جنكيز خان
من سهوب منغوليا إلى أكبر إمبراطورية برّية متّصلة في التاريخ — المسار الموثّق (نحو 1162–1227)، وآلة الفتح، وحدود الوثيقة والأسطورة.
جنكيز خان (اسمه عند الولادة تيموجين، نحو 1162–1227) مؤسس الإمبراطورية المنغولية، أكبر إمبراطورية برّية متّصلة في التاريخ. تؤرّخ «بريتانيكا» مولده سنة 1162 قرب بحيرة بايكال ووفاته في 18 أغسطس 1227 خلال حملة شيا الغربية، في حين ترجّح «إيرانيكا» سنة 1167 وتشدّد على أن سنوات حياته الأولى لا تُعرف إلا أساسًا من «التاريخ السري للمغول» المكتوب في غضون جيل من وفاته. من طفولة أسر وثأر بنى تحالفات، أبرزها مع طوغريل زعيم الخيريت، وتغلّب على منافسين مثل جموقة؛ وفي 1206 أعلنه «قوريلتاي» على نهر أونون حاكمًا كونيًا. دخلت جيوشه بكين سنة 1215، وضمت قرا خيتاي سنة 1218، وحطّمت سلطنة خوارزم بين 1219 و1221، بينما أغارت فرقه على القرم سنة 1223. ترك جيشًا على نظام عشري و«الياسا» والخط الأويغوري وشبكة «اليام» — وقبرًا تقول المصادر إن موضعه بقي سرًّا.
السهوب قبل الإمبراطورية
قبل سنة 1206 لم يكن المغول سوى «قوة بدوية حديثة عهد بالسلطة»: جماعات شبه مستقلة عاشت بعيدًا عن صفحات التاريخ المدوّن.1 ولم يكن ثمة كيان واحد يجمع قبائل السهوب، بل عالم متنافس ضمّ الخيريت والنايمان والميركيت والتتار والمغول.23
كانت الوحدة القبلية تقوم على القرابة والولاء للأقارب، وهي أسس سيتجاوزها التنظيم الجديد بعد سنة 1206 حين تُبنى الوحدات على غير نظام القرابة القديم.4 وفي هذا العالم كانت الخصومات القديمة قادرة على تفكيك أي وحدة سياسية بسرعة إذا ما انتعشت.5 وظل هذا الميراث القبلي تحديًا حتى بعد التوحيد؛ إذ كان يمكن للوحدات أن تنقسم بفعل الخصومات نفسها لو بنيت على أسسها القديمة.5 ومن هذا النسيج خرج تيموجين، ابن عشيرة من الطبقة الملكية عند المغول.3
لكن أي قراءة لسيرة هذا الرجل تصطدم أولًا بحالة التوثيق: فمعرفتنا بسنوات حياته الأولى تتوقف على عمل منغولي واحد هو «التاريخ السري للمغول»، كُتب معظمه على الأرجح سنة 1228 أو 1240، أي في غضون جيل من وفاته.6 وباستثناء هذا السجل الملحمي لا تقدّم إلا مصادر غير منغولية معلومات قريبة العهد عن حياته.3 ووُصف «التاريخ السري» بأنه سجلّ إمبراطوري يتناول حياة جنكيز خان وخلفائه وزمانهم، كُتب نحو سنة 1240.7
السنوات الأولى: ما تسجّله المصادر
وُلد جنكيز خان سنة 1162 قرب بحيرة بايكال في منغوليا، وتوفي في 18 أغسطس 1227؛ ويسمّيه مدخل «بريتانيكا» حاكمًا-محاربًا منغوليًا وأحد أشهر الفاتحين في التاريخ.3 واسمه عند الولادة تيموجين، وقد وُلد لأبوين أرستقراطيين وسُمّي على اسم أسير تتري.5 لكن تاريخ ميلاده ليس مؤكدًا: فبعض الباحثين يختار 1162 وآخرون 1167.5 ويرجّح مدخل «إيرانيكا» سنة 1167 في شمال شرق منغوليا، ويسمّيه مؤسس أوسع إمبراطورية برّية عرفها التاريخ.6
سُمّ أبوه يسوغي، زعيم القبيلة، على يد منافس وهو في التاسعة أو الثانية عشرة من عمره؛ ولم يقدر تيموجين على الحفاظ على ولاء أتباع أبيه، فتُرك هو وأمه في سهوب آسيا.5 وبحسب «بريتانيكا» أبقاه أنصار أبيه السابقون أسيرًا ثم فرّ، وقتل أخاه غير الشقيق، وبدأ يجمع الأنصار والرجال في سنوات مراهقته.3 وفي أسر لاحق أسره التايتشيوت وأبقوه حيًّا بعد أن ألبسوه قيدًا خشبيًا، فانتهز ليلةَ مأدبة فرصةً، فطرح الحارس أرضًا بقيده وفرّ.3
وحملت قبيلة الميركيت في شمال منغوليا ضغينة قديمة ضده: كان يسوغي قد سرق زوجته هولون من أحد رجالهم، فاختطفوا بدورهم بورته زوجة تيموجين.3 ولم تُستعد بورته إلا بجهد تحالفي: قدّم طوغريل عشرين ألف رجل، وأقنع تيموجين صديقه في الصبا جموقة بتقديم جيش أيضًا.3 وتنبّه «بريتانيكا» إلى أن التفاوت بين عوز تيموجين وحجم الجيش الذي وفّره حلفاؤه صعب التفسير، وأنه لا سلطة تُروى عن الحادثة غير رواية «التاريخ السري».3 ولا تذكر المصادر تاريخًا دقيقًا لهذه الحادثة.3
وتحيط الروايات الأسطورية بالميلاد نفسه: تقول رواية إن الرضيع وُلد قابضًا على خثرة دم في يده اليمنى، وعلى وجهه فأل مشؤوم لما سيأتي.5 ويفتتح «التاريخ السري» حكايته بنسب ملحمي يبدأ من ذئب رمادي-مزرق قُدّرت له وجهته من السماء العليا، وظبية كانت زوجه.8 ولهذا تُقرأ فصوله الأولى تقاليدَ أدبية ممزوجة بالتاريخ لا سجلًا خالصًا.8
At the beginning there was a blue-grey wolf, born with his destiny ordained by Heaven Above. His wife was a fallow doe.8
مطلع «التاريخ السري للمغول» (ترجمة إيغور دي راتشيلتز)
Legend has it that the infant was born clutching a clot of blood in his right hand, an ominous omen of things to come.5
«موسوعة تاريخ العالم» عن أسطورة المولد
الصعود إلى السلطة: الأحلاف والمنافسون قبل 1206
قادت سنوات المراهقة تيموجين إلى موقع زعيم عشيرته، ومنه بنى سلطته خطوة خطوة: عقد تحالفات مع عشائر أخرى، وأزال نبلاء العشائر القدامى، وقهر قبائل معادية مثل التتار.3 ولم تكن الغلبة على الخصوم استئصالًا كاملًا، بل ضمًّا للقوة: دُمجت معظم القوة البشرية للقبيلة المهزومة في الجيش المغولي المتنامي، باستثناء ملحوظ للتتار الذين ذُبح كثير منهم.6 وأضحت القبائل المهزومة رافدًا بشريًا للجيش لا عبئًا عليه.6
وسرعان ما أينعت النتائج: فانتصاراته على الخيريت ثم على أتراك النايمان منحته سيادة مطلقة على مجمل ما يُعرف اليوم بمنغوليا.2 وفي هذا الطريق كانت التحالفات أداةً وأساسًا، كما في حملة إنقاذ بورته التي جمعت طوغريل وجموقة في صف واحد لحظة الحاجة.3
لكن «بريتانيكا» تعود فتنبّه إلى أن الراوي شبه الوحيد لهذا الصعود هو رواية «التاريخ السري» الملحمية، فلا مصدر آخر يوثّق تفاصيلها، وتحذّر من أن بعض الحلقات — كحجم الجيوش المتحالفة — يصعب تفسيرها.3 ولذلك يبقى التمييز بين ما وقع فعلًا وما صاغه الرواة قائمًا في كل مرحلة من مراحل ما قبل سنة 1206.3
سنة 1206: تأسيس الدولة المنغولية
في سنة 1206 انعقد مؤتمر كبير عند نهر أونون — وتسمّيه «موسوعة تاريخ العالم» نهر كيرولن — انتخب فيه الزعماء تيموجين بن يسوغي «جنكيز خان» على اتحاد قبائل.25 وأُقرّت سيادته في «قوريلتاي»، أي مجلس أمراء ووجهاء، وهو المصطلح الذي تستخدمه «إيرانيكا» للمجمع نفسه.6 وتُعدّ هذه السنة بداية الإمبراطورية المنغولية.2 ويصف مدخل «موسوعة تاريخ العالم» الإمبراطورية التي أسسها بأنها أول كيان من نوعه للشعوب المنغولية، بوصفه أول خان أكبر فيها.9
ولم يقف الأمر عند اللقب — «جنكيز خان» الذي يعني على الأرجح «الحاكم الكوني» — بل أُعيد تأسيس الجيش المغولي من جذوره.5 نُظّم على النظام العشري المتبع في السهوب، فكان قوة من الرماة الفرسان السريعين عالية التنظيم، وعُزّز لاحقًا بمعدات حصار عند الحاجة إلى مدن الصين وبلاد فارس.69 وظهرت وحدات «المينغان» أي «الآلاف»: وحدات من نحو ألف مقاتل مع عائلاتهم، كثيرًا ما أخطأ الخارجيون فظنوها «قبائل».4 وأُلغي الأساس القبلي للوحدات العسكرية تجنبًا لانقسامها بفعل خصومات قديمة، وتوسّع الحرس الخاص «الكيشيكتن» من 800 إلى عشرة آلاف رجل.5 وتحوّل الحرس الخاص مع الوقت إلى مركز الحكومة المركزية، بعضويّات مستمدّة من داخل منغوليا ومن الأراضي المفتوحة معًا.4
وجمعت هذه الترتيبات قبائل منغوليا الرحّل تحت حكم جنكيز خان وأسرته في دولة عسكرية صارمة الانضباط.3 ويبقى سبب انطلاق التوسع بعد ذلك غير مؤكد ومتنازعًا عليه بشدة بين حفظ الوحدة الجديدة والظروف المناخية وأيديولوجيا الحكم العالمي.6
الفتوحات: الصين وآسيا الوسطى (1205–1221)
كانت شيا الغربية أول الأهداف: فبين 1205 و1209 وُجّه الهجوم الأول إلى مملكة التانغوت، وهي دولة حدودية شمال-غربية للصين، وانتهى بإعلان ملكها الولاء.2 ثم بدأ الهدف الأكبر: الصين، التي كانت منقسمة إلى ثلاث ممالك — شيا الغربية في الشمال الغربي، وسلالة جين الجورشنية في الشمال، وسونغ الصينية في الجنوب.6 وبعد حملات عدة على شيا الغربية، غُزيت إمبراطورية جين لأول مرة سنة 1211.6
وفي سنة 1215 سقطت بكين، فخسرت جين كل الأراضي شمال النهر الأصفر، وتحوّلت في السنوات التالية إلى دولة حاجزة بين المغول في الشمال وسونغ في الجنوب.2 وفي سنة 1218 ضُمّت دولة قرا خيتاي في تركستان الشرقية إلى الإمبراطورية.2 وفي السنة نفسها وقعت أزمة أوترار التي جعلت الحرب حتمية: أدى اغتيال مسلمين خاضعين لجنكيز خان على يد الخوارزميين في أوترار إلى حرب مع سلطنة خوارزم في غرب تركستان بين 1219 و1225.2
وفي سنة 1219 غزا المغول بلاد ما وراء النهر بهجوم ثلاثي المحاور محكم التنسيق.6 وسقطت بخارى وسمرقند ونهبتا، وكذلك العاصمة أورغنج، بين 1220 و1221.26 وخلال المعارك فرّ الخوارزم شاه ولقي حتفه في جزيرة ببحر قزوين.6 وكان مصير المدينتين أرحم من مصير خراسان التي دُمّرت على يد تولوي، أصغر أبناء جنكيز خان: خُرّبت الولاية وسُوّيت مدنها بالأرض وذُبح أهلها بالملايين وفق المؤرخين المعاصرين.6
| الحملة | السنوات | الجبهة | ما آلت إليه |
|---|---|---|---|
| شيا الغربية — الهجوم الأول2 | 1205–12092 | مملكة التانغوت، دولة حدودية شمال-غربية للصين2 | إعلان ملكها الولاء2 |
| جين — الغزو الأول6 | 12116 | شمال الصين6 | أول غزو لإمبراطورية جين6 |
| جين — حتى سقوط بكين2 | 1211–12152 | شمال الصين2 | سقوط بكين وفقدان ما شمال النهر الأصفر، وتقلّص جين إلى دولة حاجزة2 |
| قرا خيتاي2 | 12182 | تركستان الشرقية2 | ضمّ الدولة إلى الإمبراطورية2 |
| خوارزم وبلاد ما وراء النهر2 | 1219–12212 | غرب تركستان وجبهة ما وراء النهر2 | نهب بخارى وسمرقند وأورغنج2 |
| شيا الغربية — الحملة الأخيرة2 | 1226–12272 | شمال غرب الصين2 | حملة مدمّرة توفي خلالها جنكيز خان2 |
الزحف غربًا والحملة الأخيرة (1221–1227)
وفي المراحل الأخيرة من فتح فارس نقل جنكيز خان قائديه جيبه وسوبوتاي من فارس إلى السهوب الأوراسية، حيث قادا عشرين ألف جندي ضد آخر الرعاة الرحّل المتبقين، القومان-قفجاق.10 ثم عبرت وحدات مغولية متقدمة القوقاز، وتوغّلت في جنوب روسيا، وأغارت على مدن شبه جزيرة القرم سنة 1223.2 وفي اتجاه آخر حملت جيوشه السريعة الحرب إلى فارس وأفغانستان وحتى روسيا.5
ثم عادت الجبهة الشرقية لتشتعل: فقد خرجت شيا الغربية على الطاعة حين رفض ملكها مساندة المغول في حملتهم على خوارزم.2 فشُنّت عليها حملة مدمّرة في 1226–1227، زادت وفاة جنكيز خان خلالها من حدّة الانتقام المغولي.2 ولم يبقَ من ثقافة شيا الغربية، وهي مزيج من عناصر صينية وتبتية وديانتها الرسمية البوذية، إلا القليل: فقد مُحيت محوًا شبه كامل.2
وتوفي جنكيز خان خلال تلك الحملة في 18 أغسطس 1227 بمرض غير معروف، ربما بدأ بسقوطه عن فرسه أثناء الصيد قبل أشهر.5 كان حينها يحاصر عاصمة شيا «تشونغشينغ» في شمال غرب الصين، فكتم المغول خبر وفاته عن الجيش حتى استسلمت المدينة وذُبح أهلها.5 وترك بوفاته أساسًا عسكريًا لإمبراطورية واصلت التوسّع بعدها نصف قرن آخر.6
ونُقل جثمانه إلى منغوليا للدفن، لكن موضع القبر بقي سرًّا، وهو قرار أثار تكهنات كثيرة منذ ذلك الحين.5 وتذكر المصادر القروسطية أن القبر قريب من الجبل المقدّس بورخان خلدون، وأن أوغوداي ضحّى بأربعين فتاة وأربعين فرسًا لترافق أباه إلى الحياة الأخرى.5 وفي سنة 1227 نفسها كانت الممتلكات المغولية قد امتدّت بين بحر قزوين وبحر الصين، متاخمةً سيبيريا شمالًا وبامير والتبت وسهول الصين الوسطى جنوبًا.2
كيف أُديرت الإمبراطورية
لم تكن الإمبراطورية آلة حرب فحسب، بل قامت على مؤسسات وتنظيمات ساعدت خلفاء جنكيز خان على حكم أقاليم شاسعة.5 وتتبلور هذه المؤسسات في عناصر يعدّها المصادر جميعًا: جيش منضبط، وإدارة مركزية، وبريد سريع، وحماية للتجارة، وحرية دينية.5
| المؤسسة | ما توثقه المصادر |
|---|---|
| الجيش والنظام العشري6 | نُظّم على النظام العشري المتبع في السهوب، فكان قوة من الرماة الفرسان وُصفت بأنها «لا تُقهر تقريبًا»، وعُزّزت لاحقًا بمعدات حصار.6 |
| وحدات «المينغان»4 | وحدات من نحو ألف مقاتل مع عائلاتهم، قامت على بنية جديدة لا على نظام القرابة القديم.4 |
| الحرس الخاص «الكيشيكتن»5 | توسّع من 800 إلى عشرة آلاف رجل، وتحوّل مع الوقت إلى مركز الحكومة المركزية ومدرسة «استيعاب وطني».54 |
| «الياسا»5 | أول مدوّنة قانونية للمغول، مع تنبيه «إيرانيكا» إلى أن قانون تلك الفترة بقي عرفيًا ومرنًا في الغالب.56 |
| الخط الأويغوري والإداريون5 | أُدخلت الكتابة إلى المغول، ورحّب جنكيز خان بالأويغور في حوض تاريم والخيتايين في قرا خيتاي وشمال الصين.56 |
| شبكة «اليام»5 | محطات بريد للزاد والراحة وتبديل الخيول، توسّعت في عهد أوغوداي.5 |
| حماية التجارة والآبار9 | حُمت الآبار على طرق التجارة، ومنح التجار الرحّل حماية عسكرية بعد توسيع شبكة «اليام».9 |
| الحرية الدينية5 | كُفلت حرية ممارسة الأديان كلها في العالم المغولي كله.5 |
| صفائح الپايزا11 | صفائح آمن المرور؛ ومنها صفيحة دائرية مُلئ نقشها المخرّق بالفضة حتى برزت الحروف من وجهيها، ونُسب خطها إلى مبتكره فاكبا (1235–1280)، الراهب التبتي الذي كان المعلّم الإمبراطوري لبلاط المغول في عهد قوبلاي خان (1215–1294).11 |
وبحسب «إيرانيكا» كان الجيش أهم إنجازات جنكيز خان على الإطلاق، لكن الإدارة بقيت التحدي الآخر.6 ولذلك رحّب بمساعدة شعوب أكثر خبرة بالإدارة من المغول، ولا سيما الأويغور في حوض تاريم والخيتايين في قرا خيتاي وشمال الصين.6 وقد تطوّرت في عهد أوغوداي حكومة مدنية ربطت إدارات محلية في شمال الصين وتركستان وإيران بإدارة مركزية يشرف عليها ضابط كبير من الحرس.4 وأصدرت هذه الحكومة النقود وأجرت الإحصاءات وبنَت المدن واعتمدت نظام ضرائب على الطراز الصيني.4 وهكذا شكّل جنكيز خان نواة إدارة إمبراطورية أفادت خلفاءه، حتى وإن بقي قانون المرحلة عرفيًا ومرنًا أكثر مما يوحي الإيمان بمدوّنة مكتوبة.6
والخان نفسه لم يقم في مدينة قارّة: فقد اتخذ قراقورم مقرًّا له سنة 1220 وجعلها قاعدة لحملته على الصين، لكن الإقامة فيها بقيت محدودة، ويُروى أنها لم تكن تزيد على شهر واحد في السنة.124 وحتى في ذروة نجاحهم سنة 1259، حين كان عدد المغول أقل من مليون نسمة، أداروا إمبراطورية شملت معظم روسيا والصين وإيران دون أن يتخلّوا عن نمط حياتهم البدوي.4
الخلافة وقراقورم والخانات الأربع
وفي ترتيب ما بعد جنكيز خان قُسّمت الإمبراطورية بين أبنائه الأربعة — جوتشي وجغتاي وتولوي وأوغوداي — خاناتٍ، وقد مات جوتشي قبل أبيه سنة 1227، وصار أوغوداي، الابن الثالث، الخان الأكبر سنة 1229.5 وبهذه الترتيبات قامت أسس إمبراطورية كان مقدرًا لها، في عهد الخلفاء، أن تهيمن على خُمس الكرة الأرضية.5 ولم تكن خلافة المغول مستقرّة على الدوام؛ فقد أقام منافس على السلطة في جيل لاحق «قوريلتاي» خاصًا به في قراقورم وأعلن نفسه خانًا.1
وفي سنة 1235 اختيرت قراقورم عاصمةً في منغوليا، وأحاطها أوغوداي بالأسوار وشيّد قصرًا مستطيلًا تقوم على 64 عمودًا خشبيًا على قواعد غرانيتية.129 وتضمّ المدينة مبانٍ من الآجر و12 ضريحًا شامانيًا ومسجدين، وكانت مركزًا مبكرًا للنحت.12 وزارها الرحالة، ومنهم الراهب الفرنسيسكاني وليام روبروك الذي جالها سنة 1254 ووصف شجرة فضية تتفجّر من أنابيبها الخمرة ومشروبات أخرى.13 وفي سنة 1267 نقل قوبلاي خان العاصمة إلى خانباليق.12 وتقع خرائب قراقورم اليوم على أعالي نهر أورخون في شمال وسط منغوليا، وتضمّها منطقة «المنظر الثقافي لوادي أورخون» المدرجة على قائمة التراث العالمي بمساحة 121,967 هكتارًا من المراعي على ضفتي النهر، حيث لا يزال الرعاة الرحّل المنغوليون يرعون عشبها.1214
وبلغت الإمبراطورية في أقصى اتساعها نحو 9 ملايين ميل مربع، أي 23 مليون كيلومتر مربع، وتُعدّ أكبر إمبراطورية برّية متّصلة في تاريخ العالم.2 وبعد جيلين من جنكيز خان بلغت الإمبراطورية أقصى اتساعها وانقسمت إلى أربعة فروع رئيسية: يوان (1271–1368) في المركز وأهم الفروع، وخانية جغتاي في آسيا الوسطى (نحو 1227–1363)، والقبيلة الذهبية في جنوب روسيا (نحو 1227–1502)، والإلخانيون في إيران الكبرى (1256–1353).15 وجاءت الموجة الأشد تدميرًا مع حفيده هولاكو: فقد أخضعت القوات المغولية إيران كلها، ودخلت بغداد بحلول سنة 1258، فأنهت الخلافة العباسية التي استمرت من 750 إلى 1258.16 واتخذ هولاكو لقب «إلخان» أي الخان الأصغر بوصفه تابعًا للخان الأكبر في الصين، وتمركز فرعه في شمال غرب إيران.16 وبحلول أواخر القرن الثالث عشر كانت الإمبراطورية قد امتدت من المحيط الهادئ شرقًا إلى نهر الدانوب وشواطئ الخليج العربي غربًا.2
ثم شهدت الإلخانية تحوّلات كبرى: أسلم تجودر، خليفة أباقا، في شبابه وأخذ اسم أحمد، وضمّ عهده القصير (1282–1284) حملة لإعادة الإسلام دينًا رسميًا.17 ومع تولّي غازان الحكم (1295–1304) دخلت الإلخانية عهدًا جديدًا وديناميًا.17 وانتهى بيت الحكم الإلخاني عمليًا بوفاة أبي سعيد المفاجئة سنة 1335 وهو في طريقه لصدّ غزو مزعوم من القبيلة الذهبية.17 وامتزجت العناصر الشرق آسيوية بالتراث الفارسي-الإسلامي القائم في تلك الديار، فأفرزت مفردات فنية جديدة قُلّدت من الأناضول إلى الهند.16 ومع الوقت اندمج المغول في المجتمعات المستقرة التي كانوا قد قهروها، واعتنق كثير منهم البوذية التبتية أو الإسلام.9
الرواية والأسطورة: كيف نقرأ المصادر
الخط الزمني في لمحة
يجمع الجدول التالي المحطات المؤرخة في مسار جنكيز خان بين 1162 و1235 كما وثقتها المصادر، مع اختلاف مرجع عن آخر في أكثر من محطة.3
| السنة | الحدث | ما توثقه المصادر |
|---|---|---|
| 11623 | مولد تيموجين3 | قرب بحيرة بايكال بحسب «بريتانيكا»، ويرجّح آخرون 11676 |
| نحو 11713 | تسميم يسوغي وتشرّد الأسرة3 | سُمّ أبوه وهو في التاسعة، وأُسر ثم فرّ3 |
| نحو 11803 | اختطاف بورته وتحالف الإنقاذ3 | عشرون ألف رجل من طوغريل وجيش من جموقة، ولا تاريخ دقيق للحادثة3 |
| 12062 | المجمع الكبير: تيموجين يصبح جنكيز خان2 | انتُخب على اتحاد قبائل على ضفاف نهر أونون2 |
| 1205–12092 | أول هجوم على شيا الغربية2 | انتهى بإعلان ملكها الولاء2 |
| 12116 | غزو إمبراطورية جين6 | بعد حملات عدة ضد شيا الغربية6 |
| 12152 | سقوط بكين2 | خسارة ما شمال النهر الأصفر وتراجع جين إلى دولة حاجزة2 |
| 12182 | ضمّ قرا خيتاي وأزمة أوترار2 | مقتل رجال جنكيز خان في أوترار جعل حرب خوارزم حتمية2 |
| 12196 | غزو بلاد ما وراء النهر6 | بهجوم ثلاثي المحاور محكم التنسيق6 |
| 1220–12212 | نهب بخارى وسمرقند وأورغنج2 | ودُمّرت خراسان على يد تولوي6 |
| 12232 | عبور القوقاز وغارات جنوب روسيا2 | أغارت وحدات متقدمة على مدن في القرم2 |
| 1226–12272 | حملة شيا الغربية الأخيرة2 | بعد رفض ملكها مساندة حملة خوارزم2 |
| 18 أغسطس 12275 | وفاة جنكيز خان5 | خلال حصار تشونغشينغ، وكُتم الخبر حتى سقوط المدينة5 |
| 12295 | أوغوداي يصبح الخان الأكبر5 | بترتيبات أبيه وبعد وفاة جوتشي سنة 12275 |
| 123512 | قراقورم: أسوار وقصر وعاصمة12 | أحاطها أوغوداي بالأسوار وبنى قصرًا على 64 عمودًا خشبيًا12 |
الخط الزمني
مولد تيموجين
وُلد بحسب «بريتانيكا» سنة 1162 قرب بحيرة بايكال. وتشير موسوعة تاريخ العالم إلى أن بعض الباحثين يختارون 1167، فيما يرجّح «إيرانيكا» سنة 1167.
تسميم يسوغي وتشرّد الأسرة
حين كان تيموجين في التاسعة سُمّ أبوه يسوغي، وأُسر الصبي على يد أنصار أبيه السابقين ثم تمكّن من الفرار.
اختطاف بورته وتحالف الإنقاذ
اختطف الميركيت بورته زوجة تيموجين؛ فأمّن طوغريل زعيم الخيريت عشرين ألف مقاتل، ودعم جموقة الحملة بجيش أيضاً. ولا تذكر المصادر تاريخاً دقيقاً للحادثة.
المجمع الكبير: تيموجين يصبح جنكيز خان
انتُخب تيموجين بن يسوغي «جنكيز خان» على اتحاد قبائل على ضفاف نهر أونون — وتُعدّ هذه السنة بداية الإمبراطورية المنغولية.
أول هجوم على شيا الغربية
وُجّه الهجوم الأول إلى مملكة التانغوت (شيا الغربية)، وانتهى بإعلان ملكها الولاء.
غزو إمبراطورية جين
بعد حملات عدة ضد شيا الغربية، جرى غزو إمبراطورية جين لأول مرة سنة 1211.
سقوط بكين
مهّد سقوط بكين سنة 1215 لخسارة كل الأراضي شمال النهر الأصفر لصالح المغول، وتراجعت إمبراطورية جين إلى دولة حاجزة.
ضمّ قرا خيتاي وأزمة أوترار
ضُمّت دولة قرا خيتاي في تركستان الشرقية إلى الإمبراطورية، وجعل مقتل رجال جنكيز خان في أوترار (615هـ/1218) الحرب مع خوارزم أمراً حتمياً.
غزو بلاد ما وراء النهر
غزا المغول بلاد ما وراء النهر سنة 1219 بهجوم ثلاثي المحاور محكم التنسيق؛ وفرّ الخوارزم شاه ولقي حتفه في جزيرة ببحر قزوين.
نهب بخارى وسمرقند وأورغنج
اقتحمت الجيوش المغولية بخارى وسمرقند والعاصمة أورغنج ونهبتها (1220–1221).
عبور القوقاز وغارات جنوب روسيا
توغّلت وحدات متقدمة بعد عبورها القوقاز في جنوب روسيا وأغارت على مدن في القرم.
حملة شيا الغربية ووفاة جنكيز خان
شُنّت حملة مدمّرة على شيا الغربية بعد رفض ملكها المشاركة في حملة خوارزم، وتوفي جنكيز خان خلالها في 18 أغسطس 1227.
أوغوداي يصبح الخان الأكبر
بترتيبات أبيه قُسّمت الإمبراطورية بين الأبناء الأربعة خاناتٍ؛ وصار أوغوداي، الابن الثالث، الخان الأكبر الجديد سنة 1229.
قراقورم: أسوار وقصر وعاصمة
أحاط أوغوداي قراقورم بالأسوار وبنى قصراً مستطيلاً على 64 عموداً خشبياً قائمة على قواعد من الغرانيت؛ واختيرت المدينة عاصمةً.
أسئلة شائعة
متى وُلد جنكيز خان وأين؟
بحسب «بريتانيكا» وُلد سنة 1162 قرب بحيرة بايكال في منغوليا.3 ويرجّح مدخل «إيرانيكا» سنة 1167 في شمال شرق منغوليا.6
لماذا تختلف المصادر في تاريخ مولده؟
لأن التوثيق المبكر هشّ: فتاريخ الميلاد غير مؤكد، وبعض الباحثين يختار 1162 وآخرون 1167.5 كما تعتمد معرفتنا بسنواته الأولى على عمل منغولي واحد هو «التاريخ السري للمغول».6
ما أصل لقب «جنكيز خان»؟
اتخذه تيموجين بعد توحيد القبائل المغولية، وهو يعني على الأرجح «الحاكم الكوني».5 وفي سنة 1206 أعلن مجمع من الزعماء تنصيبه حاكمًا كونيًا على سهوب منغوليا.3
ماذا حدث في مجمع سنة 1206؟
انتُخب تيموجين بن يسوغي «جنكيز خان» على اتحاد قبائل على ضفاف نهر أونون، وتُعدّ السنة بداية الإمبراطورية المنغولية.2 وأُقرّت سيادته في «قوريلتاي»، أي مجلس أمراء ووجهاء.6
كيف مات جنكيز خان؟
توفي في 18 أغسطس 1227 بمرض غير معروف، ربما بدأ بسقوطه عن فرسه أثناء الصيد، وكان يحاصر عاصمة شيا «تشونغشينغ».5 وكُتم خبر وفاته عن الجيش حتى استسلمت المدينة.5
أين يقع قبره؟
موضع القبر غير معروف: نُقل جثمانه إلى منغوليا للدفن وبقي الموضع سرًّا.5 وتذكر المصادر القروسطية أنه قريب من الجبل المقدّس بورخان خلدون.5
خريطة المعرفة
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17