الثورة الصناعية
كيف استبدلت بريطانيا العضلات والأدوات اليدوية بالفحم والحديد والبخار وبنَت عالم المصانع، 1709–1833
كانت الثورة الصناعية تحوّلًا بدأ في بريطانيا في القرن الثامن عشر، نقل الاقتصاد من الورش الصغيرة والزراعة والأدوات اليدوية إلى عالم تهيمن عليه الآلات والمصانع والطاقة المعدنية. حلّ الفحم محلّ الخشب والعضلات، وشغّل الحديد المصهور بفحم الكوك والمحركات البخارية المحسّنة آلات نسيج جديدة مثل دولاب «جيني» والنول الميكانيكي، وربطت القنوات والطرق ثم السكك الحديدية أنحاء البلاد. وقد تحققت ثروة هائلة، ومعها عمالة الأطفال والمدن المزدحمة وأولى قوانين المصانع، بينما كان التحول ينتشر من بريطانيا إلى العالم.
ما الثورة الصناعية؟
بدأت الثورة الصناعية في بريطانيا في القرن الثامن عشر، ثم انتشرت من هناك إلى أجزاء أخرى من العالم.1 وهي في جوهرها عملية تحوّل من اقتصاد زراعي وحرفي إلى اقتصاد تهيمن عليه الصناعة والتصنيع الآلي.1 ولم تكن تحوّلًا تقنيًا فحسب، بل جاءت بطرائق جديدة للعمل والعيش وبدّلت المجتمع تبديلًا جذريًا.1 وقد شهد القرن الثامن عشر بذلك عصر البخار والقنوات والمصانع الذي غيّر وجه الاقتصاد البريطاني إلى الأبد.2
أما الاسم فلم يشع فور حدوث التحول: فقد استُخدم مصطلح «الثورة الصناعية» عند كتاب فرنسيين، ثم شاع على يد المؤرخ الاقتصادي الإنجليزي أرنولد توينبي (1852–1883) لوصف التطور الاقتصادي لبريطانيا بين عامَي 1760 و1840.1 ويقسّم المؤرخون التجربة إلى مرحلتين متعاقبتين: أولى من منتصف القرن الثامن عشر حتى نحو عام 1830 واقتصرت غالبًا على بريطانيا، وثانية من منتصف القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين وامتدت إلى بريطانيا وأوروبا القارية وأمريكا الشمالية واليابان.1
لماذا بدأت في بريطانيا؟
يقدّم روبرت ألن تفسيرًا اقتصاديًا مركزه الأسعار النسبية: كانت الأجور في بريطانيا مرتفعة، وكان رأس المال والطاقة رخيصين، مقارنة بأوروبا وآسيا.3 وفي هذا السياق كانت تقنيات الثورة الصناعية الكبرى — المحرك البخاري ومصنع القطن واستبدال الخشب بالفحم في إنتاج المعادن — مربحة بشكل فريد للاختراع والاستخدام في بريطانيا.3 ولم تكن الأجور المرتفعة عبئًا على التصنيع بل محرّكًا له: فقد غذّى اقتصاد الأجور المرتفعة في بريطانيا ما قبل الصناعة التنمية الصناعية، لأن أعدادًا أكبر من الناس قدروا على تحمّل كلفة التعليم والتلمذة.3
وتدعم الأرقام هذه الصورة البنيوية: فقد أظهر مسح برودبيري وزملائه أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد اتجه صعوديًا بثبات وتضاعف بين عامَي 1270 و1700، خلافًا لصورة الركود المالثوسي التي هيمنت على القراءات التقليدية.4 ويشدّد جويل موكير على أن بريطانيا عشية الثورة الصناعية لم تكن أرضًا خامًا، بل اقتصادًا متقدمًا ومتطورًا وتجاريًا، تعمل نسبة كبيرة من قوته العاملة خارج الزراعة.5 فالاقتصاد الذي انطلقت منه الثورة كان، بمعايير عصره، غنيًا بالمقدمات لا مجرد ورشة كبيرة.5
وتُفسّر الخلفية اليومية للصناعة بقية الصورة: فقد كانت الصناعة في أوائل القرن الثامن عشر صغيرة النطاق في معظمها، «صناعة منزلية» تُدار في البيوت والورش الصغيرة.2 وكان الطلب المتنامي على الفحم، إلى جانب التغير الزراعي، قد هيّأ الأرضية لنظام المصانع الكبير قبل أن تبدأ آلات الغزل عملها.2 وهكذا التقت في بريطانيا قاعدة اقتصادية راسخة ومهارات عالية بأجر مرتفع وطاقة رخيصة، وهي التركيبة التي فتحت باب العصر الصناعي.3
النسيج: عصر الآلة الأول
انطلقت حركة العصر الجديد في النسيج مع جون كاي، فاختراعه «المكوك الطائر» عام 1733 كان خطوة مهمة نحو النسج الآلي.6 وقد سرّع المكوك عملية النسج: فبفضله صار العامل الواحد ينسج أقمشة من أي عرض أسرع مما كان ينسجه عاملان قبله.6 وهنا دارت عجلة السبب والنتيجة: فقد خلق تسارع النسج طلبًا على إنتاج خيوط أسرع.7
وجاء الرد على صعيد الغزل في موجات متلاحقة: فدولاب «جيني» اليدوي المتعدد المغازل سجّله جيمس هارجريفز ببراءة اختراع عام 1770.8 وكان تحويل عجلة الغزل إلى دولاب «جيني» عاملًا مهمًا في تصنيع صناعة النسيج، لكن خيطه ظل أدنى جودة من خيط «إطار المياه» لريتشارد أركرايت.8 فالإطار، وسمّي كذلك لأنه يعمل بقوة المياه، أنتج خيطًا قطنيًا صالحًا للسدى، في حين كان خيط دولاب جيني أضعف ولم يكن يصلح إلا للحمة.9 وكان أركرايت قد بدأ بناء آلته الأولى بحلول عام 1764 وسجّلها ببراءة عام 1769، ثم افتتح مع شركائه مصانع في نوتنغهام وكرمفورد مجهزة بكل مراحل التصنيع من التسريد إلى الغزل.9 ثم جاء صمويل كرومبتون بـ«البغل الآلي» ليضيف إلى الغزل خطوة تحسين جديدة.9
وعلى الجانب الآخر من المعادلة سجّل إدموند كارترايت عام 1785 أول نول ميكانيكي، وكان قاصرًا في بدايته.7 ثم جعلته تحسينات لاحقة — من آلات تجهيز السدى إلى حركات لفّ القماش الأفضل — أداة عملية، وزاد التحول من طاقة المياه إلى البخار سرعته فرسّخ نظام المصانع في إنتاج المنسوجات.7 وقد أتاح ذلك إنتاجًا واسعًا لقماش رخيص وخفيف كان مطلوبًا في بريطانيا وفي أنحاء الإمبراطورية.2
ويعود أصل المصنع الحديث إلى مصانع كرمفورد في وادي ديروينت، حيث دخلت اختراعات أركرايت الإنتاج الواسع النطاق لأول مرة.10 وقد بُني في الوادي مصنع غزل يعمل بقوة المياه عام 1771، ثم مصنع ثانٍ أكبر عام 1776–1777، وعندها فقط تأسس «نظام أركرايت» حقًا.10 ولم يكن الوادي غريبًا على المشاريع الكبرى: ففي ديربي بُني مصنع حرير للأخوين جون وتوماس لومب عام 1721، بآلات وحجم وعدد عمال لم يسبق لها مثيل.10 وتنسب اليونسكو إلى وادي ديروينت ميلاد نظام المصانع، حين أُنشئت أنواع جديدة من المباني لاحتضان تقنية غزل القطن في أواخر القرن الثامن عشر.10 ولا تزال مساكن العمال المرتبطة بهذه المصانع قائمة حتى اليوم على امتداد 24 كم من وادي ديروينت.10
الاختراعات في لمحة
يجمع الجدول الآتي أبرز الاختراعات والقوانين التي غيّرت مسار الصناعة البريطانية، بأسماء أصحابها وتواريخها وما ترتب على كل منها.1
| الاختراع أو الإجراء | المخترع أو الجهة | التاريخ | ما غيّره |
|---|---|---|---|
| المكوك الطائر6 | جون كاي6 | 17336 | سرّع النسج فخلق طلبًا على خيوط أسرع7 |
| محرك نيوكومن البخاري المكبسي11 | توماس نيوكومن11 | نحو 171211 | أتاح ضخّ مياه المناجم العميقة بكفاءة أعلى2 |
| دولاب «جيني» اليدوي8 | جيمس هارجريفز8 | براءة 17708 | غزل بعدة مغازل دفعة واحدة بجهد يدوي8 |
| إطار المياه9 | ريتشارد أركرايت9 | 17699 | خيط قطني قوي صالح للسدى بقوة المياه9 |
| المكثّف المنفصل وبراءة واط12 | جيمس واط12 | 1765 و176912 | بخار أقل استهلاكًا للوقود وأول تحسين كبير للمحرك12 |
| الأسطوانات المحززة وعملية التحريك13 | هنري كورت13 | 1783–178413 | حديد مطاوع أسرع وأوفر، وتضاعف الإنتاج أربع مرات13 |
| النول الميكانيكي7 | إدموند كارترايت7 | 17857 | نسج آلي صار بعد التحسينات أداة عملية7 |
| قاطرة «روكيت»14 | جورج ستيفنسون وابنه روبرت14 | 182914 | فوز بسرعة 36 ميلًا في الساعة في اختبارات راينهيل14 |
| قانون المصانع15 | الحكومة البريطانية15 | 183315 | قيود على عمالة الأطفال ومنع العمل الليلي وساعتان تعليم15 |
البخار: من نيوكومن إلى واط
بدأت قصة البخار قبل واط بزمن: ففي عام 1698 سجّل توماس سيفري براءة اختراع مضخة ترفع الماء من المناجم بالشفط الناتج عن تكثيف البخار.11 ثم كشف توماس نيوكومن في وقت مبكر من عام 1712 محركه البخاري المكبسي، الذي أتاح ضخّ مياه المناجم العميقة بكفاءة أعلى، وكان أول استخدام عملي واسع للقوة البخارية على نطاق صناعي.2 وبحلول عام 1800 كان نحو ألفَي محرك بخاري يعمل في بريطانيا.2
أما القفزة الكبرى فجاءت على يد جيمس واط (1736–1819)، صانع الأدوات والمخترع الإسكتلندي الذي أسهم محركه إسهامًا كبيرًا في الثورة الصناعية.12 فأثناء إصلاحه نموذجًا لمحرك نيوكومن عام 1764 لاحظ واط هدر البخار فيه، وفي مايو 1765 اهتدى إلى المكثّف المنفصل، اختراعه الأول والأعظم.12 وفي عام 1769 حصل على براءة الاختراع الشهيرة «طريقة جديدة مبتكرة لتقليل استهلاك البخار والوقود في المحركات النارية».12 وبعد أن مُدّت براءته بقانون من البرلمان، بدأ هو وماثيو بولتون عام 1775 شراكة استمرت 25 سنة.12 ثم أضاف عام 1781 ترس «الشمس والكوكب» لتوليد الحركة الدورانية، وسجّل عام 1782 براءة المحرك ثنائي الفعل الذي يدفع فيه المكبس ويسحب.12 وبعد «الحركة المتوازية» عام 1784 ومنظّم الطرد المركزي للتحكم الآلي في السرعة، فُتح أمام البخار مجال جديد كليًا: تشغيل الآلات الدورانية في المصانع مثل مصانع القطن.12
الحديد والفحم وصناعة المشهد الصناعي
أما ثورة المعادن فقد قامت على فحم الكوك: ففي كولبروكديل عام 1709 طوّر الكويكر أبراهام داربي الأول تقنية صهر الحديد بفحم الكوك، وبها بدأت ثورة الحديد الكبرى في القرن الثامن عشر.16 وما زال فرن الصهر العالي الذي بُني هناك عام 1708 قائمًا شاهدًا على ذلك الاكتشاف.16 وفي عام 1779 أقام أبراهام داربي الثالث أول جسر حديدي في العالم، وفق مخططات المهندس المعماري توماس فارنولس بريتشارد، فكان أول جسر معدني معروف وكان له أثر كبير في تطور التقنية والعمارة.16 وتصف اليونسكو آيرونبريدج بأنها رمز الثورة الصناعية في العالم كله، وفيها كانت جذورها في القرن الثامن عشر قبل أن تنتشر عالميًا.16 ويمتد الموقع في تلفورد بشروبشير على 5.5 كيلومتر مربع (550 هكتارًا)، على نحو 50 كم شمال غرب برمنغهام.16 وقد وسّعت أفران بيدلام، التي أُقيمت في جوارها عام 1757، طاقة الصهر بالفحم.16
وسرعان ما انتقلت التقنية من كولبروكديل إلى مواقع أخرى: فقد أدخل روبروك في مصانع كارون عام 1760 نوعًا جديدًا من أفران الصهر يمكّن من صهر خام الحديد بالفحم، ثم استُخدم المحرك البخاري عام 1790 لتشغيل النفخ.17 ثم جاءت أسطوانات كورت المحززة عام 1783 وعملية «التحريك» عام 1784 لتحويل حديد الصب إلى حديد مطاوع، وتضاعف الإنتاج البريطاني أربع مرات خلال عشرين سنة.13 وزاد صهر الحديد واستخدام المحرك البخاري الطلب على الفحم حتى استُثمر رأس المال بكثافة، وجرى استخراج أكثر من عشرة ملايين طن سنويًا قبل انتهاء القرن.17 وتُوّجت هذه المرحلة بتحسينات أمان المناجم مثل مصباح ديفي الآمن عام 1815.17
القنوات والطرق والسكك: تقليص المسافات
كان النقل عنق الزجاجة في اقتصاد يتضخم إنتاجه، وكان الحل المبكر في المياه: ففي عام 1761 افتتح دوق بريدجووتر قناة بين منجمه في ورسلي ومدينة مانشستر، وخلال أسابيع من افتتاحها انخفض سعر الفحم في مانشستر إلى النصف.2 ثم امتدت شبكة قنوات تجرّها الخيول لتنقل الخامات والسلع المصنعة، حتى تجاوزت بريطانيا بحلول عام 1815 ألفَي ميل من القنوات المستخدمة.2
ولم تتخلف الطرق عن الركب: فقد طوّر مهندسون مثل جون مكآدم وتوماس تلفورد تقنيات بناء جديدة قادت إلى طفرة الطرق الكبرى في ثمانينيات القرن الثامن عشر.2 وكان أثر ذلك مذهلًا في تقليص الزمن: فرحلة البريد من لندن إلى إدنبرة صارت تستغرق يومين فقط بحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر، بعد أن كانت تستغرق نحو أسبوعين قبل نصف قرن.2
ثم جاء الفصل الحاسم على القضبان: ففي عام 1804 أنجز المهندس ريتشارد تريفيثيك أول قاطرة بخارية ناجحة تجرّ حملًا على القضبان، وهي التي جرّت في رحلتها 11 طنًا من الحديد و70 رجلًا بسرعة 2.4 ميل في الساعة.18 وفي 27 سبتمبر 1825 سار أول قطار ركاب عام تجره «لوكوموشن» لستيفنسون من دارلينغتون إلى ستوكتون، ناقلًا 450 شخصًا بسرعة 15 ميلًا في الساعة، فكان ذلك ميلاد النقل بالسكك الحديدية.14
وكانت مصانع مانشستر «قطنوبوليس» بحلول عشرينيات القرن التاسع عشر تنتج من القطن ما يستلزم نقلًا أسرع إلى الساحل للتصدير، فأجرت سكة ليفربول ومانشستر اختبارات لاختيار أفضل قاطرة بجائزة 500 جنيه إسترليني.18 وأُقيمت اختبارات راينهيل على مدى تسعة أيام في أكتوبر 1829 على خط بُني خصيصًا قرب رينهيل خارج ليفربول، وحضر يومها الأول أكثر من 10,000 متفرج.18 وفازت «روكيت» بالمسابقة بسرعة بلغت 36 ميلًا في الساعة.14 وقد كانت ثوريتها في جمع مفاهيم قائمة: من مرجل أكثر فعالية إلى عادم «النفخ» الذي جعل المحرك ذاتي التنظيم ومنحه السرعة والكفاءة، ثم طلبت السكة أربع قاطرات إضافية ودخلت بريطانيا موجة «جنون السكك الحديدية».18 وقد أتاحت السكك لأصحاب المهن السفر إلى مدينة أخرى وإنجاز يوم عمل كامل والعودة في اليوم نفسه، وهو ما كان مستحيلًا في عصر عربات الخيل.18 ولم تكن السكك وحدها ما قصّر المسافات: فقد رُكّب تلغراف كهربائي طوره وليام فوثرجيل كوك وتشارلز ويتستون على طول سكة لندن وبلاكوول عند افتتاحها عام 1840.19 وبحلول عام 1855 كانت جلّ السلطات العامة تضبط ساعاتها على «توقيت السكة الحديدية»، بعد أن بدأ مرصد غرينتش عام 1852 ببث إشارات زمنية دقيقة عبر شبكة التلغراف.19 وقد دخل التلغراف نفسه إلى وعي الجمهور حين قاد إلى القبض على القاتل جون تاويل في يناير 1845.19
المصانع والمدن وثمن التقدم
وكان الثمن باهظًا ويدفعه من يقفون عند الآلات: فكثير من المصانع كانت أماكن كاسحة كالسجون، ويوم العمل الممتد 12 ساعة لم يكن نادرًا، وكانت الحوادث تقع بكثرة.2 وكان أطفال دور العمل والمياتم يعملون في أجواء حارة مغبرة بين آلات سريعة.2 وقد شغّلت مصانع أركرايت في نوتنغهام وكرمفورد وحدها نحو 600 شخص بحلول سبعينيات القرن الثامن عشر، بينهم كثير من الأطفال الصغار.2
ومع تسارع الثورة الصناعية نشأت آلاف المصانع بلا قوانين تنظمها، فاستُخدمت آلات خطرة سبّبت للعمال إصابات جسيمة تكررت كثيرًا.15 وكانت عمالة الأطفال من أسوأ ملامح هذا العصر الجديد: ساعات طويلة للغاية، وعقوبات قاسية على أي خطأ.15
وقد وصف تشيني الثمن الاجتماعي لهذا الترتيب: فنظام المصانع جمع العمال المتفرقين في منشآت ضخمة منظّمة بصرامة.17 ومع نمو المصانع واتساع المنشآت تباعد صاحب العمل والعامل، في حين جُمع العاملون في المنشأة أو المهنة الواحدة أشدّ اجتماع.17 وقد تطورت ملامح نظام المصانع الرئيسية كلها بين عامَي 1760 و1800، وأنتج ذلك في زمن قصير مشكلات اجتماعية جديدة وصعبة.17
الإصلاح: قانون المصانع 1833 وما بعده
أمام هذه الظروف أصدرت الحكومة البريطانية عام 1833 «قانون المصانع» لتحسين أحوال الأطفال العاملين في المصانع، بعد أن كانوا يعملون ساعات طويلة جدًا في أماكن غالبًا ما تكون مروّعة.15 فمنع القانون تشغيل من هم دون التاسعة، وحدّ من هم بين 9 و13 سنة بتسع ساعات عمل يوميًا، ومن هم بين 13 و18 سنة باثنتي عشرة ساعة، وحظر العمل الليلي، وفرض ساعتين من التعليم المدرسي يوميًا، وأنشأ أربعة مفتشين لإنفاذه.15
| السنة | التشريع | أهم ما نصّ عليه |
|---|---|---|
| 183315 | قانون المصانع في النسيج15 | لا عمال دون التاسعة؛ وتسع ساعات لعمر 9–13؛ واثنتا عشرة لعمر 13–18؛ وساعتان تعليم؛ وأربعة مفتشين15 |
| 184415 | تشريع المصانع اللاحق15 | تشغيل الأطفال من 8 إلى 13 سنة ستّ فترات نصف ساعة يوميًا15 |
| 184715 | تشريع المصانع اللاحق15 | منع النساء ومن هم دون 18 سنة في النسيج من أكثر من عشر ساعات يوميًا15 |
ومع ذلك لم يوقف إصدار القانون سوء المعاملة فورًا.15 فقد بيّنت تقارير المفتشين لعامَي 1836 و1867 أن الإنفاذ ظل قاصرًا عن بلوغ ما نصّ عليه القانون.15
الثورة الصناعية الثانية والانتشار العالمي
لم تنتهِ القصة مع المرحلة الأولى: فمن منتصف القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين جاءت الثورة الصناعية الثانية، وامتدت في بريطانيا وأوروبا القارية وأمريكا الشمالية واليابان.1 وقامت هذه المرحلة على الكهرباء والصلب والكيمياء، وعلى المصباح الكهربائي والهاتف ومحرك الاحتراق الداخلي والسيارات التي تُنتَج بكميات هائلة.1 وهكذا انتقل مركز الثقل من الفحم والبخار والحديد إلى الكهرباء والمعادن الجديدة والنقل الآلي الواسع.1
ولم ينتشر هذا كله في العالم تلقائيًا: فقد كان لا بد أن يجعل المهندسون البريطانيون هذه التقنيات أكثر جدوى اقتصادية خلال القرن التاسع عشر حتى تدخل بلدان أخرى السباق.3 وهكذا لم تبدأ الصين والهند، وهما من أقدم اقتصادات العالم، ثورتهما الصناعية الأولى إلا في القرن العشرين.3
الإرث والجدل
لم يسلم حجم الثورة نفسه من الجدل: فنتائج كرافتس وهارلي وآخرين التي نُشرت في تسعينيات القرن العشرين خفّضت تقديرات معدل النمو الاقتصادي خلال سنوات الثورة الصناعية الكلاسيكية 1760–1830.5 ويخلص موكير إلى أن الثورة الصناعية بوصفها ظاهرة اقتصادية كلية في سنواتها الكلاسيكية «تقف اليوم مخفوضة ومضعّفة»، وأنها لم تكن مجرد «تصنيع».5 وقد رأى تشيني قبل قرن من ذلك أن مصطلح «الثورة الصناعية»، بكل ما اتسع له من تطبيق، ليس مبالغًا فيه ولا غير مناسب.17
وتظل المحصلة المزدوجة حاضرة في كل الروايات: ثروة أكبر وُزّعت على نطاق أوسع، وطبقة وسطى متضخمة، ومدن جديدة، وحركة عمالية صاعدة.1 وفي المقابل ظل الثمن الاجتماعي في صلب الصورة: ساعات طويلة، وعمل للنساء والأطفال بأجور الكفاف، وانضباط مصنع صارم.1 وتغيّر العمال أنفسهم في أثناء ذلك: فلم يعودوا حرفيين بأدوات يدوية بل مشغّلي آلات يخضعون لانضباط المصنع، مع ثقة متزايدة بالقدرة على استخدام الموارد وإخضاع الطبيعة.1
بكلماتهم
نختم بأصوات المصادر نفسها: من ورشة الدبابيس عند آدم سميث إلى نظام المصانع عند تشيني، ومن مراقبي راينهيل إلى موكير وهو يزن حصيلة الثورة بعد قرنين.20
a workman not educated to this business (which the division of labour has rendered a distinct trade), nor acquainted with the use of the machinery employed in it (to the invention of which the same division of labour has probably given occasion), could scarce, perhaps, with his utmost industry, make one pin in a day, and certainly could not make twenty.20
آدم سميث، «ثروة الأمم» (1776)
the collection of scattered laborers into great strictly regulated establishments.17
إدوارد بوتس تشيني، «مقدمة في التاريخ الصناعي والاجتماعي لإنجلترا» (1901)
[Never] on any occasion were so many scientific gentlemen and practical engineers collected together on one spot.18
صحيفة «التايمز» (1829) عن اختبارات راينهيل، بحسب متحف السكك الحديدية الوطني
the Industrial Revolution in its ‘classical years’, 1760–1830, stands today diminished and weakened.5
جويل موكير، «محاسبة الثورة الصناعية» (2004)
الخط الزمني للثورة الصناعية، 1709–1833
أبراهام داربي الأول يصهر الحديد بفحم الكوك في كولبروكديل
في كولبروكديل عام 1709 طوّر الكويكر أبراهام داربي الأول تقنية صهر الحديد بفحم الكوك فبدأت ثورة الحديد الكبرى في القرن الثامن عشر. وما زال فرن الصهر العالي الذي بُني هناك عام 1708 قائمًا، وتصف اليونسكو آيرونبريدج بأنها «رمز الثورة الصناعية».
محرك نيوكومن البخاري المكبسي
كشف توماس نيوكومن في وقت مبكر من عام 1712 محركه البخاري المكبسي، الذي أتاح ضخّ مياه المناجم العميقة بكفاءة أعلى، وكان أول استخدام عملي واسع للقوة البخارية.
جون كاي يسجّل «المكوك الطائر»
مثّل المكوك الطائر الذي اخترعه جون كاي عام 1733 خطوة مهمة نحو النسج الآلي: فقد أتاح لعامل نسيج واحد أن ينتج أقمشة من أي عرض أسرع مما كان يفعله عاملان قبله، وأدى تسريعه لعملية النسج إلى طلب متزايد على إنتاج الخيوط.
افتتاح قناة بريدجووتر
افتتح دوق بريدجووتر قناة بين منجمه في ورسلي ومدينة مانشستر النامية، وخلال أسابيع من افتتاحها انخفض سعر الفحم في مانشستر إلى النصف. وكانت الأولى في شبكة قنوات تجاوزت 2000 ميل بحلول عام 1815.
دولاب جيني لهارجريفز يضاعف المغازل
ميكن دولاب «جيني» لجيمس هارجريفز (1764) الغزل بعدة مغازل دفعة واحدة، وحصل على براءة اختراعه عام 1770. ورغم أن خيطه يصلح للحمة فقط، فقد كان «عاملًا مهمًا في تصنيع صناعة النسيج».
واط يهتدي إلى المكثّف المنفصل
أثناء إصلاحه نموذج محرك نيوكومن عام 1764 لاحظ واط هدر البخار، وفي مايو 1765 اهتدى إلى المكثّف المنفصل، اختراعه الأول والأعظم، ثم حصل عام 1769 على براءة الاختراع الشهيرة «طريقة جديدة مبتكرة لتقليل استهلاك البخار والوقود في المحركات النارية».
أركرايت يسجّل براءة «إطار المياه»
بدأ ريتشارد أركرايت بناء آلته الأولى بحلول عام 1764 وسجّلها ببراءة عام 1769. وقد أنتج «إطار المياه» خيطًا قطنيًا أقوى من خيط «جيني» يصلح للسدى، وسرعان ما افتتح مصانع في نوتنغهام وكرمفورد.
مصنع كرمفورد: ميلاد نظام المصانع
لم يتأسس «نظام أركرايت» حقًا إلا بمصنع الغزل الذي يعمل بقوة المياه في كرمفورد عام 1771 ثم المصنع الثاني الأكبر عام 1776–1777. وتقول اليونسكو إن وادي ديروينت شهد ميلاد نظام المصانع؛ فالمصنع الحديث يعود أصله إلى هذه المصانع.
شراكة بولتون وواط
بعد تمديد براءة اختراع واط بقانون من البرلمان، بدأ هو وماثيو بولتون شراكة عام 1775 استمرت 25 سنة، أضافت رأس المال والحنكة الصناعية إلى المحرك البخاري، ومعها الحركة الدورانية والمحرك ثنائي الفعل ومنظّم الطرد المركزي الذي أدخل القوة البخارية إلى المصانع.
تشييد جسر آيرونبريدج
تستمد بلدة آيرونبريدج اسمها من الجسر الحديدي الشهير الذي أقامه أبراهام داربي الثالث عام 1779 وفق مخططات المهندس المعماري توماس فارنولس بريتشارد. إنه أول جسر معدني معروف، وكان له مع فرن كولبروكديل العالي أثر كبير في تطور التقنيات والعمارة.
أسطوانات كورت وعملية التحريك تحوّلان صناعة الحديد
حصل هنري كورت عام 1783 على براءة اختراع أسطوانات محزّزة تنتج قضبان الحديد أسرع وأوفر من الطرق، وسجّل في العام التالي براءة عملية «التحريك» لتحويل حديد الصب إلى مطاوع. وتضاعف الإنتاج البريطاني للحديد أربع مرات خلال عشرين سنة.
كارترايت يسجّل براءة النول الميكانيكي
سجّل إدموند كارترايت عام 1785 أول نول ميكانيكي وكان قاصرًا في البداية، ثم جعلته تحسينات لاحقة — من آلات تجهيز السدى إلى حركات لفّ القماش الأفضل — أداة عملية، كما زاد التحول من المياه إلى البخار من سرعته، فرسّخ نظام المصانع في النسيج.
قاطرة تريفيثيك في بينيدارين تسير على القضبان
أنجز المهندس ريتشارد تريفيثيك أول قاطرة بخارية ناجحة تجرّ حملًا على القضبان عام 1804، وكانت نتاج رهان بخمسمئة غينيا بين صانعَي الحديد صامويل هومفري وريتشارد كراوشاي. جرّت 11 طنًا من الحديد و70 رجلًا بسرعة 2.4 ميل في الساعة.
أول قطار ركاب عام
في 27 سبتمبر 1825 سار أول قطار ركاب عام تجره «لوكوموشن» لستيفنسون من دارلينغتون إلى ستوكتون، ناقلًا 450 شخصًا بسرعة 15 ميلًا في الساعة، فكان ذلك ميلاد النقل بالسكك الحديدية.
اختبارات راينهيل وفوز «روكيت»
أُقيمت الاختبارات على مدى تسعة أيام في أكتوبر 1829 على خط بُني خصيصًا قرب رينهيل خارج ليفربول، وحضر أكثر من 10,000 متفرج يومها الأول. وفازت «روكيت» — بتصميم روبرت ستيفنسون وتقديم هنري بوث وجورج ستيفنسون — بمرجلها متعدد الأنابيب وعادمها ذاتي التنظيم وبلغت 36 ميلًا في الساعة. وطلبت سكة ليفربول ومانشستر أربع قاطرات إضافية، وفي سنوات قليلة دخلت بريطانيا موجة «جنون السكك».
قانون المصانع 1833 ينظّم عمالة الأطفال
أصدرت الحكومة عام 1833 قانون مصانع لتحسين ظروف الأطفال: لا عمال دون التاسعة؛ وتسع ساعات كحد أقصى لمن هم بين 9 و13، واثنتا عشرة ساعة بين 13 و18؛ ومنع العمل ليلًا؛ وساعتان تعليم يوميًا؛ وأربعة مفتشين لإنفاذ القانون. ووسّعت قوانين لاحقة الحماية: ست فترات نصف ساعة لعمر 8–13 عام 1844، وحد العشر ساعات للنساء ومن دون 18 عام 1847.
أسئلة شائعة
ما الثورة الصناعية ومتى بدأت؟
هي عملية تحوّل من اقتصاد زراعي وحرفي إلى اقتصاد تهيمن عليه الصناعة والتصنيع الآلي.1 وقد بدأت في بريطانيا في القرن الثامن عشر، ثم انتشرت من هناك إلى أجزاء أخرى من العالم.1
من شاع مصطلح «الثورة الصناعية» وما الذي وصف به؟
استُخدم المصطلح عند كتاب فرنسيين، ثم شاع على يد المؤرخ الاقتصادي أرنولد توينبي (1852–1883) لوصف التطور الاقتصادي لبريطانيا بين عامَي 1760 و1840.1
لماذا بدأت الثورة الصناعية في بريطانيا تحديدًا؟
لأن الأجور كانت مرتفعة ورأس المال والطاقة رخيصين مقارنة بأوروبا وآسيا، فكانت تقنياتها الكبرى — المحرك البخاري ومصنع القطن واستبدال الخشب بالفحم — مربحة بشكل فريد للاختراع والاستخدام في بريطانيا.3 وغذّى اقتصاد الأجور المرتفعة ذلك، لأن أعدادًا أكبر من الناس قدروا على تحمّل كلفة التعليم والتلمذة.3
كيف تطوّرت صناعة النسيج من المكوك إلى النول؟
بدأ التغيير مع «المكوك الطائر» لجون كاي عام 1733، الذي سرّع النسج وخلق طلبًا على إنتاج خيوط أسرع.6 ثم جاء دولاب «جيني» ببراءة 1770 و«إطار المياه» لأركرايت الذي أنتج خيطًا قويًا للسدى بخلاف خيط جيني الذي كان يصلح للحمة فقط.9 وختم كارترايت السلسلة بالنول الميكانيكي عام 1785، الذي صار بتحسيناته وبالتحول إلى البخار أداة عملية رسّخت نظام المصانع.7
ماذا أضاف جيمس واط إلى المحرك البخاري؟
أثناء إصلاحه نموذجًا لمحرك نيوكومن عام 1764 لاحظ واط هدر البخار فيه، وفي مايو 1765 اهتدى إلى المكثّف المنفصل، اختراعه الأول والأعظم.12 ثم أضاف الحركة الدورانية بترس «الشمس والكوكب» عام 1781 والمحرك ثنائي الفعل عام 1782، ففتح للبخار مجال تشغيل الآلات الدورانية في المصانع مثل مصانع القطن.12
كيف تحوّل إنتاج الحديد والفحم في القرن الثامن عشر؟
بدأ التحول بصهر الحديد بفحم الكوك على يد أبراهام داربي الأول في كولبروكديل عام 1709.16 ثم ضاعفت أسطوانات كورت المحززة وعملية التحريك الإنتاج البريطاني أربع مرات خلال عشرين سنة.13 واستُخرج أكثر من عشرة ملايين طن من الفحم سنويًا قبل انتهاء القرن.17
ماذا قرر قانون المصانع 1833 وما الذي تلاه؟
منع تشغيل من هم دون التاسعة في مصانع النسيج، وحدّ من هم بين 9 و13 سنة بتسع ساعات، ومن هم بين 13 و18 سنة باثنتي عشرة ساعة، وحظر العمل الليلي، وفرض ساعتين تعليم يوميًا وأربعة مفتشين.15 ولم يوقف إصداره سوء المعاملة فورًا، كما بيّنت تقارير المفتشين لعامَي 1836 و1867.15
لماذا يصف بعض المؤرخين الثورة الصناعية بأنها «مخفوضة ومضعّفة»؟
لأن نتائج كرافتس وهارلي وآخرين التي نُشرت في تسعينيات القرن العشرين خفّضت تقديرات معدل النمو الاقتصادي في سنوات الثورة الكلاسيكية 1760–1830.5 وقد لخص موكير هذا بأن الثورة الصناعية بوصفها ظاهرة اقتصادية كلية «تقف اليوم مخفوضة ومضعّفة»، وأنها لم تكن مجرد «تصنيع».5
الثورة الصناعية في أرقام
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20