت الزرادشتية والمانوية والمسيحية النسطورية والإسلام على طول الممر2. ودخلت الهندوسية ثم الإسلام إلى إندونيسيا وماليزيا عبر الطرق البحرية على أيدي تجار طرق الحرير1.
الرسم البياني للمعرفة
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20