الفصل العنصري في جنوب أفريقيا
الفصل العنصري سياسةٌ منظمة قامت على الفصل العرقي والتمييز السياسي والاقتصادي الموجَّه ضد غير الأوروبيين في جنوب أفريقيا، وقد جسّدت هذه السياسة بنيةً قانونية شاملة أخضعت مختلف مناحي الحياة لمنطق التصنيف العرقي. ولم تكن ه…
الفصل العنصري سياسةٌ منظمة قامت على الفصل العرقي والتمييز السياسي والاقتصادي الموجَّه ضد غير الأوروبيين في جنوب أفريقيا، وقد جسّدت هذه السياسة بنيةً قانونية شاملة أخضعت مختلف مناحي الحياة لمنطق التصنيف العرقي. ولم تكن هذه السياسة نتاجًا عابرًا، بل نظامًا رسميًا تم تقنينه في عام 1948 من قبل الحزب الوطني، الذي حوّل التمييز إلى إطار قانوني صريح يحكم العلاقات بين الجماعات المختلفة. وبموجب هذا النظام، صنّفت قوانين الفصل العنصري الناس إلى مجموعات عرقية وفصلتهم في جميع مجالات الحياة، وهو ما جعل التمييز ممارسة يومية مؤسسية لا مجرد عرف اجتماعي. اتخذ هذا النظام صيغًا قانونية متعددة رسّخت الفصل في التشر…
تعريف الفصل العنصري
الفصل العنصري سياسةٌ منظمة قامت على الفصل العرقي والتمييز السياسي والاقتصادي الموجَّه ضد غير الأوروبيين في جنوب أفريقيا، وقد جسّدت هذه السياسة بنيةً قانونية شاملة أخضعت مختلف مناحي الحياة لمنطق التصنيف العرقي. ولم تكن هذه السياسة نتاجًا عابرًا، بل نظامًا رسميًا تم تقنينه في عام 1948 من قبل الحزب الوطني، الذي حوّل التمييز إلى إطار قانوني صريح يحكم العلاقات بين الجماعات المختلفة. وبموجب هذا النظام، صنّفت قوانين الفصل العنصري الناس إلى مجموعات عرقية وفصلتهم في جميع مجالات الحياة، وهو ما جعل التمييز ممارسة يومية مؤسسية لا مجرد عرف اجتماعي.1
اتخذ هذا النظام صيغًا قانونية متعددة رسّخت الفصل في التشريع والمكان والسكن والتعليم والحركة. فقد صنّف قانون تسجيل السكان لعام 1950 جميع سكان جنوب أفريقيا حسب العرق، وخصّص قانون المناطق الجماعية لعام 1950 مناطق سكنية مختلفة لأعراق مختلفة، مما فصل الجماعات جغرافيًا. وفي مجال التعليم، فصل قانون بانتو للتعليم لعام 1953 المدارس وحدّ من تعليم السود في جنوب أفريقيا، بينما أجبرت قوانين المرور السود في جنوب أفريقيا على حمل وثائق لدخول المناطق البيضاء.2
يتجاوز هذا النظام كونه سياسة داخلية، إذ يعتبر الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، وهو توصيف قانوني وأخلاقي ينزله منزلة الانتهاك الجسيم الذي لا يسقط بالتقادم. وقد توافق هذا التوصيف مع اعتماد الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها في عام 1973، كما سبقه قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1761 لعام 1962 الذي دعا إلى فرض عقوبات على جنوب أفريقيا. وبهذا المعنى، لم يكن الفصل العنصري مجرد تشريع محلي، بل قضية موضع إدانة دولية.3
التأسيس والتقنين
يُعدّ الفصل العنصري سياسة فصل عنصري وتمييز سياسي واقتصادي ضد غير الأوروبيين في جنوب أفريقيا، وقد مثّل هذا النظام بنية شاملة أعادت ترتيب الحياة العامة على أساس عرقي، وامتدّ أثرها إلى الحقوق السياسية والفرص الاقتصادية والانتماء الاجتماعي. ولم يكن هذا النظام نتاج ممارسات متفرقة، بل صيغة حكم مؤسسية تبلورت عبر إجراءات قانونية وإدارية واضحة. وفي هذا السياق، تم تقنين النظام رسميًا في عام 1948 من قبل الحزب الوطني، وهو ما يُعدّ نقطة التأسيس الرسمية للفصل العنصري بوصفه سياسة دولة. وقد أسّس هذا التقنين لمسار طويل من القوانين التي نظّمت الفصل في مختلف مجالات الحياة اليومية.1
انسجامًا مع هذا التقنين، صنّفت قوانين الفصل العنصري الناس إلى مجموعات عرقية وفصلتهم في جميع مجالات الحياة، فتحدّد بذلك موقع الفرد داخل المجتمع بحسب تصنيفه العرقي. وقد ترجمت هذه القوانين إلى تدابير عملية: إذ صنّف قانون تسجيل السكان لعام 1950 جميع سكان جنوب أفريقيا حسب العرق، وخصّص قانون المناطق الجماعية لعام 1950 مناطق سكنية مختلفة لأعراق مختلفة. كما فصل قانون بانتو للتعليم لعام 1953 المدارس وحدّ من تعليم السود في جنوب أفريقيا، وأجبرت قوانين المرور السود في جنوب أفريقيا على حمل وثائق لدخول المناطق البيضاء.2
وهكذا تحوّل الفصل العنصري من سياسة مقنّنة إلى منظومة قانونية متكاملة بلغت ذروتها في هذه التشريعات، مما جعل التمييز العرقي جزءًا من البنية الرسمية للدولة. وقد فُرضت هذه المنظومة في سياق سياسي مثّله الحزب الوطني الذي قنّن النظام رسميًا في عام 1948، فربط بين السلطة والتشريع في بناء نظام فصل عنصري صار لاحقًا موضوعًا للإدانة الدولية. ويعتبر الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية وفق التوصيف الدولي، وهو ما يعكس حجم الأثر الذي خلّفه تقنينه على جنوب أفريقيا والمجتمع الدولي.3
التصنيف العنصري
شكّل التصنيف العنصري حجر الأساس الذي قام عليه نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، إذ كان النظام سياسة فصل عنصري وتمييز سياسي واقتصادي ضد غير الأوروبيين في جنوب أفريقيا، وقد قُنّن هذا النظام رسميًا في عام 1948 من قبل الحزب الوطني، فتحوّل التمييز من ممارسة اجتماعية متفرقة إلى منظومة قانونية شاملة. وقد صنّفت قوانين الفصل العنصري الناس إلى مجموعات عرقية وفصلتهم في جميع مجالات الحياة، بحيث صار الانتماء العرقي هو المعيار الذي يحدد موقع الفرد في الدولة وحقوقه وواجباته وفرصه في التعليم والعمل والسكن والتنقل، وهو ما جعل البنية الاجتماعية بأكملها خاضعة لمنطق التصنيف والتمييز.2
وتجسّد هذا التصنيف في أبرز صوره القانونية من خلال قانون تسجيل السكان لعام 1950، الذي صنف جميع سكان جنوب أفريقيا حسب العرق، فصار كل مواطن مسجلًا ضمن فئة عرقية محددة تحدد مسار حياته. ولم يقتصر الأمر على التسجيل، بل امتد إلى فصل مادي في الفضاء والخدمات، إذ خصص قانون المناطق الجماعية لعام 1950 مناطق سكنية مختلفة لأعراق مختلفة، وفصل قانون بانتو للتعليم لعام 1953 المدارس وحد من تعليم السود في جنوب أفريقيا، بينما أجبرت قوانين المرور السود في جنوب أفريقيا على حمل وثائق لدخول المناطق البيضاء.1
ولم يكن هذا التصنيف مجرد إجراء إداري محايد، بل كان آلية لتكريس التمييز وتوزيع الموارد والفرص وفق معيار عرقي صارم، ما جعله موضع إدانة دولية واسعة. ويعتبر الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، وقد اعتمدت الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها في عام 1973 لتجريم هذه الممارسات على المستوى الدولي. وتكشف هذه المنظومة القانونية عن مدى عمق التصنيف العنصري في بنية الدولة، حيث تحوّل العرق إلى أساس لتنظيم الحياة العامة والخاصة على حد سواء، وهو ما جعل مواجهته معركة قانونية وأخلاقية وسياسية طويلة.4
الفصل في مجالات الحياة
قام نظام الفصل العنصري على تصنيف السكان إلى مجموعات عرقية وفصلهم في جميع مجالات الحياة، فكانت القوانين تحدد لكل شخص انتماءه العرقي وترتب على ذلك موقعه في المجتمع وفي مرافقه وخدماته. وقد جرى هذا التصنيف بموجب قانون تسجيل السكان لعام 1950، الذي صنف جميع سكان جنوب أفريقيا حسب العرق، فصار الانتماء العرقي سمة قانونية ملازمة للفرد تحكم مساره اليومي. ولم يقتصر الأمر على التصنيف، بل امتد إلى التعليم، إذ فصل قانون بانتو للتعليم لعام 1953 المدارس وحد من تعليم السود في جنوب أفريقيا، كما فرضت قوانين المرور على السود حمل وثائق لدخول المناطق البيضاء. وهكذا تحول الفصل من مبدأ سياسي إلى منظومة قانونية شاملة تنظم الحياة اليومية.2
وأعطى قانون المناطق الجماعية لعام 1950 هذا الفصل بعدًا مكانيًا صريحًا، إذ خصص مناطق سكنية مختلفة لأعراق مختلفة، فصارت الجغرافيا الحضرية انعكاسًا مباشرًا للتصنيف العرقي، وعُزل السكان بحسب انتمائهم المفروض. وبذلك لم يكن الفصل العنصري مجرد تمييز في المعاملة، بل كان إعادة تنظيم كاملة للفضاء والمكان والفرص، يُبعد فيها كل جماعة إلى نطاق محدد سلفًا. وقد وصف الفصل العنصري بأنه سياسة فصل عنصري وتمييز سياسي واقتصادي ضد غير الأوروبيين في جنوب أفريقيا، وتم تقنين النظام رسميًا في عام 1948 من قبل الحزب الوطني، فصار إطارًا مؤسسيًا حاكمًا.1
واستمر هذا النظام في فصل الناس في جميع مجالات الحياة حتى تحول إلى جريمة موصوفة في القانون الدولي، إذ اعتُبر الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، واعتمدت الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها في عام 1973. وجاء هذا الموقف الدولي بعد أن دعا قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1761 لعام 1962 إلى فرض عقوبات على جنوب أفريقيا. وقد انتهى هذا النظام في نهاية المطاف بعد أن أجرت جنوب أفريقيا أول انتخابات ديمقراطية لها في عام 1994، مما أدى إلى نهاية الفصل العنصري.5
التعليم والمرور
شكّل التعليم أحد أكثر مجالات الفصل العنصري أثرًا في تشكيل حياة السود في جنوب أفريقيا، إذ إن قانون بانتو للتعليم لعام 1953 فصل المدارس وحد من تعليم السود في جنوب أفريقيا، وهو إجراء جاء في سياق منظومة قوانين الفصل العنصري التي صنفت الناس إلى مجموعات عرقية وفصلتهم في جميع مجالات الحياة. ولم يكن هذا القانون معزولًا عن باقي التشريعات، بل كان امتدادًا لسياسة الفصل العنصري بوصفها سياسة فصل عنصري وتمييز سياسي واقتصادي ضد غير الأوروبيين في جنوب أفريقيا، وهي السياسة التي تم تقنين نظامها رسميًا في عام 1948 من قبل الحزب الوطني. وقد ترافق تجزئة التعليم مع تجزئة المكان، إذ خصص قانون المناطق الجماعية لعام 1950 مناطق سكنية مختلفة لأعراق مختلفة، فصار الفصل بين السود والبيض ممارسة يومية في المدرسة والحي على حد سواء ..2
وفي موازاة فصل المدارس، قيّدت قوانين المرور حركة السود وجعلت التنقل مشروطًا بحمل وثائق، إذ أجبرت قوانين المرور السود في جنوب أفريقيا على حمل وثائق لدخول المناطق البيضاء. وقد عملت هذه القوانين جنبًا إلى جنب مع قانون تسجيل السكان لعام 1950 الذي صنف جميع سكان جنوب أفريقيا حسب العرق، فصار تحديد هوية الشخص العرقية هو الأساس الذي يحدد أين يعيش وأين يتعلم وهل يُسمح له بدخول المناطق المخصصة للبيض. وعلى هذا النحو تحولت الوثائق الشخصية إلى أداة إدارية للفصل اليومي، وأصبح القانون نفسه وسيلة لتنظيم حياة الناس لا لحمايتها ..2
وقد انعكست هذه السياسات التعليمية والمرورية بعمق على مجرى التاريخ الجنوب أفريقي، فتأسس المؤتمر الوطني الأفريقي في عام 1912 لتوحيد الأفارقة ضد التمييز، ثم واصل نضاله في مواجهة تشريعات الفصل التي شملت التعليم والتنقل والمسكن. ولم يكن الفصل العنصري في نظر المجتمع الدولي مسألة داخلية فحسب، بل اعتُبر جريمة ضد الإنسانية، ودعا قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1761 لعام 1962 إلى فرض عقوبات على جنوب أفريقيا. وبذلك ارتبط فصل المدارس وتقييد المرور بسياق أوسع من الإدانة الدولية التي طالت المنظومة العنصرية برمّتها ..2
المقاومة الأولى: شاربفيل وحظر المؤتمر الوطني الأفريقي
في عام 1912، تأسس المؤتمر الوطني الأفريقي ليكون إطارًا جامعًا يوحّد الأفارقة في مواجهة التمييز الذي كانوا يعانون منه. وقد جاء هذا التأسيس في مرحلة كانت فيها سياسات الفصل والتمييز تترسخ تدريجيًا في جنوب أفريقيا، ما جعل الحاجة إلى صوت منظم يعبّر عن مطالب الأفارقة أمرًا ملحًّا. ومع أن الفصل العنصري لم يكن قد تقنن رسميًا بعد، فإن المظالم التي دفعَت إلى إنشاء المؤتمر ظلت تتفاقم حتى بلغت ذروتها مع تقنين النظام رسميًا في عام 1948 من قبل الحزب الوطني. ومنذ ذلك الحين، صار المؤتمر الوطني الأفريقي القوة الرئيسية التي قادت النضال ضد سياسة الفصل العنصري.6
بلغت المواجهة نقطة تحول حاسمة في 21 مارس 1960، حين أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين في شاربفيل، مما أسفر عن مقتل 69 شخصًا. وقد كشف هذا الحدث عن الوجه العنيف للنظام، وأثار موجة من الإدانة داخل جنوب أفريقيا وخارجها، بوصفه مثالًا صارخًا على القمع الذي تواجهه المعارضة السلمية. ولم يمر أسبوعان على المذبحة حتى تم حظر حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في 8 أبريل 1960، في خطوة أغلقت أمامه قنوات العمل العلني وأجبرته على إعادة ترتيب أوضاعه وأساليبه في مواجهة النظام.7
شكّل الحظر تحوّلًا في مسار المقاومة، إذ انتقل المؤتمر الوطني الأفريقي إلى العمل في ظروف السرية والمنفى، بعد أن فقد إمكانية التنظيم العلني. ولم يوقف ذلك مسار النضال، بل أدى إلى تصعيده وامتداده إلى أشكال أخرى من المواجهة. وقد ظل هذا المسار متصلًا حتى تجاوزت المطالبات بإنهاء الفصل العنصري حدود جنوب أفريقيا، وصولًا إلى مرحلة الانتفاضات الجماهيرية والمطالبات الدولية، لتظل محطة شاربفيل وحظر المؤتمر نقطة انطلاق أساسية في تاريخ مقاومة الفصل العنصري.2
محاكمة ريفونيا وسجن مانديلا
شكّلت محاكمة ريفونيا محطة مفصلية في تاريخ الصراع ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، إذ أُجريت هذه المحاكمة بين عامي 1963 و1964 وأدت إلى سجن نيلسون مانديلا وقادة آخرين. وقد جاءت هذه المحاكمة في أعقاب حظر حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في 8 أبريل 1960، وهو الحزب الذي كان قد تأسس في عام 1912 لتوحيد الأفارقة ضد التمييز. ولم تكن هذه الإجراءات القمعية منفصلة عن سياق أوسع من المقاومة والاضطهاد، بل جاءت بعد أحداث شاربفيل في 21 مارس 1960 حين أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين مما أسفر عن مقتل 69 شخصًا. وهكذا انتقل الصراع من الاحتجاج الجماهيري إلى ساحات المحاكم والسجون.8
أسفرت محاكمة ريفونيا عن سجن نيلسون مانديلا لمدة 27 عامًا، من 1964 إلى 1990، في واحدة من أطول فترات السجن السياسي التي شهدها القرن العشرون. وقد امتدت هذه السنوات عبر عقود شهدت تصاعدًا في المقاومة الداخلية والعزلة الدولية لنظام الفصل العنصري. ففي عام 1962 دعا قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1761 إلى فرض عقوبات على جنوب أفريقيا، ثم اعتمدت الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها في عام 1973، في تأكيد متزايد على أن الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية. وبقيت مطالبة الحركة المناهضة للفصل العنصري بتحرير مانديلا محورًا للنضال طوال تلك العقود.2
لم يقتصر أثر السجن على مانديلا وحده، بل ارتبطت سنوات احتجازه بموجات مقاومة واسعة داخل جنوب أفريقيا، من أبرزها انتفاضة سويتو التي بدأت في 16 يونيو 1976 كاحتجاج على استخدام اللغة الأفريكانية في مدارس السود، وقُتل فيها المئات. وقد ظل مانديلا في السجن حتى أُطلق سراحه في 11 فبراير 1990، لتبدأ مرحلة جديدة من التفاوض والتحول السياسي أسفرت عن حصوله مع ف.و. دي كليرك على جائزة نوبل للسلام في عام 1993، ثم إجراء أول انتخابات ديمقراطية في عام 1994 التي أدت إلى نهاية الفصل العنصري.9
انتفاضة سويتو
شكّل قرار السلطات باستخدام اللغة الأفريكانية لغةً للتعليم في مدارس السود الشرارة التي فجّرت انتفاضة سويتو في السادس عشر من يونيو عام 1976، حين خرج التلاميذ في احتجاج على هذا القرار. ولم يكن هذا الاحتجاج وليد اللحظة، بل جاء في سياق نظام فصل عنصري راسخ صنّف الناس إلى مجموعات عرقية وفصلهم في جميع مجالات الحياة، ورسّخ قانون بانتو للتعليم لعام 1953 فصل المدارس وتقييد التعليم لل سود في جنوب أفريقيا. فكان استخدام الأفريكانية في التعليم امتدادًا لسياسة أوسع تهدف إلى إخضاع السود وإقصائهم، وهو ما دفع التلاميذ إلى رفضها والاحتجاج عليها في شوارع سويتو.9
واجهت السلطات الاحتجاج بالقوة، فقُتل المئات في انتفاضة سويتو، وهو ما جعلها واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ مقاومة الفصل العنصري. وقد وقعت هذه الأحداث في سياق تصاعد القمع والرفض لسياسات النظام، حيث كان الفصل العنصري يُصنّف الناس عرقيًا ويحرمهم من الحقوق. وأظهرت سقوط الضحايا بالمئات حجم العنف الذي مارسته الدولة ضد المتظاهرين، مما أثار موجة من الإدانة والاحتجاج داخل جنوب أفريقيا وخارجها على حد سواء.9
مثّلت انتفاضة سويتو نقطة تحول في مسار المقاومة ضد نظام الفصل العنصري، إذ كشفت للعالم حجم القمع الذي يواجهه السود. وقد جاءت هذه الانتفاضة بعد سنوات من سياسات التمييز، بما في ذلك قوانين المرور التي أجبرت السود على حمل وثائق لدخول المناطق البيضاء. وأكدت الأحداث أن الاحتجاج السلمي على سياسات التعليم القائمة على التمييز قد يواجه بعنف ممنهج، مما عزز عزيمة الحركة المناهضة للفصل العنصري في الداخل والخارج على مواصلة الكفاح ضد النظام.9
الإدانة الدولية والعقوبات
لم يقتصر رفض نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا على المعارضة الداخلية، بل امتد إلى الساحة الدولية حيث جرى وصفه بأنه جريمة ضد الإنسانية، وهو توصيف يعكس إدراك المجتمع الدولي لخطورة السياسات القائمة على الفصل العنصري والتمييز السياسي والاقتصادي ضد غير الأوروبيين في جنوب أفريقيا. وفي هذا الإطار، برزت تحركات الأمم المتحدة كأحد أبرز أشكال الإدانة الدولية، إذ تجاوزت حدود البيان الأخلاقي إلى السعي لفرض تدابير ملموسة. وقد تجسد هذا التوجه بوضوح في قرار مجلس الأمن، الذي شكّل نقطة تحول في مقاربة المنظمة الدولية لملف الفصل العنصري، وربط بين استمرار النظام وعزلة جنوب أفريقيا على الساحة العالمية.3
جاء قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1761 لعام 1962 خطوة محورية في مسار الإدانة الدولية، إذ دعا صراحة إلى فرض عقوبات على جنوب أفريقيا. وقد حمل هذا القرار دلالة مزدوجة، فهو من جهة أقر بأن سياسات الفصل العنصري لم تعد شأنًا داخليًا يقتصر على حدود الدولة، ومن جهة أخرى فتح الباب أمام أدوات ضغط جماعية تهدف إلى ردع النظام. وعلى الرغم من أن القرار اتخذ صيغة الدعوة، فإنه أسّس لإطار مرجعي استندت إليه لاحقًا مواقف دولية أوسع، ما جعل عام 1962 علامة فارقة في تاريخ المواجهة الدولية مع نظام الفصل العنصري.10
توّجت الجهود الدولية بخطوة قانونية بالغة الأثر تمثلت في اعتماد الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها في عام 1973. وقد نقلت هذه الاتفاقية التعامل مع الفصل العنصري من مستوى الإدانة السياسية إلى مستوى التجريم القانوني الملزم، بما يقتضيه ذلك من مساءلة ومعاقبة. وشكّل اعتمادها تتويجًا لمسار بدأ بإدانة الممارسات العنصرية ووصل إلى صياغة أداة قانونية دولية تعرّف الجريمة وتقرر العقاب. وهكذا انتقلت المواجهة الدولية مع الفصل العنصري من دائرة القرارات الداعية إلى دائرة الالتزامات القانونية، مما عزّز عزلة النظام وضغط باتجاه إنهائه.4
الإفراج عن مانديلا ونهاية الفصل العنصري
شكّل الإفراج عن نيلسون مانديلا من السجن في 11 فبراير 1990 منعطفًا حاسمًا في مسار جنوب أفريقيا، إذ جاء بعد سجن دام سبعة وعشرين عامًا امتد من عام 1964 إلى عام 1990، وهو السجن الذي كان قد أُفضى إليه نتيجة محاكمة ريفونيا التي جرت بين عامي 1963 و1964 وأدت إلى سجن مانديلا وقادة آخرين. وقد راكمت هذه المرحلة الطويلة من القمع إرثًا ثقيلًا بدأ منذ أن صنّفت قوانين الفصل العنصري الناس إلى مجموعات عرقية وفصلتهم في جميع مجالات الحياة، وامتد عبر حظر المؤتمر الوطني الأفريقي في 8 أبريل 1960، بعد مذبحة شاربفيل التي شهدت مقتل 69 شخصًا برصاص الشرطة في 21 مارس 1960.2
وفي خضم التحول السياسي المتسارع، مُنحت جائزة نوبل للسلام لعام 1993 إلى نيلسون مانديلا وف.و. دي كليرك تقديرًا لجهودهما في إنهاء نظام الفصل العنصري. ولم يكن هذا التتويج الدولي منفصلًا عن سياق أوسع من الإدانة العالمية التي لازمَت هذا النظام طوال عقود؛ فقد كان الفصل العنصري يُعتبر جريمة ضد الإنسانية، وكانت الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها قد اعتُمدت في عام 1973، كما كان قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1761 لعام 1962 قد دعا إلى فرض عقوبات على جنوب أفريقيا.11
وقد تُوّج هذا المسار بإجراء جنوب أفريقيا أول انتخابات ديمقراطية لها في عام 1994، وهو الحدث الذي أفضى إلى نهاية الفصل العنصري، وطوى صفحة نظام كان قد تقنّن رسميًا في عام 1948 من قبل الحزب الوطني، وكرّس التمييز السياسي والاقتصادي ضد غير الأوروبيين في جنوب أفريقيا. وبهذا الانتقال الانتخابي انتهت حقبة كاملة من الفصل المنهجي بين السكان، بعد أن كانت قوانين مثل قانون تسجيل السكان لعام 1950 وقانون المناطق الجماعية لعام 1950 قد أرسَت أسس هذا التقسيم في الحياة العامة.5
العلاقات
المصادر والاستشهادات
كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11