نابليون
الضابط الكورسيكي الذي صار إمبراطور الفرنسيين — السجل الموثَّق للحملات والقانون المدني والإمبراطورية وواترلو وسانت هيلينا، مع أدلة سبب الوفاة وتشكُّل الأسطورة.
نابليون بونابرت (15 أغسطس 1769، أجاكسيو بكورسيكا — 5 مايو 1821، لونغوود بسانت هيلينا) جنرال ورجل دولة فرنسي: القنصل الأول لفرنسا من 1799 إلى 1804 وإمبراطور الفرنسيين من 1804 إلى 1814/15. وُلد في كورسيكا بعد عام من ضمّها إلى فرنسا، وبرز من الجيش الثوري — قائداً للمدفعية في تولون 1793 وقائداً لجيش إيطاليا 1796 — ثم استولى على السلطة في انقلاب 18 برومير (9 نوفمبر 1799) الذي أبدل حكومة المديرين بقنصلية ثلاثية. صدر قانوناه المدني في 21 مارس 1804 وصار التأثير الرئيسي على القوانين المدنية في معظم أوروبا القارية وأمريكا اللاتينية. وأنشأ قرار مجلس الشيوخ في 18 مايو 1804 الإمبراطورية، وتُوّج نابليون نفسه في نوتردام في 2 ديسمبر 1804 وأمّنها بأوسترليتز بعد عام. ثم دمّرت حملته الروسية (1812) جيشه: نحو 455,000 عبروا نيمان مقابل نحو 280,000 روسي، و45,000 خسارة روسية في بورودينو. تنازل في 1814 وعاد من إلبا في «المئة يوم» ليهزم أخيراً في واترلو في 18 يونيو 1815. وفي سانت هيلينا صاغ أسطورته في مذكرات ووصية طلبت أن ترقد رفاته على ضفاف السين؛ وقد ظلّ موته في 5 مايو 1821 محلّ جدل قرنين، وخلص اتحاد دولي من أطباء الأمراض الهضمية إلى أن تقارير التشريح تشير إلى سرطان معدة متقدم مصحوب بنزيف هضمي علوي.
كورسيكا وضابط الثورة (1769-1795)
صارت كورسيكا فرنسية رسمياً في 1768 بعد أن كانت جنوية، بموجب معاهدة فرساي المؤرخة 15 مايو 17681. وبعد عام من الاضطرابات، أخضعت القوات الفرنسية أنصار باسكال باولي في معركة بونتي نوفو في 9 مايو 17691. وكان شارل بونابرت، والد نابليون، من بين أنصار باولي الذين انهزموا في تلك المعركة1.
وُلد نابليون بونابرت في 15 أغسطس 1769 في أجاكسيو بكورسيكا، وعُمّد في 21 يوليو 17711. وفي سبتمبر 1771 اعتُرف رسمياً بنبالة أسرة بونابرت، وهو اعتراف فتح لنابليون باب المدرسة العسكرية في بريين التي دخلها في 15 مايو 1779، لأن أربع درجات من النبالة كانت هي الشرط المطلوب1. وتلقّى تعليمه في ثلاث مدارس: لفترة قصيرة في أوتون، ثم خمس سنوات في بريين، فسنة واحدة في الأكاديمية العسكرية بباريس2. وفي فبراير 1785 توفي والده بسرطان المعدة، فتولّى نابليون رئاسة الأسرة قبل أن يبلغ السادسة عشرة من عمره2.
وفي امتحانات المدرسة العسكرية في باريس في سبتمبر 1785 كان نابليون في المرتبة 42 بين 137 مرشحاً نجح منهم 58، فمُنح رتبة ملازم ثانٍ1. ولمّا اندلعت الحرب الأهلية في كورسيكا في أبريل 1793 حكم باولي على أسرة بونابرت بالسخط والعار الأبديين، ففرّوا جميعاً إلى فرنسا2. ونزلت الأسرة في تولون في 13 يونيو 1793، وأقامت بعد ذلك بقليل في مرسيليا1.
وفي 16 سبتمبر 1793 عُيّن نابليون قائداً للمدفعية في جيش كارتو1. وغادرت القوات البريطانية تولون في 18 ديسمبر من العام نفسه، وفي 22 ديسمبر رُقّي نابليون إلى رتبة عميد1. وكان حينها في الرابعة والعشرين من عمره، وقد جاءت الترقية تقديراً لدوره الحاسم في استعادة المدينة2.
الحملة الإيطالية ومصر (1796-1799)
أخمد بونابرت ثورة ملكية في 13 فانديمير (5 أكتوبر 1795)، وواجه الملكيين بما عُرف بـ«رشقة العنب»3. وبذلك نال ثقة حكومة المديرين في أشهر قليلة، وفي 2 مارس 1796 عيّنته قائداً لجيش إيطاليا3.
وفي أول بيان له إلى جيش إيطاليا وصف بونابرت جنوده بأنهم عراة يتضورون جوعاً، وأن الحكومة التي تدين لهم بالكثير لا تستطيع أن تمنحهم شيئاً3. ثم حقق انتصاراً بعد انتصار على جنرالات نمساويين أكثر خبرة منه: في مونتينوت في 12 أبريل 1796، ولودي في 10 مايو، وأركول في 17 نوفمبر، وريفولي في 15 يناير 17973. وفي غضون أشهر هزم أربعة جيوش نمساوية منظمة، ووسّع أراضي الجمهورية، وأقام جمهوريتين شقيقتين3. وبعد أن تفاوض على صلح كامبو فورميو مع النمسا في أكتوبر 1797 عاد منتصراً إلى باريس3.
وفي مارس 1798 عيّنته حكومة المديرين قائداً لحملة مصر شديدة السرية3. وأفلت بونابرت من أسطول نيلسون، فنزل الفيلق الفرنسي على الأرض المصرية ليلة 1-2 يوليو 17983. وهزم بونابرت المماليك في معركة الأهرام في 21 يوليو 1798، لكن الموقف انهار سريعاً حين أغرق البريطانيون معظم الأسطول الفرنسي في معركة خليج أبو قير ليلة 1-2 أغسطس3.
انقلاب 18 برومير والقنصلية (1799-1804)
اجتمع المتآمرون خلال الأسابيع التالية في شقة بونابرت بشارع النصر في باريس، ووضعوا خطة الاستيلاء على السلطة وحددوا موعدها في 18 برومير من السنة الثامنة (9 نوفمبر 1799)3.
بدأ الانقلاب في السابعة صباحاً من ذلك اليوم3. وروّج المتآمرون إشاعة عن مؤامرة يعقوبية لإسقاط الحكومة، فساد الشك الأجواء وأُقرّ قرار نقل المجلسين إلى قصر سان كلو3. وأُسند إلى بونابرت أمر الفرقة السابعة عشرة من الجيش3.
وعندما قاوم مجلس الخمسمئة، دخل مورا القاعة وأعلن: «أيها المواطنون، لقد حُلّ المجلس!»3. ثم صوّت النواب على استبدال حكومة المديرين بلجنة تنفيذية من ثلاثة قناصل، فنجح الانقلاب وبدأ صعود بونابرت إلى السلطة3.
كان هذا الانقلاب أول استيلاء لنابليون على السلطة السياسية: إذ أبدل حكومة المديرين الخماسية بقنصلية ثلاثية كانت السلطة الفعلية فيها كلها للقنصل الأول2. وبصفته القنصل الأول من 1799 إلى 1804 أصلح نابليون نظام التعليم الفرنسي، ووضع قانوناً مدنياً، وتفاوض على اتفاق 1801 مع الكرسي الرسولي2. كما أشعل الحروب النابليونية التي امتدت في نحو الأعوام 1801 إلى 18152.
القانون المدني (1800-1804)
أُقرّ المشروع القنصلي الذي أنتج القانون المدني في 18 أغسطس 18004. وتألفت لجنة الصياغة من أربعة فقهاء: بيغو دو بريامينو وترونشيه المتخصصَين في القانون العرفي، ومالفيل وبورتاليس المتخصصَين في القانون المكتوب4. ولم تحتج اللجنة إلا أربعة أشهر لوضع المواد، ثم بدأت مناقشات مجلس الدولة في 17 يوليو 1801 برئاسة نابليون نفسه أو كامباسيريس في غيابه4. ويُروى أن عدداً من المواد كان قد صيغ سلفاً، وأن المناقشات وحدها كانت المعركة الحقيقية4.
تألف القانون من 36 قانوناً و2,281 مادة موزعة على ثلاثة أقسام: الأشخاص والأموال والملكية4. وكُتب بأسلوب واضح موجز تفادياً لأي التباس4. واكتمل البناء بقوانين لاحقة: قانون المرافعات المدنية في 1806، والقانون التجاري في 1807، وقانون التحقيق الجنائي في 1808، وقانون العقوبات في 18104. وفي 1807 اتخذ القانون المدني اسم قانون نابليون4.
وشكّل القانون المدني، منذ صدوره في 21 مارس 1804، التأثير الرئيسي على القوانين المدنية في القرن التاسع عشر في معظم بلدان أوروبا القارية وأمريكا اللاتينية، وما زال سارياً حتى اليوم مع تعديلات5. وكان قد أُقرّ على شكل 36 قانوناً صدرت تدريجياً بين 1801 و1803، ثم جُمعت في متن قانوني واحد هو القانون المدني للفرنسيين5. وبموجبه تساوى المواطنون الذكور جميعاً: أُلغيت البكورية والنبالة الوراثية وامتيازات الطبقة، وصارت حرية الشخص وحرية التعاقد وحرمة الملكية الخاصة مبادئ أساسية5.
غير أن القانون أخضع النساء لآبائهن وأزواجهن الذين سيطروا على أموال الأسرة وحُظوا بحظوة أكبر في دعاوى الطلاق، ولم تُصلح كثير من هذه الأحكام إلا في النصف الثاني من القرن العشرين5. وقد ترك بونابرت بصمته عليه بإعادة فرض تفوّق الزوج والأب في سياق الأسرة4. وأُدخل القانون أولاً في مناطق خاضعة للسيطرة الفرنسية في 1804، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وأجزاء من غرب ألمانيا وشمال غرب إيطاليا وجنيف وموناكو، ثم في أقاليم فتحها نابليون5. ولا يزال معمولاً به حتى اليوم في بلجيكا ولوكسمبورغ وموناكو5.
الإمبراطورية: الإعلان والتتويج (1804)
خلافاً لاعتقاد شائع، لم يكن تتويج 2 ديسمبر 1804 هو الذي أنشأ الإمبراطورية النابليونية، بل أنشأها قرار لمجلس الشيوخ اتُّخذ في جلسته يوم 18 مايو 18046. فقد أعلن مجلس الشيوخ المحافظ بموجب قانون 18 مايو أن حكومة الجمهورية الفرنسية تُوكل إلى إمبراطور هو نابليون بونابرت، القنصل الأول7.
وفي 2 ديسمبر 1804 جرى تتويج نابليون إمبراطوراً في كاتدرائية نوتردام دو باري بحضور البابا بيوس السابع6. وقد خالف الإمبراطور الجديد التقاليد فتوّج نفسه بنفسه، وأقسم يميناً بضمان الحفاظ على مكاسب الثورة6.
وكان نابليون قد كلّف الرسام جاك-لويس دافيد بإنجاز لوحة تخلّد المشهد في سبتمبر 1804، دون سعر محدد مسبقاً ودون وجهة معلومة7. وقدّر دافيد اللوحة بـ100,000 فرنك في يونيو 1806، لكنه قبض 65,000 فرنك على ثلاث دفعات7. ورُسمت اللوحة بين 21 ديسمبر 1805 ومنتصف نوفمبر 18077.
وتضم اللوحة نحو 190 شخصية، بينها 93 صورة محددة الهوية: 59 رجلاً و33 امرأة وطفل واحد7. كما تظهر فيها أربع شخصيات لم تكن حاضرة في الحفل فعلاً: والدة الإمبراطور ليتيسيا كانت في روما، والكاردينال كابرارا كان مريضاً، وسفيرا السلطان العثماني والإمبراطور الروماني الجرماني لم يحضرا7. وقد رسم دافيد أولاً هيئة تتويج الإمبراطور لنفسه، ثم محاها كلياً في أغسطس 1806 واستبدلها بالهيئة المعروفة اليوم7.
الحملات: جدول المعارك الكبرى
ثلاث محطات كبرى تحكي المسار العسكري لنابليون: انتصارات إيطاليا التي صنعت سمعته، وأوسترليتز التي ثبّتت إمبراطوريته، ثم الحملة الروسية وواترلو التي أنهت حكمه3. وفي الجداول الآتية أرقام القوى والخسائر في معاركه الكبرى كما وثّقتها المصادر8.
| المعركة | التاريخ | القوى | النتيجة والخسائر |
|---|---|---|---|
| مونتينوت | 12 أبريل 1796 | بونابرت ضد الجنرال النمساوي بوليو | هزيمة الجيش النمساوي3 |
| لودي | 10 مايو 1796 | بونابرت ضد سيبوتندورف | هزيمة الجيش النمساوي3 |
| أركول | 17 نوفمبر 1796 | بونابرت ضد ألفينزي | هزيمة الجيش النمساوي3 |
| ريفولي | 15 يناير 1797 | بونابرت ضد ألفينزي | هزيمة الجيش النمساوي3 |
| أوسترليتز | 2 ديسمبر 1805 | 68,000 فرنسي مقابل نحو 90,000 من قوات الحلفاء8 | خسارة الحلفاء 15,000 بين قتيل وجريح و11,000 أسير مقابل 9,000 لفرنسا، وأكثر من 130 مدفعاً متروكاً في الميدان8 |
| المرحلة | التاريخ | القوى | الخسائر |
|---|---|---|---|
| عبور نيمان | 24 يونيو 1812 | نحو 455,000 غازٍ مقابل نحو 280,000 روسي في الخطوط الأمامية9 | بداية الغزو؛ والقوة الغازية ثلاث مجموعات انتشرت على 650 كيلومتراً9 |
| بورودينو | 7 سبتمبر 1812 | 587 مدفعاً فرنسياً أطلقت نحو 60,000 طلقة9 | 45,000 خسارة روسية بين قتيل وجريح ومفقود مقابل 28,000-35,000 فرنسية9 |
| دخول موسكو | 15 سبتمبر 1812 | سكان المدينة نحو 262,000 قبل الإخلاء9 | لم يبقَ في المدينة سوى نحو 10,000؛ وبعد الحرائق دُمّر ثلث المنازل وبقيت 122 كنيسة من 3299 |
| عبور بيريزينا | 27 نوفمبر 1812 | نحو 50,000 رجل بقيادة ناي وأودينو وفيكتور9 | خسارة ما بين 25,000 و40,000 رجل ومعظم الأمتعة9 |
أوسترليتز وسيادة أوروبا (1805-1810)
في 2 ديسمبر 1805، شمال فيينا في منطقة التشيك الحالية، دُمّر الجيش النمساوي-الروسي تماماً وأُجبر الروس على التراجع شرقاً، وأغلقت هذه المعركة حملة ألمانيا12.
ويُروى أن نابليون سأل سولت عن المدة التي يحتاجها جنوده للوصول إلى قمة هضبة براتزن، فأجاب بعشرين دقيقة، فأمره نابليون بالانتظار ربع ساعة أخرى، ثم قال: «هيا»12. وفي بيانه عشية المعركة قال لجنوده إن المواقع التي يشغلونها منيعة، وإن العدو إذ يزحف ليلتف حول ميمنتهم عليه أن يعرض أجنابه لضرباتهم8.
وبعد المعركة كانت الحصيلة قاسية على الحلفاء: 15,000 بين قتيل وجريح و11,000 أسير مقابل 9,000 لنابليون، مع تخلّي بقايا الجيش المتحالف عن أكثر من 130 مدفعاً في الميدان8. وقد جرت أوسترليتز في الذكرى السنوية الأولى لتتويج نابليون، فثبّتت نظامه الإمبراطوري8.
وعلى المستوى الأوسع يفحص المجلد الأول من «تاريخ كامبريدج للحروب النابليونية» الأبعاد السياسية الدولية للحروب إلى جانب البنى الاجتماعية والقانونية والسياسية والاقتصادية للإمبراطورية13. وقد تركت إصلاحات نابليون أثراً دائمـاً في مؤسسات فرنسا وجزء كبير من غرب أوروبا، وإن ظل شغفه المحرك هو التوسع العسكري للنفوذ الفرنسي2.
الحملة الروسية 1812
في 7 يوليو 1807 التقى نابليون والقيصر ألكسندر الأول في تيلسيت فوق طوف راسٍ في وسط نهر نيمان، ووقّعا معاهدة سلام عُرفت بموقعها، وبانضمام روسيا القسري إلى الحصار القاري الذي فرضه نابليون9.
وفي 24 يونيو 1812 عبر نابليون نهر نيمان قرب كوفنو على رأس قوة غزو أولية قوامها نحو 455,000 رجل، انتظمت في ثلاث مجموعات كبرى انتشرت على 650 كيلومتراً، في مقابل جيش روسي في الخطوط الأمامية قوامه نحو 280,0009. وفي بيانه الصادر في 22 يونيو أعلن نابليون أن حرب بولندا الثانية قد بدأت، وأن الأولى انتهت في فريدلاند وتيلسيت9. وفي 17 يوليو تخلّى الروس عن معسكر دريسا بعد تدمير مخازنه وانسحبوا نحو فيتيبسك، فتخلّوا بعد ثلاثة أسابيع من الغزو عن الأساس الذي بُنيت عليه استراتيجيتهم الدفاعية9.
وفي 7 سبتمبر 1812 دارت بورودينو، أكثر أيام الحملة دموية: تكبّد الروس 45,000 بين قتيل وجريح ومفقود، بينما تراوحت خسائر نابليون بين 28,000 و35,0009. وقدّر الجرّاح الرئيسي لاري أنه أجرى نحو مئتي بتر في أول أربع وعشرين ساعة بعد المعركة، معظمها بسبب نيران المدفعية9. وأطلقت المدفعية الفرنسية — وكلها 587 مدفعاً — نحو 60,000 طلقة، واستهلك المشاة 140,000 خرطوشة، بينما أطلق الروس نحو 50,000 قذيفة9.
وفي 15 سبتمبر دخل نابليون موسكو شبه الخالية: كان سكانها نحو 262,000 قبل الإخلاء، ولم يبقَ فيها سوى نحو 10,0009. وبحلول نهاية اليوم اندلعت أول الحرائق داخل أسوار المدينة، وامتدت حتى أُجبر نابليون على مغادرة الكرملين تحت وطأة النيران9. ولم يعُد الجيش إلى داخل الأسوار حتى 20 سبتمبر حين أخمد المطر الحرائق؛ وعندها كان ثلث منازل موسكو قد دُمّر، ولم يبقَ قائماً سوى 122 كنيسة من أصل 3299.
وبعد معركة تاروتينو بدأ الانسحاب الفرنسي، وفي 3 نوفمبر جاء أول تساقط ثلج مهم في شتاء قارس على غير المعتاد9. وفي 27 نوفمبر عبر نحو 50,000 رجل بقيادة ناي وأودينو وفيكتور نهر بيريزينا قرب قرية ستودينكا الصغيرة، لكن العبور كلّف نابليون ما بين 25,000 و40,000 رجل ومعظم الأمتعة9. وفي 5 ديسمبر غادر نابليون الجيش في سمورغون عائداً إلى باريس، قاطعاً نحو 2,500 كلم في ثلاثة عشر يوماً9. وفي 12 ديسمبر دخل كوتوزوف فيلنا منتصراً، وفي اليوم التالي عادت بقايا الجيش الكبير تعبر نيمان متعثرة9.
إلبا والمئة يوم وواترلو (1814-1815)
بعد سلسلة هزائم عسكرية في 1812-1813 أُجبر نابليون على التنازل عن عرش فرنسا في 6 أبريل 18142. وفي خريف 1814 انكبّ مؤتمر فيينا على إعادة تنظيم أوروبا، بينما منح صلح باريس ومعاهدة فونتينبلو نابليون السيادة على مملكة إلبا الصغيرة11. وقد كان نُفي إلى جزيرة إلبا في مايو 181410.
وفي 1 مارس 1815 عاد نابليون إلى فرنسا نازلاً قرب كان ومعه 1,000 رجل، وكسب تأييد الريف أثناء زحفه نحو باريس، ففرّ لويس الثامن عشر من البلاد قبل وصول نابليون إلى العاصمة في 20 مارس10. وجرت حملة واترلو خلال «المئة يوم»، الفترة الممتدة من فرار نابليون من منفاه إلى عودة لويس الثامن عشر10. وفي معاهدة تحالف وُقّعت في 25 مارس 1815 تعهدت بريطانيا وبروسيا والنمسا وروسيا كلٌّ بإبقاء 150,000 رجل في الميدان حتى إسقاط نابليون، ثم تجمّعت جيوش الحلفاء — نحو 794,000 جندي — على الحدود الفرنسية10.
وفي 18 يونيو 1815 دارت واترلو على بعد ثلاثة أميال جنوب قرية واترلو، بين 72,000 جندي مع نابليون وقوات ويلينغتون البالغة 68,000 ونحو 45,000 بروسي بقيادة بلوخر10. وكان نابليون يدخل المعركة بنحو 65,000 رجل، أي قوة تعادل قوة خصمه تقريباً، لكن عاصفة هائلة أجّلت البدء حتى الساعة 11 صباحاً، وكان نابليون مريضاً11.
وبحلول الساعة العاشرة مساءً انتهى كل شيء: 10,800 قتيل بينهم 6,800 جندي فرنسي، ونحو 35,000 جريح ثلثاهم من الفرنسيين11. وخسر البروسيون 7,000 رجل11. وبين الساعة التاسعة والعاشرة مساءً التقى بلوخر ويلينغتون في ميدان المعركة قرب مزرعة بيل-أليانس، وهناك استخدم بلوخر العبارة الفرنسية الوحيدة التي كان يعرفها: «Quelle affaire!»11. ثم تنازل نابليون عن العرش للمرة الثانية في 22 يونيو 181511.
سانت هيلينا والموت وأدلة السبب (1815-1821)
في أكتوبر 1815 نُفي نابليون إلى جزيرة سانت هيلينا النائية في جنوب المحيط الأطلسي، حيث بقي حتى وفاته2. وقد اختيرت الجزيرة في 1815 منفىً له، ثم استُخدمت لاحقاً لإيواء نحو 5,000 أسير من حرب البوير14. وتوفي نابليون في 5 مايو 1821 وعمره 51 عاماً2.
منذ 17 مارس 1821 لزم نابليون فراشه ولم يغادره إلا في مناسبات قليلة حتى وفاته15. وكُتبت وصية خطية جديدة بين 15 و27 أبريل 1821 بعد أن أملاها نابليون على مونثولون، وفيها طلب أن ترقد رفاته على ضفاف السين وسط الشعب الفرنسي الذي أحبّه كثيراً16. وتُحفظ مخطوطة الوصية في «الخزانة الحديدية» بالأرشيف الوطني الفرنسي منذ 186016. وتوفي نابليون في الساعة 5.49 مساءً يوم 5 مايو 1821 في لونغوود، وجُرِي التشريح في 6 مايو، وأُخذ قالب أولي لقناع الموت في 7 مايو، ودُفن في 9 مايو بحضور شهود فرنسيين وإنجليز15.
بكلماته: مختارات من الاقتباسات
جمعت المصادر عدداً من عبارات نابليون الأكثر دلالة، من بيان جيش إيطاليا إلى كلمات المنفى والوصية الأخيرة3. وفي ما يأتي أهمها كما وثّقها السجل19.
«أيها الجنود، أنتم عراة وتتضورون جوعاً. تدين لكم الحكومة بالكثير لكنها لا تستطيع أن تمنحكم شيئاً»3
نابليون، أول بيان إلى جيش إيطاليا، 1796
«أيها المواطنون، لقد حُلّ المجلس!»3
مورا مخاطباً مجلس الخمسمئة، 18-19 برومير السنة الثامنة (نوفمبر 1799)
«المواقع التي نشغلها منيعة. وبينما هم يزحفون ليلتفّوا حول ميمنتي عليهم أن يعرضوا أجنابهم لضرباتكم»8
نابليون، بيان إلى الجيش عشية أوسترليتز، 1805
«Quelle affaire!»11
بلوخر مخاطباً ويلينغتون في ميدان واترلو، مساء 18 يونيو 1815 — العبارة الفرنسية الوحيدة التي كان يعرفها
«أرغب أن ترقد رفاتي على ضفاف السين وسط هذا الشعب الفرنسي الذي أحببته كثيراً»16
نابليون، وصيته، 15-27 أبريل 1821 — الأرشيف الوطني الفرنسي
«مجدى الحقيقي ليس في المعارك الأربعين التي انتصرت فيها، فخسارة واترلو ستمحو ذكرى مثل هذا العدد من الانتصارات... وما لن يزيله شيء وما سيخلد إلى الأبد هو قانوني المدني»5
نابليون في منفاه، كما تسجله موسوعة بريتانيكا
من عودة الرفات إلى الأسطورة (1840 وما بعدها)
بقي جثمان نابليون في قبر بلا شاهد على سانت هيلينا عشرين عاماً أخرى بعد وفاته في 1821، رغم مساعي الجنرال برتران لدى الحكومة البريطانية ولويس الثامن عشر19.
وفي 1840 أمر الملك لويس-فيليب بنقل الرفات إلى قصر الأنفاليد في باريس، فأشرف المعماري فيسكونتي على أشغال حفر كبرى ليتّسع الضريح داخل القبة20. ووصل النعش إلى الأنفاليد في 15 ديسمبر 1840 بعد رحلة تجاوزت 7,200 كلم من سانت هيلينا إلى باريس19. ثم وُوري الإمبراطور مثواه الأخير في الضريح في 2 أبريل 186120.
ومنذ وفاة نابليون في 5 مايو 1821 ظلّ إسناد أقنعة الموت المنسوبة إليه من أكثر الألغاز تعقيداً وإثارة19. وقد كان موضع إجلال شبه جماعي في حياته وحتى نهاية الإمبراطورية الثانية في عهد ابن أخيه نابليون الثالث، بوصفه أحد أبطال التاريخ الكبار2. واليوم يُعدّ واحداً من أعظم القادة العسكريين في التاريخ2. وبعد أكثر من قرنين على صدوره، لا يزال قانون نابليون حياً في قانون كثير من بلدان العالم5.
الخط الزمني: نابليون بونابرت، 1769-1821
الميلاد في أجاكسيو
يولد نابليون بونابرت في أجاكسيو بكورسيكا بعد عام من ضمّ الجزيرة إلى فرنسا، ويُعمَّد في 21 يوليو 1771.
التخرّج من المدرسة العسكرية
من أصل 137 مرشحاً نجح 58 في امتحانات المدرسة العسكرية بباريس؛ وجاء نابليون في المرتبة 42 ومُنح رتبة ملازم ثانٍ والتحق بفوج لا فير.
عميداً بعد تولون
بعد انسحاب البريطانيين من تولون في 18 ديسمبر، يُرقّى نابليون — الذي عُيّن قائداً للمدفعية في سبتمبر — إلى رتبة عميد في 22 ديسمبر.
قائداً لجيش إيطاليا
تعيّن حكومة المديرين بونابرت قائداً لجيش إيطاليا؛ ويقول في بيانه للجنود: «أيها الجنود، أنتم عراة وتتضورون جوعاً».
صلح كامبو فورميو
بعد هزيمته أربعة جيوش نمساوية وإقامته جمهوريتين شقيقتين يتفاوض بونابرت على صلح كامبو فورميو مع النمسا ويعود إلى باريس منتصراً.
انقلاب 18-19 برومير
يجتمع المتآمرون في شارع النصر ويحددون الانقلاب في 18 برومير (9 نوفمبر 1799)؛ وينتهي الأمر بتصويت النواب على استبدال حكومة المديرين بلجنة تنفيذية من ثلاثة قناصل.
صدور القانون المدني
بعد صدوره تدريجياً في 36 تشريعاً بين 1801 و1803، يُجمع القانون المدني في 21 مارس 1804 باسم القانون المدني للفرنسيين؛ ويُسمّى قانون نابليون في 1807.
إعلان الإمبراطورية
قرار لمجلس الشيوخ (Sénatus-consulte) يُتخذ في 18 مايو 1804 فيؤسس الإمبراطورية — لا حفل التتويج الذي جرى في ديسمبر.
التتويج في نوتردام
يُتوّج نابليون إمبراطوراً في كاتدرائية نوتردام دو باري بحضور البابا بيوس السابع؛ ويتوّج نفسه ويقسم على الحفاظ على مكاسب الثورة.
أوسترليتز
شمال فيينا يُدمَّر الجيش النمساوي-الروسي؛ ويخسر الحلفاء 15,000 بين قتيل وجريح و11,000 أسير مقابل 9,000 لنابليون، فتسارع النمسا إلى الصلح.
بورودينو
أكثر أيام الحملة الروسية دموية: 45,000 خسارة روسية مقابل 28,000-35,000 فرنسية؛ ويُفتح الطريق إلى موسكو.
مغادرة نابليون للجيش
من سمورغون يقصد نابليون باريس قاطعاً نحو 2,500 كلم في ثلاثة عشر يوماً لمواجهة الأزمة بعد تدمير الجيش الكبير.
التنازل الأول وإلبا
بعد هزائم 1812-13 يتنازل نابليون في 6 أبريل 1814؛ وتمنحه معاهدة فونتينبلو السيادة على مملكة إلبا الصغيرة.
العودة من إلبا — المئة يوم
ينزل نابليون قرب كان ومعه 1,000 رجل ويزحف نحو باريس؛ فيهرب لويس الثامن عشر ويدخل نابليون العاصمة في 20 مارس.
واترلو والتنازل الثاني
يُهزم نابليون جنوب واترلو أمام ويلينغتون وبلوخر؛ وبحلول الساعة 10 مساءً يسقط 10,800 قتيل ونحو 35,000 جريح، فيتنازل للمرة الثانية في 22 يونيو.
الوفاة في لونغوود
يتوفى نابليون في الساعة 5.49 مساءً يوم 5 مايو 1821 في لونغوود بسانت هيلينا؛ ويُدفن هناك في 9 مايو، وتطلب وصيته أن ترقد رفاته على ضفاف السين.
أسئلة متكررة
من كان نابليون بونابرت؟
كان جنرالاً ورجل دولة فرنسياً أدّى دوراً رئيسياً في الثورة الفرنسية (1789-99)، وكان القنصل الأول لفرنسا (1799-1804) وأول إمبراطور لها (1804-14/15)2. ويُعدّ اليوم واحداً من أعظم القادة العسكريين في التاريخ2.
أين وُلد نابليون ومتى؟
وُلد في 15 أغسطس 1769 في أجاكسيو بكورسيكا، وعُمّد في 21 يوليو 17711. وكانت كورسيكا قد صارت فرنسية في 1768 بموجب معاهدة فرساي المؤرخة 15 مايو 17681.
كيف وصل نابليون إلى السلطة؟
استولى على السلطة السياسية أول مرة في انقلاب 1799 الذي أبدل حكومة المديرين الخماسية بقنصلية ثلاثية كانت السلطة الفعلية فيها كلها للقنصل الأول2. وقد صوّت النواب آنذاك على لجنة تنفيذية من ثلاثة قناصل، فنجح الانقلاب وبدأ صعوده إلى السلطة3.
ما هو القانون المدني ولماذا يُعدّ من أهم آثار نابليون؟
صدر في 21 مارس 1804 وكان التأثير الرئيسي على القوانين المدنية في القرن التاسع عشر في معظم بلدان أوروبا القارية وأمريكا اللاتينية، وما زال سارياً مع تعديلات5. وقد قال نابليون إن ما لن يزيله شيء وما سيخلد إلى الأبد هو قانوني المدني5.
ما أشهر انتصارات نابليون العسكرية؟
من انتصاراته في إيطاليا مونتينوت (12 أبريل 1796) ولودي (10 مايو 1796) وأركول (17 نوفمبر 1796) وريفولي (15 يناير 1797)3. وفي أوسترليتز في 2 ديسمبر 1805 خسر الحلفاء 15,000 بين قتيل وجريح و11,000 أسير مقابل 9,000 لفرنسا8.
لماذا فشلت الحملة الروسية 1812؟
بعد بورودينو، التي خسر فيها الروس 45,000 بين قتيل وجريح ومفقود مقابل 28,000-35,000 فرنسية9، دخل نابليون موسكو شبه خالية في 15 سبتمبر ولم يبقَ من سكانها سوى 10,0009. ثم كلّف عبور بيريزينا في 27 نوفمبر خسارة ما بين 25,000 و40,000 رجل9.
هل كان نابليون قصير القامة كما يقال؟
لم يكن كذلك؛ فعند وفاته في 1821 كان طوله نحو 5 أقدام و7 بوصات (1.68 م)، في حين كان متوسط طول الفرنسي في 1820 نحو 5 أقدام و4 بوصات2.
كيف مات نابليون وما حقيقة فرضية التسميم؟
توفي في 5 مايو 1821 في لونغوود بسانت هيلينا وهو في الحادية والخمسين2. ويخلص اتحاد دولي من أطباء الأمراض الهضمية إلى أن تقارير التشريح تسمح بتشخيص نهائي: سرطان معدة خبيث متقدم مصحوب بنزيف هضمي علوي17، بينما يرى ماسيه أن فرضيات التسميم الجنائي لا تصمد أمام التدقيق العلمي15.
الروابط
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20