بلاد الرافدين
أرض ما بين دجلة والفرات — حيث وُلدت أولى المدن وأول الملوك وأول الكتابة، من أوروك وأور السومرية إلى بابل ونينوى.
بلاد الرافدين، «أرض ما بين النهرين» في العراق الحديث وجواره، هي موطن أقدم حضارة عرفها العالم. فيها اخترع الناس الكتابة المسمارية، وبنوا أولى المدن والزقورات، وتركوا قانون حمورابي وملحمة جلجامش، وأقاموا إمبراطوريات امتد أثرها إلى مصر ووادي السند والبحر المتوسط. يتتبّع هذا الملف القصة من قرى عصر العُبيد ودويلات سومر المدينية، عبر أكاد وسلالة أور الثالثة وآشور وبابل، حتى آخر الألواح المسمارية في القرن الميلادي الأول — وإلى التنقيبات والقاعات المتحفية التي استعادتها. والشواهد مستقاة من المتحف البريطاني ومتحف اللوفر ومتحف جامعة بنسلفانيا ومعهد دراسات الحضارات القديمة في شيكاغو، ومن سجلات اليونسكو للتراث العالمي في بابل وآشور والأهوار، ومن مدوّنة النصوص السومرية في أكسفورد (ETCSL)، ومن موسوعة بريتانيكا، ومن نصوص المجال العام وأبحاث محكّمة.
أرض ما بين النهرين
بلاد الرافدين منطقة تاريخية في جنوب غرب آسيا تقع بين نهري دجلة والفرات، واسمها اليوناني «بين النهرين» يصف هذه البيئة وصفاً مباشراً.1 وهي موطن أقدم حضارة عرفها العالم، وقد امتدّ أثر ثقافتها عبر الشرق الأوسط إلى وادي السند ومصر والبحر المتوسط.1 وتشمل اليوم معظم العراق إضافة إلى شرق سوريا وجنوب شرق تركيا وأجزاء من غرب إيران.1 ويتميّز قلبها بسهل طميي شبه مستوٍ: فلا يبلغ فرق الارتفاع بين بغداد ومصبّ شط العرب سوى نحو 100 قدم (30 متراً).1 وقد أدّى بطء جريان المياه إلى ترسّب الغرين وارتفاع مجاري الأنهار، فصارت الأنهار تفيض عن ضفافها — وقد تغيّر مجراها — ما لم تحمِها السدود العالية.1 وفي أقصى الجنوب تمتدّ أهوار وقصب مستنقعات واسعة عملت على الأرجح منذ العصور المبكرة ملجأً للمظلومين والمهجَّرين.1 ولأن الأمطار قليلة والسهل جاف ثمانية أشهر على الأقل في السنة، لم تبدأ الزراعة في قلبه إلا بعد اختراع الري الاصطناعي الذي حمل المياه عبر شبكة متشعبة من القنوات.1
وكانت الأرض كريمة في مقابل قسوة الماء والمواد: فقد توفّرت الحبوب والخضار واللحوم والجلود والصوف والقرون والسمك والتمور ومنتجات القصب بغزارة تكفي للتصدير فائضاً عن حاجة الداخل.1 أما الخشب والحجر والمعدن فكانت نادرة؛ فالحجر شبه معدوم في الجنوب، والمعادن لا تُستخرج إلا في الجبال، ومن هنا كان جنوب بلاد الرافدين مقدراً له أن يكون «أرض تجارة منذ البداية».1 غير أن المادة التي تجسّد حضارة الرافدين حقاً هي الطين: عمارة طينية بالكامل تقريباً، وفي بلاد الرافدين وحدها — دون سائر العالم — استُعمل الطين وسيطاً للكتابة.1
من قرى العُبيد إلى دويلات سومر المدينية
تعود جذور الاستيطان هنا إلى عصور بعيدة: فقد كانت بلاد الرافدين المبكرة موطناً لحضارات عديدة منذ الألفية السادسة ق.م، من بينها السومرية والأكادية والبابلية والآشورية.3 وسُمّي عصر العُبيد (6500–4000 ق.م) على نمط فخار مميّز وُجد في موقع العُبيد، وفي أور دلّت شقف هذا الفخار في أعمق المستويات على أن أقدم استيطان للموقع يعود إلى ذلك العصر.3 ثم تغيّرت طريقة التسمية: فحين صارت الكتابة تدوّن الأحداث التاريخية أُخذت أسماء العصور من المؤسسات السياسية، ومن هنا جاء عصر السلالات المبكر (2900–2250 ق.م) الموثّق بأختام أسطوانية وختمية.3 وتحت القبور الملكية في أور وجد ليونارد وولي 375 لوحاً مسمارياً أسماها «النص العتيق»، ونحو 800 بصمة طينية لأختام تعود إلى عصر السلالات المبكر الأول (2900–2750 ق.م).3 وفي هذا العصر كانت لغتان على الأقل مستعملتين في جنوب بلاد الرافدين: السومرية والأكادية، ونقوش اللغتين معاً موجودة في مقبرة أور الملكية.3
وبحلول الألفية الثالثة ق.م انتظم جنوب بلاد الرافدين في 20–30 دولة مدينية من مراكز حضرية وبلدات وقرى، لكل منها إله حافظ رئيسي؛ وكان حامي أور هو الإله ننّار، إله القمر.4 وكانت الدولة المدينية رسمياً «ملكاً للإله»، وهذه الآلهة هي التي تختار حاكمها وترعاه، ومن ألقابه «لوغال» أي «الرجل الكبير» حرفياً.4 ويُعدّ نزاع الحدود الطويل بين لجش وأوما، وقد تعلّق بالوصول إلى المياه، أفضل نزاع بين دولتين موثّقاً في بلاد الرافدين المبكرة.4 ويعرّفنا «راية أور» على هذه الدولة المدينية من داخلها: فهي صندوق صغير شبه منحرف ارتفاعه 8.5 بوصات وطوله 19.5 بوصة، مغطّى بلوحات فسيفسائية من الصدف واللازورد والحجر الجيري الأحمر المثبَّت بالبيتومين.4 وعُثر عليها في القبر PG779 قرب جندي، وظنّ وولي أنها كانت تُحمل على عمود كشعار ملكي، لكن الأرجح أنها صندوق صوت لآلة موسيقية — وقد بقي الاسم الذي أطلقه عليها.4 ويصوّر وجهاها «الحرب» و«السلام» أهمّ دورين لحاكم الرافدين المبكر: المحارب الذي يحمي الناس ويؤمّن الماء والموارد، والوسيط بين الناس والآلهة.4 ومن أهم مسؤوليات الحاكم بناء معابد آلهة المدينة وصيانتها وإعالة أضرحتها، وبذلك يضمن خصوبة الأرض.4
وتقدّم المقبرة الملكية في أور صورة نادرة لعادات النخبة: فقد أسفرت عن قبور وهياكل عظمية وحُليّ وفخار وآلات موسيقية نُقّب عنها لصالح المتحف البريطاني ومتحف جامعة بنسلفانيا.2 وأعقبت وفاة حكّام أور طقوس حداد مطوّلة، تصف المصادر فيها الموسيقى والولائم وقد امتدّت أياماً.5 وتشهد ثروة القبور — بما فيها حيوانات ومرافقون دُفنوا مع الملكات والملوك — على سلطة النخبة في عصر السلالات المبكر أو على ادّعائها السلطة وقدرتها على الإرهاب.5 وإن كانت مواقع مثل كيش وأبو صلابيخ قد قدّمت شواهد مهمة أيضاً، فإن مقبرة أور تبقى رؤية لا نظير لها لعادات الدفن الأرستقراطية في الرافدين المبكر.5
الطين واختراع الكتابة
تعود بدايات الكتابة المسمارية إلى نحو نهاية الألفية الرابعة ق.م، حين كان السومريون — وهم شعب مجهول الأصول العرقية واللغوية — يسكنون جنوب بلاد الرافدين.6 وأقدم مدوّناتهم ألواح تصويرية من أوروك، هي على ما يبدو قوائم أو سجلات سلع مصوّرة مع أرقام وأسماء أشخاص.6 ولم تكن هذه الكتابة الكلمية قادرة على التعبير إلا عن الأفكار الأساسية للأشياء المحسوسة، أما المقادير العددية فكانت تُرسم بتكرار الخطوط والدوائر.6 ثم فرض تمثيل أسماء الأعلام اللجوء المبكر إلى مبدأ «التورية»: استعمال الأشكال التصويرية لصوتها لا لمعناها، فانتقلت الكتابة من كلمية محضة إلى خط صوتي جزئي.6 وهكذا صارت صورة اليد تدل على الكلمة السومرية šu أي «يد» وعلى المقطع الصوتي šu في أي سياق؛ ولأن الكلمات السومرية كانت أحادية المقطع غالباً صار هذا المزيج يُعرف بالخط الكلمي-المقطعي.6
وفي منتصف الألفية الثالثة تقريباً تبنّى الأكاديون الخط السومري، فأبقوا علاماته الكلمية لكنهم لفظوها كلمات أكادية.6 وأقدم كتابة مسمارية سامية في بلاد الرافدين تسمّى الأكادية القديمة، وتظهر في نقوش الحاكم سرجون الأكادي (توفي نحو 2279 ق.م).6 وفي الجنوب بقي سومر تجمّعاً رخواً من الدول المدينية المستقلة حتى وحّده غوديا ملك لجش (توفي نحو 2124 ق.م) في آخر تجلٍّ وجيز للثقافة السومرية الخالصة.6 ثم وحّد الملك حمورابي البابلي (توفي 1750 ق.م) جنوب بلاد الرافدين كله، وصارت بابل مركز الرافدين الثقافي الأكبر، وقانون حمورابي مدوّن بالخط البابلي القديم.6 أما الفرع الآشوري فقد حفظته أساساً سجلات المستوطنين التجاريين الآشوريين في وسط آسيا الصغرى — «ألواح كبادوكية» نحو 1950 ق.م — وبلغت الكتابة ذروتها في سجلات مكتبة آشور بانيبال في نينوى (نحو 650 ق.م).6
القانون والملك والمجتمع
من أعظم ما ورثته بلاد الرافدين للعالم مسلة قانون حمورابي في متحف اللوفر.9 يعلو المسلة نقش بارز يمثّل لقاء إله الشمس شمش بالملك حمورابي البابلي، في تشريع لسيادة الملك والأحكام المنقوشة على الحجر.9 والمسلة من البازلت: ارتفاعها 225 سم وعرضها 79 سم وثخانتها 47 سم، منقوشة بالمسمارية وباللغة البابلية القديمة ومحتواها نص قوانين.9 ويعود تاريخها إلى سلالة بابل الأولى في عهد حمورابي (1792–1750 ق.م)، وهي من أصل بلاد الرافدين، وقد اكتُشفت في سوسة عام 1901–1902.9
ويتوزّع متن القانون على 282 مادة مرقّمة، آخرها المادة 282 التي تعالج عبداً ينكر سيّده: يُحاسب عبداً له ويقطع سيّده أذنه.10 وتنصّ مواد القصاص في ترجمة جونز بوضوح: من يفقئ عين رجل حرّ تُفقأ عينه، ومن يكسر عضواً من أعضائه يُكسر عضوه بمثله.10 وتُختم المجموعة بصيغة تصف هذه المواد بأنها «أحكام البرّ» التي أقرّها «حمورابي الملك الجبار».10
If a man has caused the loss of a gentleman's eye, his eye one shall cause to be lost.10
قانون حمورابي، المادة 196 — ترجمة سي. هتش. دبليو. جونز (1903)
If he has shattered a gentleman's limb, one shall shatter his limb.10
المادة 197 من القانون نفسه
If a slave has said to his master 'Thou art not my master,' as his slave one shall put him to account and his master shall cut off his ear.10
المادة 282، آخر مواد القانون
المدن والعصور في لمحة
| المدينة أو الموقع | النهر أو المنطقة | أبرز العصور | ما تشتهر به | المصدر |
|---|---|---|---|---|
| إريدو | جنوب بلاد الرافدين؛ من عناصر موقع الأهوار8 | فجر السلالات؛ ما قبل الطوفان11 | أول مدينة نزلت فيها الملكية من السماء؛ وفيها ملك ألوليم11 | قائمة الملوك السومرية (ETCSL)11 |
| أوروك | جنوب بلاد الرافدين؛ من عناصر موقع الأهوار8 | نهاية الألفية الرابعة ق.م؛ بدايات الكتابة6 | ألواح تصويرية هي أقدم المدوّنات؛ ومنها أحدث لوح مسماري مؤرَّخ7 | بريتانيكا؛ ودراسة هونغر ودي يونغ7 |
| أور | جنوب العراق قرب الناصرية12 | عصر السلالات المبكر؛ وسلالة أور الثالثة3 | المقبرة الملكية وراية أور؛ وزقورة ننّار5 | بنسلفانيا والمتحف البريطاني2 |
| نيبور | جنوب بلاد الرافدين | من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور الإسلامية13 | تنقيبات معهد شيكاغو المستمرة منذ 194813 | معهد دراسات الحضارات القديمة13 |
| كيش وأبو صلابيخ | وسط وجنوب بلاد الرافدين | عصر السلالات المبكر5 | شواهد جنائزية مهمة إلى جانب مقبرة أور5 | متحف بنسلفانيا5 |
| بابل | 85 كم جنوب بغداد14 | البابلية القديمة؛ والبابلية الحديثة (626–539 ق.م)14 | حمورابي، والزقورة إيتمنانكي، ومجمّع نبوخذ نصر؛ و85٪ غير منقّبة14 | اليونسكو14 |
| آشور | على نهر دجلة في شمال بلاد الرافدين15 | أول عاصمة آشورية (القرون 14–9 ق.م)15 | عاصمة دينية وموضع تتويج الملوك؛ وزقورة آشور ما زالت قائمة15 | اليونسكو15 |
| نينوى | شمال بلاد الرافدين على دجلة | ذروة سنحاريب نحو 700 ق.م؛ وسقوط المدينة 612 ق.م16 | «القصر الذي لا منافس له»؛ ومكتبة آشور بانيبال6 | بريتانيكا16 |
| نمرود | شمال بلاد الرافدين | العصور الآشورية1 | من المدن الكبرى التي بناها الآشوريون إلى جانب نينوى وآشور1 | بريتانيكا1 |
ولا تكتمل صورة بلاد الرافدين دون تسلسل عصورها: من قرى العُبيد وأوروك إلى عصر السلالات المبكر، ثم أكاد التي بنى سرجون عاصمتها.11 وبعدها سلالة أور الثالثة التي شيّد أور-نامو زقورتها الكبرى.12 فالبابلية القديمة التي وحّد فيها حمورابي الجنوب وشرّع قوانينه.6 ثم الإمبراطوريتان الآشورية والبابلية الحديثة، وكلتاهما ما زالت آثارهما موثّقة في سجلات اليونسكو.14 وهكذا يقرأ هذا الجدول مدناً ومواقع تتالت على سهل واحد، من إريدو التي نزلت فيها الملكية من السماء حسب القائمة إلى بابل التي ما زال 85٪ منها مدفوناً.14
الآلهة والمعابد والزقورة
الزقورات أبراج معابد هرمية مدرّجة بناها السومريون والبابليون والآشوريون في بلاد الرافدين؛ بقي منها نحو 25 زقورة، وتُعدّ زقورة أور من أفضل الباقي حفظاً.12 وتقع هذه الزقورة في جنوب العراق قرب مدينة الناصرية الحديثة، ويعود أقدم طوبها إلى نحو 2100 ق.م.12 وشُيّد قلبها بملايين الطوب الطيني والقصب المجفّف بالشمس، وعُزّز بحصائر القصب كل ست طبقات، وكُسي بطوب مزجّج مثبّت بالبيتومين مع «ثقوب دمع» لتصريف الرطوبة.12 وطُبع اسم أور-نامو (حكم 2112–2095 ق.م) على كثير من طوب الواجهة، وكان للزقورة في عهده ثلاث طبقات وثلاث سلالم مقوّاة تؤدي إلى معبد إله القمر ننّار في القمة.12 وتشهد أعمال الإصلاح المتواصلة على أن المبنى ظلّ مهمّاً 2000 سنة على الأقل، حتى أُضيفت في القرن السادس ق.م أربع طبقات فصارت سبعاً ولم يبقَ منها اليوم إلا الأوليان.12 وأشعل تنقيب الزقورة عام 1922 حمّى قصيرة للعمارة المدرّجة، ثم أُعيد بناء جزء منها في الثمانينيات وأصابتها أضرار في حرب الخليج 1991، وأُدرجت عام 2016 ضمن موقع «أهوار جنوب العراق» للتراث العالمي.12
وفي نصوص الطين يتكشّف الخيال الذي صاغ هذه المعابد: بحسب التقاليد السومرية صاغ آن وإنليل وإنكي ونينهورساغ «ذوي الرؤوس السوداء»، ثم أكثروا الحيوانات وأوجدوا قطعان ذوات الأربع في السهول.17 وفي «قصة الطوفان» يطلب إله أن تُبنى مدن كثيرة ليستريح في ظلالها: طوباً فوق طوب، ومواضع للعرافة، وأرضاً تُروى بالمياه.17 ثم تسجّل القصة قراراً إلهياً بإفناء «بذرة البشرية» بطوفان يجتاح الأرض.17 وبعد الطوفان منح آن وإنليل الملك زي-أود-سورا «حياة كحياة إله» وحياة أبدية، وأنزلاه في بلاد دلمون البعيدة حيث تشرق الشمس، لحفظه الحيوانات وبذرة البشرية.17 ويتكرّر النمط نفسه في ملحمة جلجامش، حيث يروي أوتنابشتم قصة الطوفان لجلجامش.18
A flood will sweep over the ...... in all the ....... A decision that the seed of mankind is to be destroyed has been made.17
«قصة الطوفان» السومرية — ترجمة مدوّنة النصوص السومرية في أكسفورد (ETCSL)
they granted him life like a god, they brought down to him eternal life.17
قصة الطوفان نفسها، عن نجاة زي-أود-سورا
إمبراطوريات السهل: من أكاد إلى آشور وبابل
وقبل التاريخ السياسي، هناك قائمة الملوك السومرية بوصفها سرداً تأسيسياً: تفتتح بأن الملكية نزلت من السماء وكانت أولاً في إريدو، حيث صار ألوليم ملكاً وحكم 28,800 سنة.11 وتحكي القائمة أن خمس مدن وثمانية ملوك حكموا 241,200 سنة، ثم «اجتاح الطوفان» ليكون الفاصل بين سلالات ما قبل الطوفان وما بعده.11 وتتذكّر إيتانا الراعي «الذي صعد إلى السماء وثبّت كل البلدان الأجنبية» ملكاً في كيش، وجِلْغامِش سيد كولابا الذي حكم 126 سنة، وسرجون «الذي كان أبوه بستانياً» وساقيَ أور-زابابا والذي صار ملك أكاد وبانيها.11 وعند سقوط أور تتحسّر القائمة بأن «أساسات سومر ذاتها اقتُلعت»، وأن الملكية نُقلت إلى إيسن حيث صار إشبي-إيرا ملكاً.11
وفي الألفية الأولى ق.م انتقل ثقل الرافدين شمالاً: جعل سنحاريب نينوى مدينة فخمة حقاً نحو 700 ق.م، فشقّ شوارع وساحات وبنى «القصر الذي لا منافس له» بقياس نحو 600 في 630 قدماً وبما لا يقل عن 80 غرفة كثيرة الجدران المنقوشة.16 وبلغت مساحة نينوى نحو 1,800 فدان (700 هكتار) واخترقت أسوارها 15 بوابة عظيمة، وجرّ نظام متقن من 18 قناة وقناة مائية معلّقة في جروان المياه من التلال.16 ثم سقطت المدينة سقوطاً لم تتعافَ منه قط: فبعد أربعة عشر عاماً من موت آشور بانيبال اجتاحها البابليون والسكوثيون والماديون عام 612 ق.م، وبقيت آثار رماد واسعة في الأكروبول.16 وقد استُعيدت ذاكرتها بالتنقيب الحديث: كشف لايارد (1845–51) قصر سنحاريب ونقل آلاف الألواح المسمارية إلى إنجلترا، وتابعه رسام عام 1852، ونقّب كامبل طومسون معبد نابو في 1929–32.16 وإلى الشمال منها قامت آشور على نهر دجلة، المأهولة منذ الألفية الثالثة ق.م، وكانت من القرن الرابع عشر إلى التاسع ق.م أول عاصمة للإمبراطورية الآشورية، وأيضاً العاصمة الدينية وموضع تتويج الملوك ودفنهم.15 وتتميّز بقاياها بكثافة استثنائية: ثلاثة زقورات من الطوب اللبِن ومعبدان مزدوجان ومعبد الإله القومي آشور، وما زالت زقورته المهيبة قائمة كعلامة بارزة.15 وهُجرت آشور في نهاية العصر الفارثي (القرن الثاني ق.م) دون استيطان لاحق، ولذلك توصف أصالة بقاياها بأنها غير قابلة للشك.15
وفي الجنوب أخذت بابل ترث المشهد: تقع على 85 كم جنوب بغداد، وكانت بين 626 و539 ق.م عاصمة الدولة البابلية الحديثة.14 وتصف اليونسكو أسوارها الخارجية والداخلية وأبوابها وقصورها ومعابدها بأنها شهادة فريدة على إحدى أكثر إمبراطوريات العالم القديم نفوذاً.14 وقد عملت بابل نموذجاً ومثلاً ورمزاً للسلطة القديمة أكثر من ألفي سنة، وألهمت الثقافة الفنية والشعبية والدينية عالمياً، وحضرت حكاياتها في نصوص الديانات الإبراهيمية الثلاث.14 وخلف تقاليد «الجنائن المعلّقة» و«برج بابل» بنيتان قديمتان حقيقيتان ما زالت آثارهما محفوظة في الموقع: الزقورة إيتمنانكي ومجمّع نبوخذ نصر القصري.14 وبوصفها عاصمة، أشعّت بابل نفوذاً سياسياً وتقنياً وفنياً على الشرق الأدنى والأوسط القديم كله، وتركت إرثاً علمياً كبيراً في الرياضيات والفلك، ومع ذلك ما زال 85٪ من موقعها غير منقّب.14
أدب الطين: جلجامش والطوفان
«ملحمة جلجامش» رحلة ملحمية رافدينية قديمة دُوّنت بالأكادية عن جلجامش، ملك مدينة أوروك السومرية.18 وأكمل نص باقٍ للملحمة محفوظ على 12 لوحاً أكادياً ناقصاً عثر عليها هرمز رسام في منتصف القرن التاسع عشر في نينوى، في مكتبة الملك آشور بانيبال (حكم 668–627 ق.م).18 وإلى جانب النص الأكادي تُعرف خمس قصائد قصيرة بالسومرية كُتبت في النصف الأول من الألفية الثانية ق.م.18 وتبدأ الحبكة بأن الإله آنو يخلق إنكيدو، الرجل المتوحش، للحدّ من حكم جلجامش القاسي، قبل أن يصيرا صديقين ويتقاسما المغامرات.18 وفي اللوح الحادي عشر يبلغ جلجامش أوتنابشتم الذي يروي له قصة الطوفان ويرشده إلى نبتة تجدّد الشباب، لكن حية تسرق النبتة، فيعود جلجامش إلى أوروك فانياً.18 ويلحق بالملحمة لوح ثانٍ عشر يروي فقدان شيئين يُسمّيان «بوكو» و«ميكو» — لعلهما «الطبل» و«عصا الطبل» — أعطتهما عشتار لجلجامش.18 ووصف باحثو أوائل القرن العشرين الملحمة بأنها «أبرز نتاج أدبي بابلّي اكتُشف حتى الآن في تلال بلاد الرافدين».19
وتُعرف رواية الطوفان داخل الملحمة باسم «لوح الطوفان»، وهو اللوح الحادي عشر منها، ومن أشهر ما استُخرج من مكتبة آشور بانيبال في نينوى.6 وفي السرد السومري للطوفان مُنح الملك زي-أود-سورا «حياة كحياة إله» وحياة أبدية، ونُزّل في بلاد دلمون لحفظه الحيوانات وبذرة البشرية.17 وفي شيكاغو يحتفظ متحف معهد دراسات الحضارات القديمة بألواح مسمارية تحمل ملحمة جلجامش ضمن واحد من أكبر عروض المادة الحضارية الرافدينية، من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور الإسلامية.13
عدّ النجوم: العلم وآخر الألواح
ولرياضيات بلاد الرافدين دَين باقٍ على العالم الحديث: فقد استخدمت رياضيات الرافدين النظام الستيني (الأساس 60)، وما زال أثره قائماً في قياس الزمن والزوايا.1 وإلى هذه الأرض تعود أيضاً بدايات المدن الكبرى: فقد ظهرت أولى مدن العالم في سهول بلاد الرافدين — العراق وسوريا الحديثين — في الألفية الرابعة ق.م.20 وتنتهي حكاية الطين عند حدّ واضح: «تقويم W22340a» من أوروك، المؤرَّخ بتنؤّات فلكية إلى 79/80 م، هو أحدث نص مسماري مؤرَّخ عُثر عليه، ودليل على استمرار الكتابة والعلم الفلكي في الرافدين، في أوروك كما في بابل، إلى ما بعد مطلع القرن الميلادي الأول.7
إعادة الاكتشاف والتراث اليوم
اليوم تُقرأ هذه الحضارة من جديد في قاعات المتاحف: في المتحف البريطاني تحفظ قاعة 56 مقتنيات بلاد الرافدين، ومن أهمها ما نُقّب عنه في المقبرة الملكية في أور — قبور وهياكل عظمية وحُليّ وفخار وآلات موسيقية — لصالح المتحف البريطاني ومتحف جامعة بنسلفانيا.2 ويعرض متحف اللوفر سجل حمورابي: مسلة بازلتية اكتُشفت في سوسة عام 1901–1902 حاملةً قوانينه بالخط البابلي القديم.9 وفي شيكاغو يقدّم متحف معهد دراسات الحضارات القديمة واحداً من أكبر وأشمل عروض المادة الحضارية الرافدينية، من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور الإسلامية، مع تماثيل نذرية سومرية وأسود مزجّجة خُطّت من طريق الموكب في بابل وألواح مسمارية تحمل ملحمة جلجامش.13 وقد بُنيت معظم هذه المجموعة في ثلاث بعثات كبرى: بعثة جامعة شيكاغو إلى بسماية (1903–05)، وبعثة العراق التابعة للمعهد (1930–37)، وبعثة نيبور (1948–حتى اليوم).13 وتذكّرنا ألواح وولي «العتيقة» — 375 لوحاً ونحو 800 بصمة ختم عُثر عليها تحت القبور الملكية في أور — من عصر السلالات المبكر الأول.3
وعلى مستوى الحماية، تصون اليونسكو أهم هذه المواقع: فبابل، الواقعة على 85 كم جنوب بغداد، موقع تراث عالمي ما زال 85٪ منه غير منقّب، وتُوصف هذه المساحة غير المنقّبة بأنها ذات أهمية قصوى لاستدامة قيمته العالمية الاستثنائية عبر مزيد من الحفظ والبحث.14 وفي الشمال توصف أصالة بقايا آشور، التي هُجرت في نهاية العصر الفارثي، بأنها غير قابلة للشك.15 وفي الجنوب يضمّ موقع «أهوار جنوب العراق» سبعة عناصر: ثلاثة مواقع أثرية — أوروك وأور وتل إريدو — وأربع مساحات هور، في واحدة من أكبر أنظمة الدلتا الداخلية في العالم ضمن بيئة شديدة الحرارة والجفاف.8 ويقدّم المعيار (v) خرائب المدن الثلاث — في الصحراء اليوم وبجوار أهوار عذبة قديماً — بوصفها المثال الأوضح على أثر مشهد الدلتا غير المستقر لدجلة والفرات في صعود المراكز الحضرية الكبرى وسقوطها.8 ولا تقتصر قيم الموقع على الثقافة وحدها: فأهواره تُظهر تعاقباً بيئياً ذا أهمية دولية، وتحتوي درجة عالية من التنوع النوعي في نظام بيئي حديث نسبياً.8
لماذا ما زالت بلاد الرافدين تهمّنا
تبقى بلاد الرافدين تهمّنا لأن ما بدأ فيها لم ينقطع: فيها وُلدت الكتابة على الطين، وهي المادة التي جسّدت هذه الحضارة.1 وامتدّت المسمارية نحو ثلاثة آلاف سنة حتى آخر نصوصها المؤرَّخة في القرن الميلادي الأول.6 ومن هذه الأرض خرج قانون مكتوب ما زال يُقرأ: «أحكام البرّ» التي أقرّها حمورابي على مسلته.10 ومنها جاء أول نظام عدّ ستيني ما زال يقيس ساعاتنا وزوايانا.1 وفيها ظهرت أولى مدن العالم في الألفية الرابعة ق.م.20 واليوم تقف آثارها في خريطة تراثية واسعة: بابل التي ما زال 85٪ منها غير منقّب،14 وآشور التي توصف أصالتها بأنها غير قابلة للشك،15 وأوروك وأور وإريدو ضمن موقع الأهوار،8 وزقورة أور التي أُدرجت عام 2016 ضمن ذلك الموقع.12 ومن هنا جاء لقب «مهد الحضارة»: أرض بدأت فيها المدن الكبرى والقوانين المدوّنة والملكية النازلة من السماء.1
الجدول الزمني
بداية عصر العُبيد في جنوب بلاد الرافدين
يُعطى عصر العُبيد (6500–4000 ق.م.) اسمه من فخّاره الملوّن المميّز؛ وفي أور دلّت شقف هذا الفخار في أعمق مستويات التنقيب على أنّ أقدم استيطان للموقع يعود إلى هذه القرون.
أولى الكتابات المسمارية: ألواح تصويرية في أوروك
في نهاية الألفية الرابعة ق.م. تظهر أقدم المدوّنات المكتوبة بالسومرية — ألواح تصويرية من أوروك، هي على ما يبدو قوائم أو سجلات سلع مع أرقام وأسماء أشخاص — معلنةً بداية الكتابة المسمارية.
المقبرة الملكية في أور وراية أور
في أواخر عصر السلالات المبكر دُفن حكّام أور بثروات هائلة؛ و«راية أور»، وهي صندوق صغير مرصّع بالصدف واللازورد والحجر الجيري الأحمر، عُثر عليها في المقبرة PG779 وتصوّر الحرب والسلام في بلاد الرافدين المبكرة.
سرجون الأكادي وأول كتابة مسمارية سامية
أقدم كتابة مسمارية سامية هي الأكادية القديمة، وتظهر في نقوش الحاكم سرجون الأكادي (توفي نحو 2279 ق.م.)؛ وتتذكّره قائمة الملوك السومرية ساقيَ الملك أور-زابابا الذي صار ملكاً على أكاد.
أور-نامو يبني زقورة أور
ملايين الطوب الطيني، وقد طُبع اسم أور-نامو على كثير منه، شيّدت زقورة إله القمر ننّار في أور؛ وكانت في عهد الملك ثلاث طبقات وثلاث سلالم مقوّاة ومعبد في القمة.
حمورابي يوحّد جنوب بلاد الرافدين
وحّد الملك حمورابي البابلي (توفي 1750 ق.م.) جنوب بلاد الرافدين كله وجعل من بابل مركز ثقافة الرافدين الأكبر؛ وقوانينه مدوّنة بالمسمارية البابلية القديمة على مسلة من البازلت يعلوها نقش بارز يجسّد حمورابي أمام إله الشمس شمش.
آشور، أول عاصمة للإمبراطورية الآشورية
مدينة آشور على نهر دجلة، المأهولة منذ الألفية الثالثة ق.م.، كانت أول عاصمة للإمبراطورية الآشورية والعاصمة الدينية التي كان ملوك آشور يُتوَّجون ويُدفنون فيها.
سنحاريب يحوّل نينوى إلى مدينة فخمة
شقّ الملك سنحاريب شوارع وساحات جديدة وبنى «القصر الذي لا منافس له»، بمساحة نحو 600 في 630 قدماً وبما لا يقل عن 80 غرفة؛ كما جرّ نظام متقن من 18 قناة وقناة مائية معلّقة في جروان المياه إلى المدينة.
مكتبة آشور بانيبال في نينوى
في عهد آشور بانيبال (حكم 668–627 ق.م.) بلغت الكتابة المسمارية ذروتها في سجلات المكتبة الملكية الواسعة في نينوى، ومنها يأتي أكمل نص لملحمة جلجامش و«لوح الطوفان».
بابل، عاصمة الدولة البابلية الحديثة
بين 626 و539 ق.م. كانت بابل عاصمة الدولة البابلية الحديثة في عهد حكّام مثل نبوخذ نصر؛ وما تزال أسوارها وأبوابها وقصورها ومعابدها — ومنها الزقورة إيتمنانكي — خير شاهد على الإمبراطورية في أوجها.
سقوط نينوى
بعد أربعة عشر عاماً من موت آشور بانيبال، اجتاح البابليون والسكوثيون والماديون نينوى؛ ولا تزال آثار رماد واسعة في الأكروبول، ولم تتعافَ المدينة بعدها، وإن سجّل كزينوفون خرائبها لاحقاً باسم «مسبيلا».
آخر لوح مسماري مؤرَّخ
إنّ «تقويم W22340a» من أوروك، المؤرَّخ بتنبؤاته الفلكية إلى السنة 326 من العصر الأشكاني (79/80 م)، هو أحدث نص مسماري مؤرَّخ عُثر عليه حتى الآن — دليل على استمرار العلم المسماري في بلاد الرافدين إلى ما بعد مطلع القرن الميلادي الأول.
مسح نينوى ورسم خرائطها
كان كلوديوس ج. ريتش أول من مسح نينوى ورسم خرائطها؛ فأتمّ فيليكس جونز العمل ونشره عام 1854، فافتُتح عصر التنقيب المنهجي في تلال العراق.
العثور على مسلة حمورابي في سوسة
اكتُشفت المسلة البازلتية الحاملة قوانين حمورابي عام 1901–1902 خلال تنقيبات سوسة بقيادة جاك دو مورغان؛ وهي محفوظة في متحف اللوفر بقسم الآثار الشرقية منذ تقسيم المكتشفات.
تنقيب زقورة أور
أشعل تنقيب زقورة أور عام 1922 حمّى قصيرة للعمارة المدرّجة؛ ولم يبقَ اليوم سوى الطبقتين الأوليين، وأُعيد بناء جزء من البرج في الثمانينيات.
تسجيل الأهوار في جنوب العراق لدى اليونسكو
أُدرجت زقورة أور ضمن موقع التراث العالمي «أهوار جنوب العراق: ملاذ التنوع الأحيائي ومشهد المدن الرافدينية العتيقة»، الذي أضاف مدن أوروك وأور وإريدو القديمة إلى قائمة التراث العالمي.
أسئلة شائعة
ما معنى اسم «بلاد الرافدين»؟
اسم يوناني معناه «بين النهرين»، جاء من «ميزو» أي الوسط و«بوتاموس» أي نهر أو مجرى.2 والمنطقة التي يصفها الاسم تشمل اليوم العراق وشمال شرق سوريا وجزءاً من جنوب شرق تركيا.2
لماذا احتاجت الزراعة إلى الري الاصطناعي في بلاد الرافدين؟
لأن الأمطار في السهل قليلة والأرض جافة وغير صالحة للزراعة ثمانية أشهر على الأقل في السنة.1 لذلك لم تبدأ الزراعة في قلب بلاد الرافدين إلا بعد اختراع الري الاصطناعي بشبكة متشعبة من القنوات.1
متى ظهرت الكتابة المسمارية ومن كتب بها أولاً؟
تعود بداياتها إلى نهاية الألفية الرابعة ق.م عند السومريين في جنوب بلاد الرافدين.6 وأقدم مدوّناتهم ألواح تصويرية من أوروك، هي على ما يبدو قوائم أو سجلات سلع بأرقام وأسماء أشخاص.6
كم مادة في قانون حمورابي وأين تُحفظ مسلته؟
يضم القانون 282 مادة مرقّمة، آخرها المادة 282 عن عبد ينكر سيّده.10 والمسلة البازلتية بارتفاع 225 سم وعرض 79 سم محفوظة في متحف اللوفر بعد اكتشافها في سوسة عام 1901–1902.9
ما ملحمة جلجامش ومن أين وصلتنا؟
رحلة ملحمية رافدينية قديمة دُوّنت بالأكادية عن جلجامش، ملك مدينة أوروك السومرية.18 وأكمل نص باقٍ لها محفوظ على 12 لوحاً أكادياً ناقصاً عُثر عليها في نينوى في مكتبة آشور بانيبال.18
ماذا بقي اليوم من زقورة أور؟
لم يبقَ منها إلا الطبقان الأوليان؛ فقد أُضيفت أربع طبقات في القرن السادس ق.م فصارت سبعاً.12 وأُعيد بناء جزء منها في الثمانينيات، وأُدرجت عام 2016 ضمن موقع تراث عالمي.12
خريطة المعرفة
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20