مَهاتما غاندي
محامٍ وقائد مناهض للاستعمار ومهندس المقاومة الجماهيرية اللاعنفية — من رصيف قطار في ديربان إلى مسيرة الملح وصيامات التقسيم الأخيرة.
كان موهانداس كارامشاند غاندي (1869–1948) محامياً هندياً صار قائد حركة الاستقلال الهندية ضد الحكم البريطاني، وأشهر ممارسي المقاومة اللاعنفية في القرن العشرين، وهي «ساتياغراها». بعد أن أُنزل من عربة درجة أولى في بيترماريتسبورغ سنة 1893، أمضى عقدين في جنوب أفريقيا ينظّم الجالية الهندية قبل عودته إلى الهند سنة 1915. قاد ساتياغراها تشامباران وخيدا، واحتجاجات رولات سنة 1919، وحركة عدم التعاون 1920–1922، ومسيرة الملح سنة 1930، وحركة «اتركوا الهند» سنة 1942، وقضى سنوات في السجون وصام لوقف العنف الطائفي. لم يمنح جائزة نوبل للسلام قط رغم اثنتي عشرة ترشيحاً، واغتاله ناثورام غودسي في 30 يناير 1948 بعد أشهر من نيل الهند استقلالها عبر تقسيم عارضه. ويوم غاندي جايانتي في 2 أكتوبر عطلة وطنية في الهند واليوم الدولي للاعنف في الأمم المتحدة.
الرجل والمَهاتما
وُلد موهانداس كارامشاند غاندي، الذي عرفه العالم بمَهاتما غاندي، في الثاني من أكتوبر سنة 1869 في بوربندر بالهند، وتوفي في الثلاثين من يناير سنة 1948 في دلهي1. كان محامياً وسياسياً وناشطاً اجتماعياً وكاتباً، وصار قائد حركة الاستقلال الهندية ضد الحكم البريطاني حتى عُدّ «أبا الأمة»1. وفي عيون ملايين الهنود كان «المَهاتما»، أي «النفس العظيمة»1.
وفي الذاكرة العالمية يُعرف غاندي بأنه رائد فلسفة اللاعنف واستراتيجيته وقائد حركة الاستقلال الهندية2. وقد طوّر مفهوم «ساتياغراها» في جنوب أفريقيا، وهو مصطلح اختاره بحثاً عن لفظ أدقّ من «المقاومة السلبية» لمقاومة لا يجوز أن تُخاض في الغضب3. ويُترجم اللفظ حرفياً بـ«قوة الحقيقة»3.
رسمت مسيرته قوساً طويلاً: من محامٍ شاب أُمِر بمغادرة مقصورة قطار في بيترماريتسبورغ سنة 18933 إلى قائد أعاد صياغة المؤتمر الوطني الهندي وتحويله إلى تنظيم جماهيري4. وفي أكثر من محطة اختار المواجهة الكاملة: حُكم عليه سنة 1922 بالسجن ست سنوات4، وأعلن سنة 1932 صياماً حتى الموت وهو سجين5. وفي سنة 1947 انتهى الحكم البريطاني وقد قُسّمت شبه القارة إلى دولتين: الهند وباكستان6، وكان من أكبر خيبات غاندي أن تتحقق الحرية دون وحدة هندية4.
الشباب: بوربندر والزواج ولندن
كان والده كارامشاند غاندي ديوان (رئيس وزراء) بوربندر، عاصمة إمارة صغيرة في غرب الهند تقع اليوم في ولاية غوجارات وكانت تحت الحماية البريطانية1. أما أمه بوتليباي فقد كانت غارقة في التدين: لا تحفل بالزينة والحلي، وتقسم وقتها بين البيت والمعبد، وتصوم كثيراً، وتستنفد نفسها ليلاً ونهاراً في تمريض المرضى كلما مرض أحد في الأسرة1. ونشأ موهانداس في بيت مشبع بالفيشنوية وفيه مسحة قوية من الجاينية، فغدت عنده من المسلّمات: الأهيمسا (عدم إيذاء الكائنات الحية)، والنباتية، والصيام تطهراً، والتسامح المتبادل بين أصحاب العقائد والطوائف1.
تزوّج كاستوربا وهو في الثالثة عشرة، وأنجبا خمسة أبناء توفي أولهم بعد ولادته بقليل1. وفي سبتمبر 1888 أبحر إلى إنجلترا، وبعد عشرة أيام من وصوله انضم إلى «المعبد الداخلي»، إحدى كليات الحقوق الأربع في لندن1. وهناك أتمّ دراسته وقُبل في نقابة المحامين في 10 يونيو 18913.
وفي سنة 1893 توجّه غاندي إلى مستعمرة ناتال في جنوب أفريقيا ليعمل لدى شركة تجارية هندية7. ووصل إلى ديربان ليتولّى المستشارية القانونية للتاجر دادا عبد الله3. وكان ذلك بداية نحو عقدين قضاهما في جنوب أفريقيا قبل عودته إلى الهند في يناير 19153.
جنوب أفريقيا: ميلاد ساتياغراها (1893–1914)
في يونيو 1893 صدر أمر لغاندي بمغادرة مقصورة الدرجة الأولى في بيترماريتسبورغ أثناء رحلة قطار إلى بريتوريا، رغم أنه كان يحمل تذكرة من الدرجة الأولى3. وكان له بعد ذلك دور محوري في تأسيس المؤتمر الهندي في ناتال في 22 أغسطس 1894، وهو أول تنظيم سياسي دائم يسعى إلى صون حقوق الهنود في جنوب أفريقيا وحمايتها3. وفي يونيو 1903 أنشأ صحيفته Indian Opinion، ونقلها في يونيو 1904 إلى مستوطنة فينيكس قرب ديربان3.
كانت فينيكس تجربة في العيش الجماعي، غايتها التخلص من الفضول غير الضروري والعيش في مجتمع تسوده المساواة الكاملة3. وفي سنة 1910 اشترى غاندي مزرعة تولستوي وأقام فيها، إعانةً لأسر المقاومين المعتقلين3. وفي سنة 1913 عبرت نساء هنديات من أشرم تولستوي الحدود دون تصاريح، وقد كان عبور الحدود من ترانسفال إلى ناتال ممنوعاً على الهنود بدون تصريح، ثم نجحن في إقناع عمال المناجم الهنود في نيوكاسل بالإضراب فاعتُقلن3.
وفي يوليو 1914 أبحر غاندي مع زوجته إلى إنجلترا، وكان قد أرسل قبل رحيله إلى الجنرال سموتس هدية صنعها في السجن: زوجاً من الصنادل3. وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى أثناء الرحلة قرّر البقاء في إنجلترا، ثم أبحر إلى الهند في يناير 19153، وقد كانت أخبار كفاحه وانتصراته في جنوب أفريقيا تتناقل في الصحافة العالمية3.
العودة إلى الهند: تشامباران وأحمد آباد وخيدا
عاد غاندي إلى الهند في يناير 1915، وقد سبقتته أخبار كفاحه، فاستُقبل بطلاً وطنياً3. وفي 25 مايو 1915 أُسّس أول أشرم له في الهند في منطقة كوتشراب بأحمد آباد8. ثم نُقل الأشرم في 17 يونيو 1917 إلى أرض مفتوحة على ضفاف نهر سابارماتي8. وظل أشرم سابارماتي، المعروف بأشرم هاريجان، بيتاً لغاندي من 1917 حتى 1930، وأحد المراكز الرئيسية لكفاح الحرية الهندي8. وقد اختاره غاندي في موقع بين سجن ومحرقة، لأنه كان يرى أن على الساتياغراهي أن ينتهي حتماً إلى أحد المكانين8.
وفي سنة 1917 قاد غاندي حملات لاعنفية ضد قمع الحكومة البريطانية لفلاحي مزارع النيلي في تشامباران بولاية بيهار4. وقد جاءت في العام نفسه الذي انتقل فيه أشرمه إلى ضفاف نهر سابارماتي8، وقبل عام واحد من احتجاجَي أحمد آباد وخيدا4.
وفي سنة 1918 خاض غاندي إضراباً عن الطعام احتجاجاً على سوء ظروف العمل في مصانع النسيج بأحمد آباد4. وفي السنة نفسها خاض احتجاجاً ثانياً عُرف بساتياغراها خيدا، ضد الضرائب التي فرضها البريطانيون على الفلاحين رغم موجات المجاعة المتكررة4. وكان هؤلاء الفلاحون من طبقة الباتيدار في خيدا بغوجارات، وهم الذين فُرضت عليهم تلك الضرائب4.
رولات وأمريتسار والتحول إلى عدم التعاون
في سنة 1919 قاد غاندي ساتياغراها ضد قانون رولات، وهو مجموعة إجراءات صُمّمت للتنكيل بالحركة الوطنية4. وقد دعا إلى هارتال (إضراب عام) في عموم البلاد في السادس من أبريل، فاستجاب الهنود بإغلاق المتاجر والمكاتب طوعاً، وصيام يوم كامل، وعقد اجتماعات عامة تطالب بإلغاء القانون9. وبهذه الاستجابة بدأت ما عُرفت لاحقاً بساتياغراها رولات9.
غير أن العنف تسلل إلى الاضطرابات التي تلت الاحتجاجات4. ففي أمريتسار بالبنجاب قتل جنود بقيادة بريطانية نحو 400 هندي كانوا متجمعين في ساحة مفتوحة، في مذبحة جالليانوالا باغ4. وقد أطلقت تلك المذبحة، مع قانون رولات نفسه، الاحتجاج الذي صار بعد ذلك حركة عدم التعاون4.
وفي سنة 1920 أطلق غاندي حركة عدم التعاون، وهي حركة عصيان مدني واسعة النطاق، احتجاجاً على قانون رولات ومذبحة جالليانوالا باغ4. وقد كانت محاولة لم تنجح، غايتها حمل حكومة الهند البريطانية على منح الهند حكماً ذاتياً، أي سواراج10. وبحلول خريف سنة 1920 صار غاندي الشخصية المهيمنة على المسرح السياسي بنفوذ لم يبلغه أي زعيم سياسي في الهند من قبل4. وقد أعاد تشكيل المؤتمر الوطني الهندي وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، فانتقل من لقاء نخبة في عيد الميلاد إلى تنظيم جماهيري تضرب جذوره في المدن الصغيرة والقرى4.
جدول: أبرز الحركات والحملات 1917–1942
يمتد خط حملات غاندي من تشامباران سنة 1917 إلى حركة «اتركوا الهند» سنة 19424. وفي الجدول التالي أهم محطاته، بسنواتها وأسلوبها ونتائجها الموثقة4.
| الحركة أو الحملة | السنوات | الأسلوب | النتيجة |
|---|---|---|---|
| تشامباران | 1917 | حملات لاعنفية ضد قمع الحكومة البريطانية لفلاحي مزارع النيلي في بيهار4 | أولى حملاته اللاعنفية في الهند بعد عودته سنة 19154 |
| إضراب أحمد آباد وساتياغراها خيدا | 1918 | صيام عن الطعام ضد سوء ظروف العمل في مصانع النسيج؛ واحتجاج ضد ضرائب فُرضت على الفلاحين (الباتيدار) في خيدا رغم موجات المجاعة4 | سبقتا ساتياغراها رولات سنة 19194 |
| ساتياغراها رولات | 1919 | هارتال عام في 6 أبريل، وإغلاق طوعي للمتاجر والمكاتب، وصيام واجتماعات تطالب بإلغاء القانون9 | اضطرابات شملت مذبحة جالليانوالا باغ (نحو 400 قتيل)4 |
| عدم التعاون | 1920–1922 | عصيان مدني واسع للاحتجاج على قانون رولات ومذبحة جالليانوالا باغ4 | محاولة غير ناجحة؛ أوقفها غاندي بعد أحداث تشوري تشورا (فبراير 1922)10 |
| مسيرة الملح (داندي) | 1930 | مسيرة 240 ميلاً (385 كم) من سابارماتي إلى داندي؛ والتقاط الملح على الشاطئ في 6 أبريل11 | سجن أكثر من 60,000 شخص4 |
| العصيان المدني وميثاق غاندي–إيروين | 1930–1931 | حملة عصيان امتدت إلى مطلع 1931؛ ومداهمة دها راسانا بقيادة ساروجيني نايدو في 21 مايو 193011 | هدنة غاندي–إيروين ووقف العصيان، وحضور المؤتمر المستدير ممثلاً وحيداً للمؤتمر4 |
| صيام ميثاق بونا | 1932 | صيام حتى الموت بدأ في 18 سبتمبر ضد الناخبيات المنفصلة للداليت5 | ميثاق بونا (24 سبتمبر): رفض الناخبيات المنفصلة ومنح تمثيل موسّع عشر سنوات5 |
| اتركوا الهند | 1942 | احتجاج جماهيري انطلق في 8 أغسطس من بومباي بخطاب «افعل أو مت»12 | مقتل ما لا يقل عن 1,000 هندي، ونحو 60,000 معتقل بنهاية 194312 |
محاكمة أحمد آباد الكبرى سنة 1922
في فبراير 1922 قتل غوغاء غاضبون ضباط شرطة في قرية تشوري تشورا، فأوقف غاندي حركة عدم التعاون10. وفي الشهر التالي اعتُقل دون مقاومة10، ثم حوكم بتهمة التحريض وحُكم عليه بالسجن ست سنوات4.
وبدأت المحاكمة في 18 مارس 1922 في دار الضيافة في شاهي باغ بأحمد آباد، وكان المتهمان فيها دون محامٍ للدفاع13. وكانت التهمة في كل حالة إثارة الكراهية أو الاحتقار أو التحريض على السخط تجاه حكومة جلالة الملك القائمة قانوناً في الهند البريطانية، بسبب ثلاث مقالات كتبها غاندي في Young India13. وقد ألقى غاندي في المحكمة بياناً صار جزءاً من سجل مسيرته13.
واقتدى القاضي، وهو يقرّر العقوبة، بالسابقة التي حُكم بها على بال غانغادهار تيلاك تحت المادة نفسها، فقضى بسنتين من السجن البسيط عن كل تهمة، أي ست سنوات في المجموع13. وهكذا انتهت المحاكمة إلى العقوبة نفسها التي كانت قد فُرضت على تيلاك قبلها13.
مسيرة الملح والمؤتمر المستدير وميثاق بونا
في مارس 1930 أطلق غاندي مسيرة الملح، المعروفة أيضاً بمسيرة داندي، وهي ساتياغراها ضد ضريبة الملح التي فرضتها بريطانيا وأثقلت أفقر طبقات المجتمع4. وهي من أكثر حملاته اللاعنفية بريقاً ونجاحاً4. وفي 12 مارس انطلق على قدميه برفقة عشرات الأتباع، وكانت المجموعة تتوقف بعد مسيرة كل يوم في قرية مختلفة تحتشد فيها حشود متزايدة11. وبعد مسيرة بلغت نحو 240 ميلاً (385 كم) وصل الموكب في 5 أبريل إلى داندي11. وفي صباح 6 أبريل التقط غاندي وأتباعه حفنات من الملح على الشاطئ، فصاروا بذلك «ينتجون» الملحَ ويخرقون القانون11. وكانت المسيرة الفصل الأول في حملة عصيان مدني أوسع امتد أثرها إلى مطلع سنة 193111.
وفي 24 أبريل أعلن غاندي اعتزامه تنفيذ مداهمة لاعنفية على مصانع الملح في دها راسانا جنوب داندي على مسافة 25 ميلاً14، غير أنه اعتُقل ليلة 4 مايو 1930 قبل تنفيذ العملية بأيام14. ومضت المداهمة في 21 مايو بقيادة الشاعرة ساروجيني نايدو، وهوجم كثير من نحو 2,500 متظاهر سلمي وضُربوا على أيدي الشرطة11. وقد أدت الحملة كلها إلى سجن أكثر من 60,000 شخص4.
وبعد محادثات مع نائب الملك اللورد إيروين قبل غاندي هدنة عُرفت بميثاق غاندي–إيروين، فأوقف العصيان المدني4. ووافق على حضور مؤتمر المائدة المستديرة في لندن ممثلاً وحيداً للمؤتمر الوطني الهندي4. وحين عاد إلى الهند في ديسمبر 1931 وجد حزبه في مواجهة هجوم شامل من اللورد ويلينغدون، خلف إيروين في نيابة الملك، فأطلق أقسى قمع في تاريخ الحركة الوطنية، وسُجن غاندي مرة أخرى4.
وفي سبتمبر 1932، وهو ما يزال سجيناً، بدأ غاندي صياماً احتجاجاً على قرار الحكومة البريطانية بفصل «المنبوذين» عبر منحهم ناخبيات منفصلة في الدستور الجديد4. وقد بدأ الصيام في 18 سبتمبر، ولم يعلن أمبيدكار التخلي عن تأييده للناخبيات المنفصلة إلا حين أشرف غاندي على الموت5. فجاء ميثاق بونا في 24 سبتمبر 1932 رافضاً الناخبيات المنفصلة، لكنه منح الداليت تمثيلاً موسّعاً داخل الناخبية الهندوسية لمدة عشر سنوات5. وقد اشتكى أمبيدكار من الابتزاز، غير أن الميثاق مثّل بداية حركة مناهضة «اللمس» داخل الحركة الوطنية الهندية5.
اتركوا الهند والتقسيم والصيامات الأخيرة
في مارس 1942 أرسلت الحكومة البريطانية ستافورد كريبس إلى الهند بعرض رفضه غاندي واصفاً إياه بـ«شيك مؤجل الدفع على مصرف آيل إلى الإفلاس»12. وقد لقي البند الذي يسمح لبعض المقاطعات بالانفصال عن الهند موقفاً إيجابياً من محمد علي جناح، الذي كانت رابطة مسلمي الهند عنده تسعى إلى إنشاء دولة منفصلة أغلبية سكانها من المسلمين تُسمى باكستان12. ودفع فشل مهمة كريبس وتهرّب البريطانيين من نقل السلطة غاندي في صيف 1942 إلى المطالبة بانسحاب بريطاني فوري من الهند4. وقد طالب البريطانيين في مجلته هاريجان في 24 مايو 1942: «اتركوا الهند لله. وإن كان ذلك كثيراً فاتركوا الفوضى تعمّها»12.
وفي 14 يوليو 1942 أقرّ حزب المؤتمر قراره «اتركوا الهند» المطالب بإنهاء فوري للحكم البريطاني في الهند12. وفي 8 أغسطس 1942 انطلقت الحركة من بومباي بخطاب غاندي الذي جعل شعارها «افعل أو مت»12. وفي اليوم التالي اعتُقل عدد من الزعماء الوطنيين بينهم غاندي وجواهر لال نهرو وأبو الكلام آزاد وفالابهاي باتل12. ولم يسجن البريطانيون غاندي، بل حجزوه في قصر آغا خان الصيفي في بيون مع زوجته كاستوربا12.
وقد قتل ما لا يقل عن 1,000 هندي في اضطرابات الحركة، وبحلول نهاية سنة 1943 كان نحو 60,000 شخص قد اعتُقلوا12. وفي سنة 1947 انتهى الحكم البريطاني، وقُسّمت شبه القارة إلى دولتين مختلفتين: الهند وباكستان6. وكان من أكبر خيبات غاندي أن تتحقق الحرية الهندية دون وحدة هندية4. فكرّس نفسه لمداواة جراح الصراع الطائفي، فجاب المناطق المنكوبة بالاضطرابات في البنغال وبيهار، وعاتب المتعصبين، وواسى الضحايا، وحاول إعادة تأهيل اللاجئين4. وحين أخفقت الإقناع لجأ إلى الصيام: فقد أوقف صيامه في سبتمبر 1947 أعمال الشغب في كلكتا، وفي يناير 1948 أرغم دلهي على هدنة طائفية4.
الاغتيال والذكرى
وفي مساء 30 يناير 1948، وبينما كان غاندي في طريقه إلى صلاة المساء في دلهي، قُتل برصاص ناثورام غودسي، متعصب هندوسي شاب4. وقد جاء الاغتيال قبل يومين فقط من موعد إغلاق باب ترشيحات جائزة نوبل للسلام لتلك السنة7. وتحيي الهند ذكراه في هذا اليوم من كل عام بوصفه يوم الشهداء4.
وفي يوم الشهداء يقدّم رئيس الهند ونائبه ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وقادة القوات البرية والبحرية والجوية التحية عند راج غات، النصب المكرّس لمَهاتما غاندي في نيودلهي4. وفي الثاني من أكتوبر، ذكرى مولده، تحيي الهند «غاندي جايانتي» عطلة وطنية تُغلق فيها المعاهد التعليمية والمكاتب الحكومية ومعظم الأعمال1. وتُقام في هذا اليوم لقاءات صلاة في أنحاء البلاد، ويقدّم الناس التحية عند راج غات في نيودلهي، حيث أُحرقت جثته1. وقد أعلنت الأمم المتحدة اليوم نفسه يوماً دولياً للاعنف تكريماً له1.
بكلماته هو
من خواطره المسجلة في الأعمال الكاملة إلى خطبه في ذروة المواجهة، ترك غاندي في كلماته بصمة التأمل الأخلاقي الذي ربطه بالمطالبة السياسية15. وفيما يلي مختارات موثقة منها15.
«لا حصر لأسماء الله؛ لكن لو اختير اسم واحد لكان سات أو ساتيا، أي الحقيقة. ومن ثمّ فالحقيقة حقاً هي الله»15
خاطرة، 20 نوفمبر 1944 — الأعمال الكاملة، المجلد LXXVIII، ص. 390
«إدراك الحقيقة غير ممكن البتة دون الأهيمسا؛ ولذلك قيل إن الأهيمسا هي الدارما العليا»15
خاطرة، 21 نوفمبر 1944 — الأعمال الكاملة، المجلد LXXVIII، ص. 390
«فلنحترم الأديان الأخرى كما نحترم ديننا؛ فمجرد التسامح معها لا يكفي»15
خاطرة، 27 نوفمبر 1944 — الأعمال الكاملة، المجلد LXXVIII، ص. 391
«إزالة اللمس لا تعني مجرد ملامسة الهاريجانين، بل النظر إليهم كأقرب الأقربين؛ أي معاملتهم كما نعامل إخوتنا وأخواتنا. لا عاليَ ولا وضيع»15
خاطرة، 28 نوفمبر 1944 — الأعمال الكاملة، المجلد LXXVIII
«الشعار هو: افعل أو مت. سنحرر الهند أو نموت في المحاولة؛ ولن نعيش لنرى استمرار عبوديتنا»12
خطاب «افعل أو مت»، بومباي، 8 أغسطس 1942
«اتركوا الهند لله. وإن كان ذلك كثيراً فاتركوا الفوضى تعمّها»12
هاريجان، 24 مايو 1942
«جئت لأدعو إلى أقصى عقوبة يمكن أن تُفرض عليّ وأقبل بها عن طيب خاطر، على ما هو في القانون جريمة متعمّدة وما يبدو لي أسمى واجب للمواطن»13
بيان المحاكمة الكبرى، أحمد آباد، 18 مارس 1922
الإرث ونوبل الغائبة
لم يفُز غاندي بجائزة نوبل للسلام قط، مع أنه رُشّح لها اثنتي عشرة مرة بين سنتي 1937 و194816. وقد جاء ترشيحه الأول سنة 1937 من أولي كولبيورنسن، عضو البرلمان النرويجي، واختير في تلك السنة واحداً من ثلاثة عشر مرشحاً في القائمة المختصرة للجنة النرويجية7. ثم تكرر ترشيحه في 1938 و1939، ثم في 1947، وأخيراً قبل أيام من اغتياله في يناير 19487.
وقد كتب مستشار اللجنة، الأستاذ جاكوب فورم-مولر، أن غاندي «دون شك شخص صالح ونبيل وزاهد — ورجل بارز يحظى عن جدارة باحترام وتقدير جماهير الهند وحبها»7. غير أن المستشار نفسه وصف الزعيم السياسي غاندي بأنه «مناضل من أجل الحرية وطاغية، ومثالي وقومي. كثيراً ما يكون المسيح، ثم فجأة سياسياً عادياً»7. ورأى رئيس اللجنة غونار يان أنه أعظم الشخصيات بين المرشحين، لكنه ذكّر بأن غاندي «ليس رسول سلام فحسب؛ بل هو قبل كل شيء وطني»7. وحين جرى التصويت على جائزة سنة 1947 كان ثلاثة من خمسة أعضاء ضد منحها لغاندي، فقررت اللجنة بالإجماع منحها للكويكرز7.
وفي 18 نوفمبر 1948 قررت اللجنة النرويجية عدم منح الجائزة تلك السنة، فلم تُمنح جائزة نوبل للسلام سنة 1948، ووزّع مبلغها بحيث آل ثلثه إلى الصندوق الرئيسي وثلثاه إلى الصندوق الخاص بتلك الجائزة17. ويُجمع كثيرون، بأثر رجعي، على أن الزعيم الهندي كان جديراً بأن يكون الرجل المختار لنيل الجائزة7. وقد بقي له من التكريم ما هو أبقى: فعندما مُنح الدالاي لاما جائزة السلام سنة 1989 قال رئيس اللجنة إن ذلك «تكريم جزئي لذكرى مَهاتما غاندي»7. وبموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة A/RES/61/271 المؤرخ في 15 يونيو 2007 صار يوم مولده مناسبة لنشر رسالة اللاعنف من خلال التعليم والتوعية العامة2. وحين يُحتفل باليوم الدولي للاعنف تُقتبس كلماته هو: «اللاعنف أعظم قوة في متناول البشرية»2.
الخط الزمني: حياة موثّقة
الميلاد في بوربندر
وُلد موهانداس كارامشاند غاندي في بوربندر، عاصمة إمارة صغيرة تقع اليوم في ولاية غوجارات الهندية، حيث كان والده رئيساً للوزراء.
الإبحار إلى إنجلترا لدراسة القانون
تحدّى موهانداس قرار طائفته الفرعية وأبحر إلى إنجلترا في سبتمبر 1888، وبعد عشرة أيام من وصوله انضم إلى «المعبد الداخلي»، إحدى كليات الحقوق الأربع في لندن.
القبول في نقابة المحامين
أتمّ غاندي دراسته بنجاح في المعبد الداخلي وقُبل في نقابة المحامين في 10 يونيو 1891.
طرده من عربة درجة أولى في بيترماريتسبورغ
بعد وصوله إلى ديربان سنة 1893 للعمل مستشاراً قانونياً للتاجر دادا عبد الله، أُمِر غاندي بمغادرة مقصورة الدرجة الأولى في بيترماريتسبورغ رغم حيازته تذكرة درجة أولى.
تأسيس المؤتمر الهندي في ناتال
كان غاندي صاحب دور محوري في تأسيس المؤتمر الهندي في ناتال، أول تنظيم سياسي دائم يسعى إلى صون الحقوق الهندية وحمايتها في جنوب أفريقيا.
إنشاء مستوطنة فينيكس
بإلهام من كتاب جون راسكين «حتى آخر قطرة»، أنشأ غاندي مستوطنة فينيكس قرب ديربان، تجربة في العيش الجماعي نقل إليها صحيفته Indian Opinion التي أنشأها في يونيو 1903.
بلورة مفهوم ساتياغراها في جنوب أفريقيا
طوّر غاندي مفهوم ساتياغراها بحثاً عن تعبير أدقّ من «المقاومة السلبية» لمقاومة لا يجوز أن تُخاض في الغضب.
العودة إلى الهند بطلاً وطنياً
أبحر غاندي إلى الهند في يناير 1915؛ وبحلول وصوله كان كفاحه وانتصراته في جنوب أفريقيا معروفة عالمياً واستُقبل بطلاً وطنياً.
انتقال أشرم سابارماتي إلى ضفة النهر
نُقل الأشرم الذي تأسس أولاً في كوتشراب في 25 مايو 1915 إلى أرض مفتوحة على ضفاف نهر سابارماتي، ليصبح بيت غاندي من 1917 حتى 1930.
ساتياغراها رولات ومذبحة أمريتسار
بعد تمرير قوانين رولات، دعا غاندي إلى هارتال (إضراب عام) في 6 أبريل؛ وشهدت الاضطرابات التي تلته مذبحة جالليانوالا باغ حيث قتل جنود بقيادة بريطانية نحو 400 هندي في أمريتسار.
المحاكمة الكبرى في أحمد آباد
بعد اعتقاله في 10 مارس إثر أحداث تشوري تشورا، حوكم غاندي في شاهي باغ وحُكم عليه بسنتين من السجن البسيط عن كل تهمة، أي ست سنوات في المجموع.
مسيرة الملح إلى داندي
انطلق غاندي سيراً على الأقدام في 12 مارس بعشرات من أتباعه؛ وبعد نحو 240 ميلاً (385 كم) التقط هو وأتباعه في 6 أبريل حفنات من الملح على شاطئ داندي، خارقين القانون.
ميثاق بونا
في أعقاب صيام غاندي حتى الموت الذي بدأه في 18 سبتمبر، اتفق قادة الهندوس وقادة الداليت على الميثاق الذي رفض الناخبيات المنفصلة مقابل تمثيل موسّع للداليت داخل الناخبية الهندوسية لمدة عشر سنوات.
«افعل أو مت»: حركة اتركوا الهند
صوّت حزب المؤتمر في بومباي لصالح حركة «اتركوا الهند» وألقى غاندي خطاب «افعل أو مت»؛ وفي اليوم التالي اعتقل البريطانيون جميع قيادات المؤتمر.
الاستقلال والتقسيم
انتهى الحكم البريطاني وتشكّلت دومينيونان جديدان هما الهند وباكستان وسط عنف طائفي؛ وجال غاندي مناطق الاضطرابات وصام في سبتمبر 1947 لوقف أعمال الشغب في كلكتا.
الاغتيال في دلهي
أثناء توجهه إلى صلاة المساء في دلهي، قُتل غاندي برصاص ناثورام غودسي، متعصّب هندوسي شاب؛ ويُحيّى يوم 30 يناير بوصفه يوم الشهداء في الهند.
أسئلة وأجوبة
من هو موهانداس كارامشاند غاندي؟
هو موهانداس كارامشاند غاندي (1869–1948)، محامٍ وسياسي وناشط اجتماعي وكاتب هندي قاد حركة الاستقلال الهندية ضد الحكم البريطاني حتى عُدّ «أبا الأمة»1. وُلد في 2 أكتوبر 1869 في بوربندر بالهند، وتوفي في 30 يناير 1948 في دلهي1.
ماذا يعني لقب «المَهاتما» ومن أطلقه؟
«المَهاتما» تعني «النفس العظيمة»، وهكذا كان يسميه ملايين الهنود1. وتروي رواية موثقة أن أول من منحه اللقب كان ناغار شيث شري نوتاملال ب. ميهتا من جيتبور في 21 يناير 1915، وأن الاعتقاد الشائع بأن طاغور سبق إليه غير صحيح3.
ما هي «ساتياغراها»؟
هو اللفظ الذي اختاره غاندي لمقاومة لا يجوز أن تُخاض في الغضب، ويعني حرفياً «قوة الحقيقة»3. وقد طوّر المفهوم أثناء سنواته في جنوب أفريقيا3.
لماذا يُعدّ حادث القطار في بيترماريتسبورغ محطة مفصلية؟
لأنه في يونيو 1893 أُمِر غاندي بمغادرة مقصورة الدرجة الأولى في بيترماريتسبورغ أثناء رحلته بالقطار، رغم أنه كان يحمل تذكرة من الدرجة الأولى3. وقد كان ذلك في مستهل نحو عقدين أمضاهما في جنوب أفريقيا3.
ما هي مسيرة الملح وما الذي تحقق فيها؟
هي حملة لاعنفية ضد ضريبة الملح البريطانية انطلقت في 12 مارس 1930، وقطع فيها غاندي وأتباعه نحو 240 ميلاً (385 كم) إلى داندي حيث التقطوا الملح في 6 أبريل11. وقد أدت حملة العصيان التي تبعتها إلى سجن أكثر من 60,000 شخص4.
ما هو ميثاق بونا؟
هو اتفاق عُقد في 24 سبتمبر 1932 بين قادة الهندوس منح الداليت حقوقاً جديدة5. وقد رفض الناخبيات المنفصلة، لكنه منح الداليت تمثيلاً موسّعاً داخل الناخبية الهندوسية لمدة عشر سنوات، وجاء بعد صيام غاندي حتى الموت الذي بدأه في 18 سبتمبر5.
غاندي بالأرقام
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17