الثقوب السوداء
مناطق من الزمكان تشتد جاذبيتها حتى لا يفلت منها شيء — ولا حتى الضوء: من معادلات أينشتاين إلى أولى الصور الحقيقية.
الثقب الأسود منطقة من الزمكان تبلغ الجاذبية فيها حداً يمنع أي شيء — ولا حتى الضوء — من الإفلات عبر حدودها المسماة أفق الحدث. تخيلها المفكرون أول مرة «نجوماً مظلمة» في القرن الثامن عشر، وتنبأت بها النسبية العامة لأينشتاين عام 1915، وظلت طويلاً في حكم غير القابل للرصد. أما اليوم فتُدرس عبر الموجات الثقالية والثنائيات السينية ومدارات النجوم — والتُقطت لها أول صورة مباشرة بواسطة تلسكوب أفق الحدث عام 2019 (M87*) وعام 2022 (الرامي A*).
ما الثقب الأسود؟
الثقب الأسود جرم شديد الكثافة تبلغ الجاذبية فيه حداً يمنع أي شيء — ولا حتى الضوء — من الإفلات منه 1. وهو ليس ثقباً في الحقيقة، بل تركيز هائل من المادة معبأ في مساحات متناهية الصغر، كثافته عالية جداً بحيث إن الجاذبية تحت سطحه مباشرة — أي عند أفق الحدث — تمنع حتى الضوء من الإفلات 2. وأفق الحدث نفسه ليس سطحاً كسطح الأرض أو الشمس؛ إنه حدٌّ يحتوي كل المادة التي يتكون منها الثقب الأسود 2. ولأن الثقوب السوداء لا تُصدر الضوء ولا تعكسه فهي غير مرئية عملياً أمام التلسكوبات، ويكتشفها العلماء من خلال تأثيرها في محيطها 2. وهذا الحد هو ما أعطى تلسكوب أفق الحدث اسمه: حدود الثقب الأسود التي لا يستطيع الضوء عبورها إلى الخارج 3.
ويمكن فهم لماذا يكون الثقب الأسود أسود عبر سرعة الإفلات: فعلى سطح الأرض تبلغ سرعة الإفلات نحو 11 كيلومتراً في الثانية، أي أن أي شيء يغادر كوكبنا يجب أن يتحرك أسرع من ذلك ليتحرر من جاذبية الأرض 1. أما داخل أفق الحدث فتتجاوز السرعة اللازمة للإفلات سرعة الضوء نفسها، وهي أقصى سرعة يمكن أن يبلغها أي شيء 4. ولذلك فإن ما يعبر هذا الأفق محكوم عليه بالبقاء في الداخل — حتى الضوء — وهذا تحديداً ما يجعل الثقب الأسود أسود 4.
ورغم اسمه المخيف، فالثقب الأسود ليس ثقباً دودياً: فهو لا يوفر اختصارات بين نقاط مختلفة من الفضاء، ولا بوابات إلى أبعاد أو أكوان أخرى 2. وليس مكنسة كونية تبتلع المادة المحيطة بها: فمن مسافة بعيدة بما يكفي تكون تأثيراته الثقالية كتأثيرات أي جرم آخر له الكتلة نفسها 2. بل إنه لو استُبدلت الشمس بثقب أسود له الكتلة نفسها لصار النظام الشمسي أبرد كثيراً، لكن الكواكب ستبقى في مداراتها 2.
كيف تتشكل الثقوب السوداء
يولد نوع من الثقوب السوداء عندما تنفد وقود النجوم الضخمة فتنفجر مستعرات عظمى 2. فحين ينفد وقود نجم تزيد كتلته على ثمانية أضعاف كتلة الشمس ينهار قلبه ويرتد وينفجر مستعراً أعظم 5. وإذا بلغت كتلة النجم نحو 20 ضعف كتلة الشمس أو أكثر انهار قلبه إلى ثقب أسود نجمي الكتلة 5. وبصياغة أدق: إذا كانت بقايا النواة المكتنزة بعد المستعر الأعظم تزيد كتلتها على ثلاثة أضعاف كتلة الشمس فإنها تُسحق في حجم أصغر فأصغر حتى تُبلغ حداً لا يستطيع الضوء عنده أن يفلت — هذا هو الثقب الأسود 1.
وبعد ميلادها تنمو الثقوب السوداء بالتهام المادة — وهي عملية تسمى التراكم — وبالاندماج مع ثقوب سوداء أخرى 4. ووراء بعض ألمع أجرام الكون تقف هذه العملية نفسها: فالتراكم على الثقوب السوداء فائقة الكتلة الكامنة في مراكز معظم المجرات — ومنها درب التبانة — يُمد بالطاقة بعضاً من أنشط أجرام الكون، ومنها الكوازارات والبلازارات 1. ويرجح علماء الكون وجود نوع رابع من الثقوب السوداء، هي البدائية، التي تشكلت عند ولادة الكون 5. وينظّر العلماء بأنها تشكلت في الثانية الأولى بعد ولادة الكون، لكن بعد 13.8 مليار سنة لم يُعثر بعد على دليل قاطع على وجودها 5.
من «النجوم المظلمة» إلى النسبية العامة
الفكرة أقدم بكثير من النسبية العامة: فأول العلماء الذين ناقشوا إمكان وجود أجرام مظلمة سرعة الإفلات منها أكبر من سرعة الضوء هما الفلكي والكاهن الإنجليزي جون ميشيل عام 1783 والموسوعي الفرنسي بيير سيمون لابلاس في أعمال من عامي 1796 و1799 6. وفي عام 1784 رأى ميشيل أن الضوء لا بد أن يتأثر بالجاذبية، وتنبأ بأن نجماً أعرض من الشمس بـ 500 مرة سيكون حقله الثقالي قوياً جداً حتى إن الضوء لن يستطيع الإفلات منه، وسمى هذه الأجرام «النجوم المظلمة» 1. وحسب ميشيل أن نجماً بكثافة الشمس نفسها لكن نصف قطره أكبر بـ 500 مرة سيكون له جذب ثقالي قوي إلى حد أن الضوء سيبقى محتجزاً عاجزاً عن الإفلات 6. والأجرام التي تصورها ميشيل ولابلاس تُصنف اليوم ثقوباً سوداء فائقة الكتلة، كتلتها بين كتلة الجرم المكتنز في مركز مجرتنا ومرشح الثقب الأسود في مركز M87 6. وظلت الفكرة فضولاً نظرياً زهاء ثلاثة قرون حتى تمكنت التلسكوبات الفضائية من سبر الانبعاث السيني من المادة القريبة من هذه الأجرام المتطرفة 1.
وجاء التحول الحاسم مع تنبؤ أينشتاين بالثقوب السوداء عبر نظريته النسبية العامة عام 1915 1. ففي 13 يناير 1916، بعد أقل من شهرين من إكمال أينشتاين النسبية العامة في 18 نوفمبر 1915، نشر الفلكي الألماني كارل شفارتسشيلد حلاً يصف الزمكان المنحني حول كتلة كروية متناظرة غير دوّارة 6. وفي عام 1939 درس روبرت أوبنهايمر وتلميذه هارتلاند سنايدر انهيار سحابة كروية من المادة، وأدركا للمرة الأولى الأهمية الكاملة لنصف قطر شفارتسشيلد الذي حدداه بشكل صحيح بأنه وجود الأفق 6. ثم في عام 1963 عمّم روي كير حل شفارتسشيلد ليصف ثقباً أسود دوّاراً، مضيفاً الزخم الزاوي إلى الكتلة والشحنة الكهربائية بصفتها المعايير الفيزيائية الأساسية التي توصف بها الثقوب السوداء 6.
والمفارقة أن أينشتاين نفسه لم يكن يؤمن بأن الثقوب السوداء موجودة فعلاً — تلك الوحوش فائقة الثقل التي تبتلع كل ما يدخلها؛ فلا شيء يستطيع الإفلات منها، ولا حتى الضوء 7. ففي يناير 1965، بعد عشر سنوات من وفاة أينشتاين، أثبت روجر بنروز أن الثقوب السوداء يمكن أن تتشكل فعلاً ووصفها بالتفصيل؛ وفي قلبها يكمن تفرد تتوقف عنده جميع قوانين الطبيعة المعروفة 7. أما اسم «الثقب الأسود» فجاء لاحقاً: فالفيزيائي الأمريكي روبرت ديكي هو أول من استخدم المصطلح، وذلك في محاضرات بجامعة برينستون عام 1960، وساعد جون ويلر لاحقاً في نشره 6. وبعد اكتشاف الطبيعة خارج المجرية للكوازار 3C 273 عام 1963 أصبح انبعاث الإشعاع من تراكم المادة على ثقوب سوداء فائقة الكتلة هو التفسير المقبول عموماً للكوازارات 6.
الرصد في مقابل النظرية
الأنواع والأحجام
يقسم الفلكيون الثقوب السوداء بحسب الكتلة إلى ثلاث فئات: نجمية الكتلة وفائقة الكتلة ومتوسطة الكتلة، ويرجح علماء الكون وجود نوع رابع هو الثقوب السوداء البدائية التي تشكلت عند ولادة الكون 5. فكل مجرة كبيرة تقريباً، ومنها درب التبانة، يقع في مركزها ثقب أسود فائق الكتلة تبلغ كتلته مئات الآلاف إلى مليارات المرات كتلة الشمس؛ والرامي A* بكتلته البالغة 4 ملايين كتلة شمسية صغير نسبياً مقارنة بما يوجد في مجرات أخرى 5. أما الثقوب السوداء متوسطة الكتلة، التي تتراوح كتلتها بين نحو مئة ومئات الآلاف من الكتل الشمسية، فهي «الحلقة المفقودة» بين الثقوب نجمية الكتلة وفائقة الكتلة؛ وقد حُددت مرشحات عديدة لها لكن إثباتها ظل صعباً 5. ولمعظم المجرات بحجم درب التبانة ثقوب سوداء وحشية في مراكزها، وثقب مجرتنا الرامي A* كتلته 4 ملايين مرة كتلة الشمس 2.
ومن الأرقام القياسية: أضخم ثقب أسود رُصد، وهو TON 618، تبلغ كتلته 66 مليار مرة كتلة الشمس 2، في حين يبلغ الثقب الأسود في مركز المجرة هولمبرغ 15A ما لا يقل عن 40 مليار كتلة شمسية 5. وأقرب ثقب أسود معروف، واسمه غايا BH1، يبعد نحو 1,500 سنة ضوئية 2، بينما يبعد أبعد ثقب أسود رُصد، الواقع في مركز مجرة اسمها QSO J0313-1806، نحو 13 مليار سنة ضوئية 2. وجميع الثقوب السوداء تدور حول نفسها؛ وأسرعها دوراناً، واسمه GRS 1915+105، يدور أكثر من 1,000 دورة في الثانية 2. وقد كشفت الثنائيات السينية نحو 50 ثقباً أسود نجمي الكتلة مؤكداً أو مشتبهاً به في درب التبانة، رغم أن عددها قد يبلغ 100 مليون في مجرتنا وحدها 5.
تشريح الثقب الأسود
إذا انتقلنا في البنية من الخارج إلى الداخل وجدنا أولاً قرص التراكم: حلقات من الغاز والغبار تحيط بالثقوب السوداء وتُصدر ضوءاً عبر أطوال موجية كثيرة منها الأشعة السينية 2، وهو المصدر الرئيسي للضوء الصادر عن الثقب الأسود 4. وعند حدود الجرم يقع أفق الحدث الذي يحتجز أي ضوء يمر عبره، ويتسبب الزمكان المشوه من حوله في إعادة توجيه الضوء عبر عدسة الجاذبية 4. وينتج الأثران معاً منطقة مظلمة يسميها الفلكيون ظل أفق الحدث، وهو أكبر من السطح الفعلي للثقب الأسود بنحو الضعف 4. وفي حالة M87* يبلغ عرض أفق الحدث أقل من 40 مليار كيلومتر بقليل، وهو أصغر بنحو 2.5 مرة من الظل الذي يلقيه 8.
وعند حافة الظل تظهر حلقات رقيقة من الضوء ليست سوى صور متعددة شديدة التشوه لقرص التراكم: فالضوء الصادر من القرص يدور حول الثقب الأسود مرات عدة قبل أن يفلت إلينا 4. وتُعاد توجيه بعض المادة المتجهة نحو الثقب الأسود إلى زوج من النفاثات تنطلق في اتجاهين متعاكسين، قاذفةً الجسيمات بسرعة قريبة من سرعة الضوء؛ وقد تمتد نفاثات الثقوب السوداء فائقة الكتلة إلى مئات الآلاف من السنين الضوئية 4. وفي المركز تتنبأ النسبية العامة بنقطة تُسحق فيها المادة إلى كثافة لا نهائية — هي التفرد — ولا يعرف الفلكيون بعد إن كانت بنية فيزيائية أم بنية رياضية خالصة 4.
الموجات الثقالية: الاستماع إلى الاندماجات
الموجات الثقالية تموجات في نسيج الزمكان تنتشر بسرعة الضوء، وتنشأ كلما تسارعت كتلة، كما يحدث عندما يدور ثقبان أسودان حول بعضهما 12. ولرصدها بُني مرصد ليغو، أكبر مرصد للموجات الثقالية في العالم، ويتألف من مقياسي تداخل ليزريين ضخمين تفصل بينهما 3,000 كيلومتر 13. ويستخدم كل مرصد منهما مقياس تداخل ليزرياً على شكل حرف L طول ذراعه 4 كيلومترات، يستطيع رصد تغيرات في طول الذراعين أصغر من واحد على عشرة آلاف من قطر البروتون 9. ويقع الكاشفان في ليفينغستون بولاية لويزيانا وهانفورد بولاية واشنطن في الولايات المتحدة 9. وقد اقترح بناء ليغو في ثمانينيات القرن العشرين راينر فايس من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وكيب ثورن ورونالد دريفر من كالتك 9.
في 14 سبتمبر 2015، عند الساعة 5:51 صباحاً بالتوقيت الصيفي الشرقي، رصد كاشفا ليغو التوأمان موجاتٍ ثقالية ناشئة من حدث أُطلق عليه اسم GW150914 9. وقد خلص الفيزيائيون إلى أن الموجات المرصودة نشأت خلال الجزء الأخير من الثانية من اندماج ثقبين أسودين في ثقب أسود واحد دوّار أضخم — وهو تصادم كان متوقعاً نظرياً لكنه لم يُرصد قط 9. وكانت كتلتا الثقبين المندمجين نحو 29 و36 مرة كتلة الشمس، ووقع الحدث قبل 1.3 مليار سنة، وتحولت نحو 3 كتل شمسية إلى موجات ثقالية في جزء من الثانية، بقدرة قصوى تعادل نحو 50 ضعف قدرة الكون المرئي بأكمله 9. وسجّل كاشف ليفينغستون الحدث قبل كاشف هانفورد بـ 7 أجزاء من الألف من الثانية، ما دلّ على أن المصدر يقع في نصف الكرة الجنوبي للسماء 9.
أُعلن الاكتشاف في 11 فبراير 2016، مؤكداً تنبؤاً رئيسياً من تنبؤات نظرية النسبية العامة لأينشتاين عام 1915 9. وقد سبق ذلك إثبات غير مباشر لوجود الموجات الثقالية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين عبر تقلص مدار النجم النابض المزدوج لهالس وتايلور، اللذين حصلا على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1993 9. ولم يتحقق أول رصد مؤكد للموجات الثقالية إلا لأن كاشفي ليغو رصدا الإشارة معاً؛ ومنذ GW150914 عام 2015 اكتُشفت مئات الإشارات الأخرى 13. وكان أينشتاين نفسه مقتنعاً بأنه لن يكون ممكناً قياس الموجات الثقالية أبداً؛ وقد نجح مشروع ليغو باستخدام زوج من مقاييس التداخل الليزرية العملاقة لقياس تغير أصغر بآلاف المرات من نواة الذرة أثناء مرور الموجة بالأرض 12. وفي عام 2017 ذهبت جائزة نوبل في الفيزياء نصفها لراينر فايس ونصفها الآخر مناصفةً لباري باريش وكيب ثورن «عن إسهاماتهم الحاسمة في كاشف ليغو ورصد الموجات الثقالية» 12.
تصوير اللامرئي: تلسكوب أفق الحدث
لتصوير جرم لا يُصدر ضوءاً شيّد التعاون الدولي تلسكوب أفق الحدث: مصفوفة بحجم كوكب من ثمانية تلسكوبات راديوية أرضية 8. وتستخدم أرصاده تقنية قياس التداخل الراديوي ذي القاعدة الطويلة جداً (VLBI) عند طول موجي 1.3 ملم، فتحقق دقة زاوية قدرها 20 ميكروثانية قوسية — وهي دقة تكفي لقراءة صحيفة في نيويورك من مقهى على رصيف في باريس 8. وأثناء حملة 2017 أنتج كل تلسكوب نحو 350 تيرابايت من البيانات يومياً، خُزنت في أقراص صلبة مملوءة بالهيليوم ونُقلت جواً إلى حواسيب عملاقة للمعالجة في معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي ومرصد هايستاك التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا 8. والتلسكوبات الثمانية التي أسهمت في نتيجة 2019 هي ألما وأبكس وتلسكوب إيرام ذو الثلاثين متراً وتلسكوب جيمس كليرك ماكسويل والتلسكوب المليمتري الكبير ألفونسو سيرانو ومصفوفة تحت المليمتر والتلسكوب تحت المليمتري وتلسكوب القطب الجنوبي 8.
في 10 أبريل 2019 كشف باحثو تلسكوب أفق الحدث أول دليل بصري مباشر على ثقب أسود فائق الكتلة وظلّه، في ست أوراق بحثية نُشرت في عدد خاص من مجلة «رسائل المجلة الفيزيائية الفلكية» 8. وتُظهر الصورة حلقة مضيئة تشكلت من انحناء الضوء في الجاذبية الهائلة حول ثقب أسود كتلته أكبر من كتلة الشمس بـ 6.5 مليار مرة 8. ويقع هذا الثقب الأسود على بُعد 55 مليون سنة ضوئية من الأرض في مركز المجرة مسييه 87، وهي مجرة ضخمة في عنقود العذراء المجري القريب 8. وظل الثقب الأسود هو أقرب ما يمكن الوصول إليه من صورة للثقب الأسود نفسه؛ فأفق الحدث أصغر بنحو 2.5 مرة من الظل الذي يلقيه، ويبلغ عرضه أقل من 40 مليار كيلومتر بقليل في حالة M87* 8. وأظهرت طرائق معايرة وتصوير متعددة بنية حلقية ذات منطقة مركزية مظلمة — هي الظل — استمرت عبر أرصاد مستقلة متعددة للتلسكوب 8.

في 24 مارس 2021 كشف تلسكوب أفق الحدث ثقب M87* في الضوء المستقطب — وهي أول مرة يقيس فيها الفلكيون الاستقطاب، وهو بصمة للحقول المغناطيسية، بهذا القرب من حافة ثقب أسود 14. ثم في 12 مايو 2022 كشف الفلكيون النقاب عن أول صورة للثقب الأسود فائق الكتلة في مركز مجرتنا درب التبانة، ما يقدم دليلاً ساحقاً على أن هذا الجرم ثقب أسود بالفعل 3. وقبل صورة 2022 كان العلماء قد رأوا نجوماً تدور حول شيء خفي مكتنز شديد الضخامة في مركز درب التبانة — وهو الجرم المعروف باسم الرامي A* 3. وتُظهر صورة الرامي A* منطقة مركزية مظلمة — هي الظل — تحيط بها حلقة مضيئة، وهي تلتقط ضوءاً انحنى بفعل الجاذبية القوية لثقب أسود كتلته أربعة ملايين مرة كتلة الشمس 3. ويتألف تعاون تلسكوب أفق الحدث من أكثر من 300 باحث من 80 معهداً، وعمل الفريق خمس سنوات لجمع بيانات الرامي A* وتحليلها 3.
أصوات من الحدود
«التقطنا أول صورة لثقب أسود. إنه إنجاز علمي استثنائي حققه فريق يضم أكثر من 200 باحث.»
شيبرد دويلمان، مدير مشروع تلسكوب أفق الحدث
«لدينا نوعان مختلفان تماماً من المجرات وكتلتان مختلفتان جداً للثقبين الأسودين، لكن قرب حافة هذين الثقبين يبدوان متشابهين بشكل مذهل. هذا يخبرنا بأن النسبية العامة تحكم هذين الجرمين عن قرب.»
سيرا ماركوف، الرئيسة المشاركة لمجلس علوم تلسكوب أفق الحدث
«يتحرك الغاز في محيط الثقبين بالسرعة نفسها — قريباً جداً من سرعة الضوء — حول الرامي A* وM87* معاً. لكن بينما يستغرق الغاز أياماً إلى أسابيع ليدور حول M87* الأكبر، فإنه يُتم دورة كاملة حول الرامي A* الأصغر في دقائق معدودة.»
تشان، تعاون تلسكوب أفق الحدث
مقارنة بين M87* والرامي A*
| الخاصية | M87* | الرامي A* |
|---|---|---|
| المجرة | مركز المجرة مسييه 87، وهي مجرة ضخمة في عنقود العذراء المجري القريب 8 | مركز مجرة درب التبانة 3 |
| البعد عن الأرض | 55 مليون سنة ضوئية 8 | نحو 27,000 سنة ضوئية 3 |
| الكتلة | 6.5 مليار مرة كتلة الشمس 8 | نحو 4 ملايين مرة كتلة الشمس 3 |
| حجم أفق الحدث | عرضه أقل من 40 مليار كيلومتر بقليل، وهو أصغر بنحو 2.5 مرة من الظل الذي يلقيه 8 | أصغر من M87* بأكثر من ألف مرة كتلةً وحجماً 3 |
| زمن دورة الغاز حول الثقب | أيام إلى أسابيع 3 | دقائق معدودة 3 |
| تاريخ إعلان الصورة الأولى | 10 أبريل 2019 8 | 12 مايو 2022 3 |
الخط الزمني
«النجوم المظلمة» عند ميشيل
تنبأ الفيلسوف الطبيعي الإنجليزي جون ميشيل بأن نجماً عرضه 500 ضعف عرض الشمس ستكون جاذبيته قوية جداً حتى إن الضوء نفسه لن يستطيع الإفلات منه، وسمّى هذه الأجرام «النجوم المظلمة».1
أينشتاين يُكمل النسبية العامة
أكمل ألبرت أينشتاين نظريته في النسبية العامة في 18 نوفمبر 1915، وهي النظرية التي انبثق منها لاحقاً التنبؤ بوجود الثقوب السوداء.6
حل شفارتسشيلد
نشر كارل شفارتسشيلد أول حل دقيق لمعادلات أينشتاين للمجال، واصفاً انحناء الزمكان حول كتلة كروية متناظرة غير دوّارة.6
ثقب كير الدوّار
عمّم روي كير حل شفارتسشيلد ليصف ثقباً أسود دوّاراً، مضيفاً الزخم الزاوي إلى الكتلة والشحنة الكهربائية بصفتها المعايير الفيزيائية الأساسية للثقوب السوداء.6
بنروز يُثبت تشكُّل الثقوب السوداء
أثبت روجر بنروز أن الثقوب السوداء يمكن أن تتشكل فعلاً، مبيناً أن في قلبها تفرداً تتوقف فيه جميع قوانين الطبيعة المعروفة.7
GW150914: أول موجات ثقالية
سجّل كاشفا ليغو التوأمان في ليفينغستون بولاية لويزيانا وهانفورد بولاية واشنطن موجاتٍ ثقالية ناجمة عن اندماج ثقبين أسودين كتلتهما نحو 29 و36 كتلة شمسية، على بُعد 1.3 مليار سنة ضوئية.9
الإعلان عن الاكتشاف
أعلن العلماء رصد الموجات الثقالية للمرة الأولى، مؤكدين بذلك تنبؤاً رئيسياً من تنبؤات نظرية النسبية العامة لأينشتاين عام 1915.9
نوبل عن ليغو
مُنحت جائزة نوبل في الفيزياء لراينر فايس وباري باريش وكيب ثورن «عن إسهاماتهم الحاسمة في كاشف ليغو ورصد الموجات الثقالية».12
أول صورة لثقب أسود
كشف تلسكوب أفق الحدث أول دليل بصري مباشر على ثقب أسود فائق الكتلة وظلّه: إنه M87* الذي يبعد 55 مليون سنة ضوئية وكتلته 6.5 مليار مرة كتلة الشمس.8
نوبل عن الثقوب السوداء
مُنحت جائزة نوبل في الفيزياء لروجر بنروز لإثباته أن تشكُّل الثقوب السوداء تنبؤ راسخ من تنبؤات النسبية العامة، ولراينهارد غنزيل وأندريا غيز لاكتشافهما الجرم المكتنز فائق الكتلة في مركز مجرتنا.7
M87* في الضوء المستقطب
كشف تلسكوب أفق الحدث ثقب M87 في الضوء المستقطب، في أول قياس للاستقطاب — وهو بصمة للحقول المغناطيسية — بهذا القرب من حافة ثقب أسود.14
أول صورة للرامي A*
كشف تلسكوب أفق الحدث أول صورة للرامي A*، الثقب الأسود فائق الكتلة في مركز مجرة درب التبانة، الذي يبعد نحو 27,000 سنة ضوئية وكتلته أربعة ملايين مرة كتلة الشمس.3
أسئلة شائعة
ما الثقب الأسود بالضبط؟
الثقب الأسود جرم شديد الكثافة جاذبيته قوية جداً بحيث لا يفلت منه شيء ولا حتى الضوء 1. وهو ليس ثقباً في الحقيقة، بل تركيز هائل من المادة معبأ في مساحات متناهية الصغر 2.
هل يمكن أن يبتلع ثقب أسود الأرض أو النظام الشمسي؟
الثقوب السوداء ليست مكانس كونية تبتلع ما حولها؛ فمن مسافة بعيدة بما يكفي تكون تأثيراتها الثقالية كتأثيرات أي جرم آخر له الكتلة نفسها 2. ولو استُبدلت الشمس بثقب أسود له الكتلة نفسها لبقيت الكواكب في مداراتها 2.
كيف تتشكل الثقوب السوداء؟
يولد نوع من الثقوب السوداء عندما تنفد وقود النجوم الضخمة فتنفجر مستعرات عظمى 2. وإذا بلغت كتلة النجم نحو 20 ضعف كتلة الشمس أو أكثر انهار قلبه إلى ثقب أسود نجمي الكتلة 5.
ما أفق الحدث؟
أفق الحدث حدٌّ يحتوي كل المادة التي يتكون منها الثقب الأسود، وليس سطحاً كسطح الأرض أو الشمس 2. وداخله تتجاوز السرعة اللازمة للإفلات سرعة الضوء، فلا يستطيع حتى الضوء الخروج 4.
ماذا يحدث لشيء يقترب كثيراً من ثقب أسود؟
«التمدد السباغيتي» مصطلح حقيقي يصف ما يحدث للمادة عند اقترابها كثيراً من ثقب أسود: فهي تنضغط أفقياً وتتمدد عمودياً حتى تشبه المعكرونة 2.
هل الثقوب السوداء مجرد فرضية نظرية؟
لا، فهي رُصدت فعلاً: ففي 10 أبريل 2019 كشف تلسكوب أفق الحدث أول دليل بصري مباشر على ثقب أسود فائق الكتلة وظلّه 8، وفي 12 مايو 2022 كشف أول صورة للرامي A* في مركز درب التبانة 3. كما رصد ليغو موجات ثقالية من اندماج ثقبين أسودين في 14 سبتمبر 2015 9.
ما أقرب ثقب أسود إلى الأرض؟
أقرب ثقب أسود معروف، واسمه غايا BH1، يبعد نحو 1,500 سنة ضوئية 2.
الرسم البياني للمعرفة
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14