تلسكوب جيمس ويب الفضائي
أكبر تلسكوب أُطلق إلى الفضاء: مرآة ذهبية قطرها 6.5 أمتار تدور على بُعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض لتقرأ تاريخ الكون بالأشعة تحت الحمراء.
تلسكوب جيمس ويب الفضائي مرصد يعمل بالأشعة تحت الحمراء أطلقته ناسا ووكالتا الفضاء الأوروبية والكندية في 25 ديسمبر 2021. من مداره حول نقطة لاغرانج الثانية على بُعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض، تتيح له مرآته المقسّمة المطلية بالذهب ودرعه الشمسي من خمس طبقات النظر إلى الوراء أكثر من 13.5 مليار سنة ليشهد أول المجرات، وليسبر أغلفة كواكب بعيدة، وليراقب ولادة النجوم والكواكب داخل سحب من الغبار. نشر ويب أول صوره الملونة الكاملة في 12 يوليو 2022، ومنذ حينه حقق أرقاماً قياسية منها رصد أبعد مجرة معروفة، وهي JADES-GS-z14-0.
نظرة عامة
تلسكوب جيمس ويب الفضائي هو المرصد الأول لعلم الفلك في العقد المقبل؛ فهو يخدم آلاف الفلكيين حول العالم ويدرس كل مرحلة من مراحل تاريخ كوننا1. وهو المرصد الفضائي العلمي الكبير التالي بعد هابل، صُمم للإجابة عن الأسئلة الكبرى المعلّقة حول الكون ولتحقيق اكتشافات فاصلة في جميع مجالات الفلك2. ويُعد ويب مرصداً فضائياً كبيراً مُحسَّناً لرصد الأطوال الموجية تحت الحمراء، يُكمل اكتشافات تلسكوب هابل الفضائي ويمتد بها إلى أبعد3. وبصفته مرصد ناسا الرئيسي للأشعة تحت الحمراء، يقدم تحسينات هائلة في الحساسية والدقة المكانية عبر الأطوال الموجية من 0.6 إلى 28.8 ميكروناً4.
ويب شراكة دولية بين ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية ووكالة الفضاء الكندية2، وقد شاركت في بنائه أربع عشرة دولة هي النمسا وبلجيكا وكندا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وأيرلندا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة3. أُطلق التلسكوب في 25 ديسمبر 2021 على متن صاروخ أريان 5 من ميناء الفضاء الأوروبي في غويانا الفرنسية2. وهو لا يدور حول الأرض كما يفعل هابل، بل حول نقطة لاغرانج الثانية على بُعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض2. وناسا هي الشريك القائد في المهمة، وكانت شركة نورثروب غرومان المتعاقد الصناعي الرئيسي لبناء التلسكوب البصري وهيكل المركبة والدرع الشمسي3.
يتضمن تصميم ويب مرآة قابلة للطي، إذ لا يتسع حجمها الكبير داخل أغطية الإطلاق للصواريخ المتاحة حينذاك، ويُعد بناء مرآة تنفتح في الفضاء من أبرز إنجازاته التقنية3. ويحمي التلسكوبَ درعٌ شمسي من خمس طبقات يحجبه عن أشعة الشمس والأرض والقمر تحت الحمراء، كأن له وقاية شمسية بعامل حماية يبلغ مليوناً1. وبفضل رؤيته الأشمل في الأشعة تحت الحمراء، يستطيع ويب النظر إلى الوراء أكثر من 13.5 مليار سنة ليشهد أول النجوم والمجرات وهي تتشكل من ظلام الكون المبكر5. ويُعد بذلك أكبر وأحدث تلسكوب بُني على الإطلاق من الناحية التقنية5.
تلسكوب يحمل اسم جيمس إي. ويب
حمل التلسكوب في البداية اسم «تلسكوب الجيل التالي الفضائي»3. وفي 10 سبتمبر 2002 سُمي رسمياً تكريماً لجيمس إي. ويب، ثاني مديري وكالة ناسا3. ومنذ ذلك الحين يُعرف المشروع باسم تلسكوب جيمس ويب الفضائي3.
عاش جيمس إي. ويب بين عامي 1906 و19923. وهو ثاني مديري وكالة ناسا، وقاد برنامج أبولو3. كما أطلق خلال ولايته برنامجاً لعلوم الفضاء أنجز أكثر من 75 مهمة3.
التصميم: مرآة ذهبية قابلة للطي
تتألف مرآة ويب الرئيسية من 18 قطعة سداسية من البيريليوم2، ويبلغ قطرها 6.5 أمتار (21.3 قدماً) بفتحة صافية قدرها 25 متراً مربعاً6. واختير البيريليوم لمادة المرآة لخفة وزنه وصلابته وثباته في درجات الحرارة شديدة البرودة3. وتُطلى المرايا بطبقة ذهب سماكتها 1,000 أنغستروم على مساحة 25 متراً مربعاً، أي نحو 48.25 غراماً من الذهب، ما يعادل وزن كرة غولف تقريباً (45.9 غراماً)3. ويبلغ البعد البؤري للتلسكوب 131.4 متراً6. ولأن المرآة كبيرة جداً، جُعلت قابلة للطي لتتسع داخل الصاروخ ثم تنفتح في الفضاء3.
ينشر ويب درعاً شمسياً بحجم ملعب تنس تقريباً، مؤلفاً من خمس طبقات رقيقة من مادة الكابتون إي بطلاءات من الألمنيوم والسيليكون المطعَّم لتعكس حرارة الشمس إلى الفضاء6. وتبلغ أبعاد الدرع 21.197 متراً في 14.162 متراً6. وتصل حرارة طبقته الأولى إلى نحو 383 كلفن، بينما تتراوح حرارة طبقته الخامسة بين 221 كلفن و36 كلفناً6. ويخفض الدرع الفرق الحراري بين جانبي المركبة بنحو 600 درجة فهرنهايت: من نحو 185 فهرنهايت (85 مئوية) في الجانب الحار إلى نحو 388 فهرنهايت تحت الصفر (233 مئوية تحت الصفر) في الجانب البارد6.

الأجهزة العلمية
يحمل ويب أربعة أجهزة علمية: كاميرا الأشعة القريبة من تحت الحمراء (نيركام)، ومطياف الأشعة القريبة من تحت الحمراء (نيرسبيك)، وجهاز الأشعة تحت الحمراء المتوسطة (ميري)، وحساس التوجيه الدقيق مع المصوّر والمطياف غير المشقوق (إف جي إس-نيريس)3. وقدّمت وكالة الفضاء الأوروبية مطياف نيرسبيك، بينما قدّم جهاز ميري اتحادُ دول أوروبية مع الوكالة الأوروبية ومختبر الدفع النفاث التابع لناسا3. وبنى كاميرا نيركام فريق جامعة أريزونا بالتعاون مع لوكهيد مارتن، وقدّمت وكالة الفضاء الكندية جهاز نيريس3. وبهذا كان لكل وكالة من الوكالات الشريكة الثلاث دور ملموس في العتاد العلمي الذي يحمله التلسكوب3.
تعمل أجهزة الأشعة القريبة من تحت الحمراء عند نحو 39 كلفن بتبريد سلبي، بينما يعمل جهاز ميري عند 7 كلفن باستخدام مبرّد تبخيري3. وتحتاج كواشف ميري تحديداً إلى حرارة دون 7 كلفن كي تعمل كما ينبغي، وهي حرارة لا يمكن بلوغها بالتبريد السلبي وحده6. أما التلسكوب ككل فيعمل عند درجة حرارة أقل من 50 كلفن، أي ما يعادل 223 درجة مئوية تحت الصفر3. وبهذا تظل أجهزته محمية من حرارتها الذاتية التي قد تغرق الإشارات الفلكية الخافتة3.
لماذا الأشعة تحت الحمراء ونقطة لاغرانج الثانية؟
يرصد ويب بالدرجة الأولى الضوء تحت الأحمر القادم من أجسام خافتة وبعيدة جداً3. ولأن الأشعة تحت الحمراء إشعاع حراري، فإن كل الأجسام الدافئة — ومنها التلسكوب نفسه — تشعّ بها؛ لذلك يجب أن يبقى التلسكوب وأجهزته شديدة البرودة كي لا تغرق حرارتها الإشارات الفلكية الخافتة3. وبهذا يستطيع ويب رصد أجسام أخفت بعشرة مليارات مرة من أخفت النجوم المرئية بالعين المجردة، أي أخفت مما يرصده هابل بعشر إلى مئة مرة3. كما تخترق رؤيته تحت الحمراء غبار وغاز السحب الهائلة حيث تتشكل النجوم والكواكب5.
يدور ويب حول نقطة لاغرانج الثانية على بُعد نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض3. ومن منظوره تبقى الشمس والأرض والقمر دائماً في الجهة نفسها من السماء، فيحجبها درعه الشمسي ويُبقي التلسكوب بارداً5. واستغرقت الرحلة إلى هذه النقطة نحو شهر، واستمرت إجراءات الفحص والتجربة حتى ستة أشهر بعد الإطلاق حين بدأت العمليات العلمية الاعتيادية3. وعلى هذا البُعد، لا توجد حالياً قدرة أو خطط لصيانة ويب في المدار، وتصميمه لا يعتمد على مهمات الصيانة، على عكس هابل الذي صانته بعثات رواد فضاء في المدار5.
تمتد رؤية ويب تحت الحمراء من 0.6 إلى 28.5 ميكروناً5، بينما حُسِّن هابل للأشعة فوق البنفسجية والضوء المرئي من 0.1 إلى 2.5 ميكرون5. وقدرة ويب على تمييز الزوايا أفضل قليلاً من 0.1 ثانية قوسية عند طول موجي 2 ميكرومتر، أي أنه يميز تفاصيل بحجم قطعة نقود أمريكية من على بُعد 40 كيلومتراً3. ورغم مرآته الأكبر، يحقق ويب في الأشعة القريبة من تحت الحمراء دقة تماثل دقة هابل في الضوء المرئي5. وبذلك يستطيع التلسكوبان أن يتضافرا على رصد الأجسام نفسها لمناظر طيفية واسعة مذهلة5.
الإطلاق والنشر
أُطلق ويب في 25 ديسمبر 2021 الساعة 12:20 بالتوقيت العالمي على متن صاروخ أريان 5 ECA6. وجرى الإطلاق من مجمع ELA-3 التابع لشركة أريان سبيس في ميناء الفضاء الأوروبي قرب كورو في غويانا الفرنسية بأمريكا الجنوبية3. وكانت مركبة الإطلاق جزءاً من مساهمة أوروبا في المهمة3؛ فقد قدمتها وكالة الفضاء الأوروبية وخدماتها دون مقابل مالي، وفي المقابل ضمنت ناسا للعلماء الأوروبيين نحو 15% من وقت الرصد على ويب3.
شمل نشر ويب مئات الخطوات الفردية على مدى نحو أسبوعين3. فانتشرت الألواح الشمسية بعد نحو 30 دقيقة من الإطلاق3، واكتملت جميع عمليات النشر الرئيسية في 8 يناير 20223. ووصل ويب إلى مداره حول نقطة لاغرانج الثانية في 24 يناير 2022، بعد نحو شهر من إطلاقه1. وبعدها بدأت ستة أشهر من الفحص والتجربة قبل انطلاق العمليات العلمية الاعتيادية3.
صُمم ويب ليعمل من 5 إلى 10 سنوات، ويحمل وقوداً يكفي لأكثر من 20 عاماً3. ومن المتوقع أن يعمل خمس سنوات على الأقل بهدف بلوغ عشر4. وهو مرصد عام تُقدَّم مقترحات الرصد عليه في نداءات دورية وتُحكَّم من لجنة خارجية لتخصيص الوقت4. وفي مايو 2022 تلقى ويب اصطدام نيزك دقيق أكبر من المتوقع أصاب جزءاً حساساً من المرآة، لكن الفريق خلص إلى أنه حدث نادر إحصائياً وأن التلسكوب ما زال يعمل بمستوى يفوق كل متطلبات المهمة3.
الصور الأولى: يوليو 2022
في 12 يوليو 2022 كشفت ناسا أول خمس صور ملونة كاملة وبيانات طيفية من ويب7. وجرى الكشف في حدث مباشر بُثّ من مركز غودارد لرحلات الفضاء في غرينبيلت بولاية ماريلاند7. وبهذا النشر انطلقت شرارة العمليات العلمية للتلسكوب، ليتاح للفلكيين حول العالم رصد كل شيء من أجرام مجموعتنا الشمسية إلى الكون المبكر بأجهزته الأربعة7.
كان أول الأهداف عنقود المجرات SMACS 0723، حيث قدّم ويب أعمق وأدق صورة بالأشعة تحت الحمراء للكون البعيد حتى ذلك الحين، التقطها في 12.5 ساعة فقط7. ويعج هذا الحقل العميق بآلاف المجرات، بما فيها أخفت الأجسام التي رُصدت بالأشعة تحت الحمراء على الإطلاق، في رقعة سماء بحجم حبة رمل تُمسك على طول الذراع8. أما كوكب WASP-96 b، فكشف رصد ويب المفصّل لهذا الكوكب الحار المنتفخ عن بصمة واضحة للماء مع أدلة على ضباب وغيوم لم ترصدها دراسات سابقة7. وإلى جانب هذين الهدفين، ضمّت الحزمة الأولى ثلاثة أهداف أخرى7.

يبعد السديم الحلقي الجنوبي (NGC 3132) نحو 2,500 سنة ضوئية، وكشف ويب لأول مرة أن النجم الخافت في مركزه يلفّه غطاء من الغبار.
معهد علوم تلسكوب الفضاء — أول صور ويب
فسيفساء ويب لخماسية ستيفان هي أكبر صوره حتى الآن؛ تغطي نحو خُمس قطر القمر، وتضم أكثر من 150 مليون بكسل مبنية من نحو ألف ملف صورة منفصل.
معهد علوم تلسكوب الفضاء — أول صور ويب
سديم القاعدة: كشفت نظرة ويب إلى «المنحدرات الكونية» عن أبكر مراحل تشكل النجوم وأسرعها، والتي كانت محجوبة من قبل.
ناسا — بيان الصور الأولى
ويب وهابل في مقارنة
| الخاصية | ويب | هابل |
|---|---|---|
| تاريخ الإطلاق | 25 ديسمبر 2021 على متن أريان 5 ECA6 | عام 1990، ويواصل رصد الكون منذ ذلك الحين5 |
| قطر المرآة الرئيسية | 6.5 أمتار6 | 2.4 متر5 |
| كتلة المرآة الرئيسية | 705 كيلوغرامات6 | 828 كيلوغراماً (1,825 رطلاً)5 |
| المدار | حول الشمس عند نقطة لاغرانج الثانية على بُعد نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض5 | حول الأرض فوق الغلاف الجوي على ارتفاع نحو 483 كيلومتراً5 |
| المدى الطيفي | من 0.6 إلى 28.5 ميكروناً (أشعة تحت الحمراء)5 | مُحسَّن للأشعة فوق البنفسجية والضوء المرئي من 0.1 إلى 2.5 ميكرون5 |
| درجة حرارة التشغيل | أقل من 50 كلفن (223 درجة مئوية تحت الصفر)3 | — |
| الصيانة | لا توجد قدرة أو خطط حالية للصيانة في المدار، والتصميم لا يعتمد على مهمات صيانة5 | صانته بعثات رواد فضاء في المدار5 |
| أبرز الاكتشافات | رصد أبعد مجرة معروفة JADES-GS-z14-0 عند انزياح أحمر 14.329 | تأكيد وجود ثقوب سوداء في نوى المجرات، وقياس تركيب أغلفة الكواكب الخارجية، والتحقق من تسارع تمدد الكون — اكتشاف نال جائزة نوبل في الفيزياء عام 20115 |
النتائج العلمية
في أكتوبر 2023 ويناير 2024، استخدم برنامج مسح JADES مطياف ويب نيرسبيك للحصول على طيف مجرة قياسية رُصدت بعد 290 مليون سنة فقط من الانفجار العظيم، عند انزياح أحمر نحو 149. وفي يناير 2024 رصد نيرسبيك المجرة JADES-GS-z14-0 نحو عشر ساعات، مؤكداً انزياحاً أحمر قدره 14.32، محطماً الرقم القياسي السابق عند 13.2 للمجرة JADES-GS-z13-09. ويتجاوز اتساع المجرة نحو 1,600 سنة ضوئية، ويأتي ضوءها في معظمه من نجوم فتية لا من ثقب أسود فائق النمو، ما يعني أن كتلتها مئات الملايين من كتلة الشمس9. وهي ليست من الأنواع التي تتنبأ بها النماذج النظرية والمحاكاة الحاسوبية لمجرات الكون المبكر جداً9. ويُعد وجود الأكسجين في هذه المرحلة المبكرة من عمرها مفاجأة، إذ يوحي بأن أجيالاً متعددة من النجوم فائقة الكتلة عاشت وماتت قبل رصدنا لها9.
رسم ويب خريطة الطقس على الكوكب الخارجي الغازي العملاق الحار WASP-43 b10. والكوكب بحجم المشتري تقريباً ويبعد نحو 280 سنة ضوئية في كوكبة السدس، ويكمل دورة حول نجمه كل 19.5 ساعة، وهو على الأرجح مقيد مدارياً فيواجه نجمه بوجه واحد دائماً10. وتشير القياسات إلى سحب سميكة عالية تغطي الجانب الليلي وسماء صافية في الجانب النهاري10. ويبلغ متوسط حرارة الجانب النهاري نحو 1,250 درجة مئوية — حرارة تكفي لطرق الحديد — بينما الجانب الليلي عند 600 درجة مئوية10. وتزيح الرياح فوق الصوتية، التي تتجاوز سرعتها 5,000 ميل في الساعة، النقطة الأشد حرارة نحو الشرق10.
في العنقود NGC 346 بسحابة ماجلان الصغرى، وجد ويب أقراصاً مكوِّنة للكواكب تعيش أطول من الأقراص المحيطة بالنجوم الفتية في مجرة درب التبانة11. وكان هابل قد رصد في هذا العنقود نجوماً عمرها 20 إلى 30 مليون سنة ما تزال تحتفظ بأقراص مكوِّنة للكواكب، مناقضاً الاعتقاد السائد بأن هذه الأقراص تتبدد بعد مليونين أو ثلاثة ملايين سنة11. ولا يحتوي العنقود إلا على نحو عشرة بالمئة من العناصر الأثقل الموجودة في التركيب الكيميائي لشمسنا11. واكتشف ويب في نجوم أولية مبكرة جزيئات تتراوح من الميثان البسيط إلى مركبات معقدة مثل حمض الخليك والإيثانول، وهي مكونات أساسية لصنع عوالم قد تكون صالحة للحياة12. وكشف جهاز ميري عن أغنى كيمياء هيدروكربونية رُصدت حتى اليوم في قرص كوكبي أولي، ضمت 13 جزيئاً حاملاً للكربون حتى البنزين13.
في 14 يناير 2025، رصد ويب أصداء ضوئية قرب بقايا المستعر الأعظم ذات الكرسي A، ما أتاح للفلكيين رسم البنية ثلاثية الأبعاد الحقيقية للغبار والغاز بين النجمي لأول مرة14. وتظهر صور الصدى صفائح متراصة وخيوطاً بمقاييس صغيرة مذهلة تبلغ نحو 400 وحدة فلكية، أي أقل من جزء من مئة من سنة ضوئية14. كما مسح ويب مجرة الانفجار النجمي مسييه 82 التي تبعد 12 مليون سنة ضوئية في كوكبة الدب الأكبر، وهي تنتج نجوماً جديدة أسرع بعشر مرات من مجرة درب التبانة15. وفي شأن تمدد الكون، أكد ويب أن قياسات هابل كانت صحيحة تماماً، ماحياً أي شك متبقٍ حولها16. ومع ذلك يبقى «توتر هابل» قائماً، ما يعزز أن شيئاً آخر غير أخطاء القياس يؤثر في هذا المعدل16.
مرصد العقد: مهمة ويب وأهدافه العلمية
يُعدّ تلسكوب جيمس ويب الفضائي المرصد الأول في العقد المقبل، يخدم آلاف الفلكيين حول العالم، ويدرس كل مرحلة من مراحل تاريخ كوننا1. وهو المرصد الفضائي العلمي الكبير التالي بعد هابل، صُمم للإجابة عن الأسئلة الكبرى المعلّقة حول الكون ولتحقيق اكتشافات فاصلة في جميع مجالات الفلك2. ووصفه معهد علوم تلسكوب الفضاء بأنه مرصد فضائي كبير مُحسَّن لرصد الأطوال الموجية تحت الحمراء، يُكمل اكتشافات تلسكوب هابل الفضائي ويمتد بها إلى أبعد3، كما أنه مرصد ناسا الرئيسي للأشعة تحت الحمراء، وهو تعاون دولي بين ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية ووكالة الفضاء الكندية4.
واستمراراً لإرث هابل وسبيتزر وهرشل، يقدم ويب تحسينات هائلة في الحساسية والدقة المكانية عبر الأطوال الموجية من 0.6 إلى 28.8 ميكروناً4. ومن المتوقع أن يعمل خمس سنوات على الأقل بهدف عشر سنوات، وهو مرصد عام تُقدَّم مقترحات الرصد عليه بنداءات دورية وتُحكَّم من لجنة خارجية لتخصيص الوقت4. وتنتظم محاوره العلمية في أربعة مجالات: الكون المبكر، وتطور المجرات عبر الزمن، ودورة حياة النجوم، والعوالم الأخرى — بما في ذلك البحث عن إمكانية الحياة في الأنظمة الكوكبية6. ومن أهدافه الرئيسية رصد أول عمليات تشكّل النجوم في الكون، والتي يُعتقد أنها حدثت بين انزياح أحمر 15 و30 — أي بعد 100 إلى 250 مليون سنة من الانفجار العظيم؛ وعمر الكون اليوم 13.8 مليار سنة3.
ويستطيع ويب رصد أجسام أخفت بعشرة مليارات مرة من أخفت النجوم المرئية بالعين المجردة — أي أخفت مما يرصده هابل بعشر إلى مئة مرة3. وقد شاركت أربع عشرة دولة في بناء هذا المرصد: النمسا وبلجيكا وكندا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وأيرلندا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة3. وناسا هي الشريك القائد، وكانت شركة نورثروب غرومان المتعاقد الصناعي الرئيسي لبناء التلسكوب البصري وهيكل المركبة والدرع الشمسي، بينما يقع مركز العلوم والعمليات في معهد علوم تلسكوب الفضاء3.
هندسة المرآة والدرع الشمسي والتبريد
يحمي درع شمسي من خمس طبقات التلسكوب من أشعة الشمس والأرض والقمر تحت الحمراء، كأن له وقاية شمسية بعامل حماية يبلغ مليوناً1. وهذا الدرع — أكبر أجزاء المرصد — بحجم ملعب تنس تقريباً3، وهو مؤلف من خمس طبقات رقيقة من مادة الكابتون إي بطلاءات من الألمنيوم والسيليكون المطعَّم لتعكس حرارة الشمس إلى الفضاء6. ويخفض الفرق الحراري بين الجانبين الحار والبارد للمركبة بنحو 600 درجة فهرنهايت عبر طبقاته الخمس: من نحو 185 فهرنهايت (85 مئوية) في الجانب الحار إلى نحو −388 فهرنهايت (−233 مئوية) في الجانب البارد6. أما أبعاد الدرع الشمسي فهي 21.197 متراً في 14.162 متراً (69.5 قدماً في 46.5 قدماً)؛ وتصل حرارة الطبقة الأولى إلى نحو 383 كلفن (231 فهرنهايت)، بينما تتراوح الطبقة الخامسة بين 221 كلفن (−80 فهرنهايت) و36 كلفن (−394 فهرنهايت)6.
ولأن الأشعة تحت الحمراء إشعاع حراري، يجب أن يكون التلسكوب وأجهزته شديدة البرودة: فدرجة حرارة تشغيل ويب أقل من 50 كلفن (−223 درجة مئوية أو −370 فهرنهايت)3. وتعمل أجهزة الأشعة القريبة من تحت الحمراء عند نحو 39 كلفن بتبريد سلبي، بينما يعمل جهاز ميري عند 7 كلفن باستخدام مبرّد تبخيري3. ذلك أن كواشف ميري تحتاج إلى العمل دون 7 كلفن، وهي حرارة لا يمكن بلوغها بالتبريد السلبي وحده، لذلك يحمل ويب مبرّداً تبخيرياً مخصصاً لتبريد كواشف ميري6.
أما المرآة، فاختيار البيريليوم لمادتها جاء لمزاياه: خفة الوزن والصلابة والثبات في درجات الحرارة شديدة البرودة3. وتبلغ كتلة قطعة المرآة البيريليوم الواحدة 20.1 كيلوغراماً، وكتلة وحدة القطعة الكاملة مع آلياتها 39.48 كيلوغراماً6. وسماكة طلاء الذهب على مرايا ويب 1,000 أنغستروم على مساحة 25 متراً مربعاً، أي نحو 48.25 غراماً من الذهب — ما يعادل وزن كرة غولف تقريباً (45.9 غراماً)3. وللمقارنة، تزن مرآة هابل الزجاجية الصلبة نحو 1,000 كيلوغرام، بينما تزن قطع ويب البيريليوم الثماني عشرة مع الهيكل الداعم نحو 625 كيلوغراماً3، وتزن مرآة هابل وحدها 1,825 رطلاً (828 كيلوغراماً)، أي ما يقارب الطن5.
واحتاج ويب إلى مرآة قابلة للطي لأن حجمها الكبير لا يتسع داخل أغطية الإطلاق للصواريخ المتاحة حينذاك، ويُعد بناء مرآة تنفتح في الفضاء من أبرز إنجازاته التقنية3. وتبلغ قدرته على تمييز الزوايا أفضل قليلاً من 0.1 ثانية قوسية عند طول موجي 2 ميكومتر: أي أنه يميز تفاصيل بحجم قطعة نقود أمريكية من على بُعد 40 كيلومتراً، أو كرة قدم من على بُعد 550 كيلومتراً3. ويبلغ البعد البؤري لويب 131.4 متراً، ودقته البصرية نحو 0.1 ثانية قوسية، وتغطيته الطيفية من 0.6 إلى 28.5 ميكروناً6.
الإطلاق والنشر والاختبارات البصرية
أُطلق ويب في 25 ديسمبر 2021 الساعة 07:20 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي (12:20 بالتوقيت العالمي) على متن أريان 5 إي سي إيه، ومدة المهمة المخطط لها بين 5 و10 سنوات6. وجاء الإطلاق من مجمع إطلاق ELA-3 التابع لشركة أريان سبيس في ميناء الفضاء الأوروبي قرب كورو في غويانا الفرنسية بأمريكا الجنوبية3. وأُطلق على متن صاروخ أريان 5 إي سي إيه التابع لشركة أريان سبيس، وكانت مركبة الإطلاق جزءاً من مساهمة أوروبا في المهمة3. وقد قدمت وكالة الفضاء الأوروبية مركبة الإطلاق وخدماتها دون مقابل مالي؛ وفي المقابل ضمنت ناسا للعلماء الأوروبيين نحو 15% من وقت الرصد على ويب3.
وشمل نشر ويب مئات الخطوات الفردية على مدى نحو أسبوعين؛ فانتشرت الألواح الشمسية بعد نحو 30 دقيقة من الإطلاق، واكتملت جميع عمليات النشر الرئيسية في 8 يناير 20223. واستغرقت الرحلة إلى نقطة لاغرانج الثانية نحو شهر، واستمرت إجراءات الفحص والتجربة حتى ستة أشهر بعد الإطلاق حين بدأت العمليات العلمية الاعتيادية3. وفي مايو 2022 تلقى ويب اصطدام نيزك دقيق أكبر من المتوقع أصاب جزءاً حساساً من المرآة، لكن الفريق خلص إلى أنه حدث نادر إحصائياً وأن التلسكوب ما زال يعمل بمستوى يفوق كل متطلبات المهمة3.
وعلى عكس هابل، فُحصت مرايا ويب كلٌّ على حدة ثم أُعيد فحصها بعد التجميع، وأُجري اختبار بصري شامل بتمرير الضوء عبر كامل التلسكوب المجمَّع — وهو ما لم يُجرَ لهابل3. ويعتمد ويب تصميماً بثلاث مرايا انعدام انحراف، يضم مرآة منحنية ثالثة تحقق أداءً بصرياً أفضل على مجال أوسع، بينما يعتمد هابل تصميم ريتشي-كريتيان الكاسيغريني5. ورغم مرآته الأكبر، يحقق ويب في الأشعة القريبة من تحت الحمراء دقة تماثل دقة هابل في الضوء المرئي، ما يجعل التلسكوبين قادرين على «تضافر» رصودهما لمناظر طيفية واسعة مذهلة5. ولا توجد حالياً قدرة أو خطط لصيانة ويب في المدار، وتصميمه لا يعتمد على مهمات الصيانة، على عكس هابل الذي صانته بعثات رواد فضاء في المدار5.
الخط الزمني للمهمة
التسمية باسم جيمس إي. ويب
سُمي «تلسكوب الجيل التالي الفضائي» رسمياً تكريماً لجيمس إي. ويب، ثاني مديري وكالة ناسا.3
الإطلاق
أُطلق ويب عند الساعة 12:20 بالتوقيت العالمي على متن أريان 5 ECA من ميناء الفضاء الأوروبي قرب كورو في غويانا الفرنسية، وانتشرت ألواحه الشمسية بعد نحو 30 دقيقة.3
اكتمال النشر
اكتملت جميع عمليات النشر الرئيسية — الدرع الشمسي والمرآة الثانوية وجناحا المرآة الرئيسية — بعد مئات الخطوات الفردية على مدى نحو أسبوعين.3
الوصول إلى نقطة لاغرانج الثانية
وصل ويب إلى مداره حول نقطة لاغرانج الثانية على بُعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض، بعد نحو شهر من إطلاقه.1
نشر الصور الأولى
نشرت ناسا أول خمس صور ملونة كاملة وأطياف من ويب — عنقود SMACS 0723 وكوكب WASP-96 b والسديم الحلقي الجنوبي وخماسية ستيفان وسديم القاعدة — بعد ستة أشهر من الاختبارات.7
تأكيد «توتر هابل»
أكد ويب صحة قياسات هابل لمعدل تمدد الكون، ماحياً أي شك متبقٍ، بينما استمر «توتر هابل» بين قيم الكون المحلي وقيم الكون المبكر قائماً.16
خريطة طقس الكوكب WASP-43 b
رسم ويب خريطة الطقس لمشتري حار يبعد 280 سنة ضوئية: جانب نهاري بنحو 1,250 درجة مئوية، وجانب ليلي بدرجة 600، ورياح استوائية تتجاوز 5,000 ميل في الساعة.10
أبعد مجرة معروفة
تأكدت المجرة JADES-GS-z14-0 عند انزياح أحمر 14.32، أي رُصدت بعد أقل من 300 مليون سنة من الانفجار العظيم — وهو رقم قياسي جديد لأبعد مجرة معروفة.9
الأقراص الكوكبية تعيش أطول في الكون المبكر
أظهر ويب أن الأقراص المكوِّنة للكواكب حول نجوم عمرها 20 إلى 30 مليون سنة في NGC 346 تبقى أطول بكثير من المليونين إلى الثلاثة ملايين سنة المتوقعة سابقاً.11
خريطة ثلاثية الأبعاد للوسط بين النجمي
رصد ويب أصداء ضوئية قرب بقايا المستعر الأعظم ذات الكرسي A، مرسماً البنية ثلاثية الأبعاد الحقيقية للغبار والغاز بين النجمي لأول مرة.14
أسئلة شائعة
لماذا يرصد ويب بالأشعة تحت الحمراء بدلاً من الضوء المرئي؟
يرصد ويب بالدرجة الأولى الضوء تحت الأحمر القادم من أجسام خافتة وبعيدة جداً3. وهذه الرؤية تخترق غبار وغاز السحب الهائلة حيث تتشكل النجوم والكواكب5. ولأن الأشعة تحت الحمراء إشعاع حراري، يجب أن يبقى التلسكوب شديد البرودة كي لا تغرق حرارته الإشارات الفلكية الخافتة3.
لماذا يقع مدار ويب على بُعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض؟
يدور ويب حول نقطة لاغرانج الثانية على بُعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض2. ومن هذه النقطة تبقى الشمس والأرض والقمر دائماً في الجهة نفسها من السماء، فيحجبها درعه الشمسي ويُبقي التلسكوب بارداً5. واستغرقت الرحلة إلى هذه النقطة نحو شهر3.
لماذا تُطوى مرآة ويب؟ وكم يبلغ وزن طبقة الذهب فيها؟
احتاج ويب إلى مرآة قابلة للطي لأن حجمها الكبير لا يتسع داخل أغطية الإطلاق للصواريخ المتاحة حينذاك3. أما طلاء الذهب على المرايا فسماكته 1,000 أنغستروم على مساحة 25 متراً مربعاً، أي نحو 48.25 غراماً من الذهب، ما يعادل وزن كرة غولف تقريباً3.
هل يمكن صيانة ويب في الفضاء كما حدث مع هابل؟
لا توجد حالياً قدرة أو خطط لصيانة ويب في المدار، وتصميمه لا يعتمد على مهمات الصيانة5. أما هابل، فصانته بعثات رواد فضاء في المدار5.
ما أول صورة علمية كاملة نشرها ويب؟
في 12 يوليو 2022 كشفت ناسا أول خمس صور ملونة كاملة وبيانات طيفية من ويب7. وكان أبرزها حقل عنقود المجرات SMACS 0723: أعمق وأدق صورة بالأشعة تحت الحمراء للكون البعيد عند نشرها، التُقطت في 12.5 ساعة7. ويعج الحقل بآلاف المجرات في رقعة سماء بحجم حبة رمل تُمسك على طول الذراع8.
ما أبعد مجرة رصدها ويب حتى الآن؟
المجرة JADES-GS-z14-0، وقد حُدد انزياحها الأحمر عند 14.32، لتكون صاحبة الرقم القياسي لأبعد مجرة معروفة، أي رُصدت بعد أقل من 300 مليون سنة من الانفجار العظيم9. وحطمت بذلك الرقم القياسي السابق عند انزياح أحمر 13.2 للمجرة JADES-GS-z13-09.
الرسم البياني للمعرفة
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16