غاليليو غاليلي

غاليليو غاليلي فلكي وفيزيائي ورياضياتي إيطالي، يُعدّ من أبرز الأسماء في تاريخ الفكر العلمي الحديث . اسمه الكامل غاليليو دي فينتشنزو بونايوتي دي غاليلي ، وغالباً ما يُلقب بأبي العلم الحديث .

غاليليو غاليلي فلكي وفيزيائي ورياضياتي إيطالي، يُعدّ من أبرز الأسماء في تاريخ الفكر العلمي الحديث . اسمه الكامل غاليليو دي فينتشنزو بونايوتي دي غاليلي ، وغالباً ما يُلقب بأبي العلم الحديث . وقد كان شخصية محورية في الثورة العلمية التي غيّرت مسار المعرفة الأوروبية . ويُعتبر رائداً للمنهج العلمي الذي يقوم على الملاحظة والتجربة .

المقدمة والتعريف بالشخصية

غاليليو غاليلي فلكي وفيزيائي ورياضياتي إيطالي، يُعدّ من أبرز الأسماء في تاريخ الفكر العلمي الحديث 1. اسمه الكامل غاليليو دي فينتشنزو بونايوتي دي غاليلي 1، وغالباً ما يُلقب بأبي العلم الحديث 2. وقد كان شخصية محورية في الثورة العلمية التي غيّرت مسار المعرفة الأوروبية 3. ويُعتبر رائداً للمنهج العلمي الذي يقوم على الملاحظة والتجربة . هذا الموقع المزدوج، بين كونه راصداً للسماء ومشرّعاً لقواعد البحث، جعله نقطة التقاء بين الفلك والفيزياء والرياضيات في لحظة تاريخية حاسمة من تاريخ العلم.3

لقد جمع منهج غاليليو بين الرصد والتجريب 4، وهي سمة جعلته يُذكر لمنهجه التجريبي في العلم 5. وقد كان هذا النهج أساس إسهاماته في علم الفلك والفيزياء، وهي إسهامات تعترف بها اليونسكو 5. كما امتدّ عطاؤه إلى مجالات القياس والآلات، إذ اخترع الترموسكوب، وهو مقياس حرارة مبكر 1، وعمل أيضاً على تصميم ساعة بندولية . وتكشف هذه الأعمال المتنوعة عن عقل موسوعي لم يقتصر اهتمامه على النظر في السماء، بل امتدّ إلى قياس الظواهر الأرضية وضبطها بأدوات دقيقة.1

ظلّ أثر غاليليو ممتداً في العلم الحديث، إذ مهدت اكتشافاته الطريق لعلم الفلك الرصدي الحديث 5، ولا يزال إرثه مصدر إلهام للعلماء حتى اليوم 5. وقد تجلّى هذا التقدير في تسمية مركبة الفضاء غاليليو التابعة لناسا تكريماً له 6. وبذلك يتجاوز حضور غاليليو حدود عصره ليصبح رمزاً للبحث العلمي القائم على الملاحظة والتجريب، وشخصية لا يمكن فهم تطور العلم الحديث بمعزل عنها ..3

النشأة والوالد والتعليم

وُلد غاليليو غاليلي في بيزا في 15 فبراير 1564، وهو الحدث الذي تفتتح به سجلات حياته العلمية التي امتدت عبر العقود التالية. وقد كان اسمه الكامل غاليليو دي فينتشنزو بونايوتي دي غاليلي، وهو اسم يحمل في بنيته إشارة إلى نسبه العائلي المباشر. نشأ في بيئة إيطالية مزدهرة بالمعارف الإنسانية والفنية في القرن السادس عشر، حيث كانت مدن مثل بيزا وفلورنسا مراكز للنشاط الفكري والعلمي. وقد ظل هذا السياق المكاني حاضراً في مسيرته اللاحقة، إذ شغل مناصب أكاديمية في مدن إيطالية مختلفة، من بينها بيزا وبادوا، مما جعل تكوينه الأول نقطة انطلاق نحو آفاق أوسع.1

كان والد غاليليو، فينتشنزو غاليلي، موسيقياً ومنظراً موسيقياً، وهو وصف يبين أن البيت الذي نشأ فيه غاليليو لم يكن بعيداً عن التأمل النظري والاشتغال بالمسائل المعرفية. فقد جمع والده بين الممارسة الموسيقية والتأليف في قضايا الموسيقى، وهو توجه يمكن اعتباره تمهيداً مبكراً لصلة غاليليو بالرياضيات والفيزياء. ولم تكن هذه الخلفية العائلية مجرد تفصيل ثانوي، بل جزءاً من مناخ فكري شجع على الملاحظة والقياس والتفكير المنظم، وهي عناصر ظهرت لاحقاً في أعمال غاليليو العلمية.7

درس غاليليو الطب في جامعة بيزا قبل أن يتجه إلى الرياضيات، وهو تحول يلخص ملامح تكوينه الأكاديمي الأول. فقد بدأ مساره الجامعي في مجال طبي، ثم انصرف نحو الرياضيات التي أصبحت لاحقاً محور أعماله وشغل مناصب أكاديمية فيها. ويُظهر هذا الانتقال من الطب إلى الرياضيات اتجاهاً نحو العلوم الكمية، الأمر الذي تجلى في مسيرته بوصفه فلكياً وفيزيائياً ورياضياتياً إيطالياً. وقد شغل كرسي الرياضيات في جامعة بيزا ثم في جامعة بادوا، مما يؤكد أن تحوله الأكاديمي الأول صار أساساً لعقود من التدريس والبحث.1

المسيرة الأكاديمية والمناصب

شغل غاليليو غاليلي كرسي الرياضيات في جامعة بيزا ثم في بادوا، وهو مسار أكاديمي انتقل به من موطنه الأصلي إلى واحدة من أبرز الجامعات في شمال إيطاليا في عصره. وفي جامعة بادوا تولّى أستاذية الرياضيات في الفترة الممتدة من عام 1592 إلى عام 1610، وهي فترة امتدت ثمانية عشر عاماً أنجز خلالها كثيراً من أعماله العلمية. وقد سبق له أن درس الطب في جامعة بيزا قبل أن يتجه إلى الرياضيات، ما يوضح أن تخصصه الرياضي لم يكن خطاً أولياً في تعليمه بل تحولاً مقصوداً في مساره الفكري.7

وبعد مسيرته في بادوا، عُيّن غاليليو رياضياً وفيلسوفاً لدوق توسكانا الأكبر، وهو منصب جمع بين المهام العلمية والمكانة البلاطية في آن واحد. وقد عزّز هذا التعيين موقعه في المشهد العلمي الأوروبي، إذ بات في خدمة أحد أبرز مراكز السلطة في شبه الجزيرة الإيطالية. وتزامن هذا المنصب مع مرحلة غنية بالإنجازات الرصدية والفكرية، من بينها إسهاماته التي جعلته شخصية محورية في الثورة العلمية. ولم يكن هذا التعيين مجرد شرف رمزي، بل امتداداً طبيعياً لسمعته الأكاديمية التي بناها خلال سنوات تدريسه في الجامعة.7

ويُذكر غاليليو في هذا السياق الأكاديمي بأنه فلكي وفيزيائي ورياضياتي إيطالي، وهي صفات تلتقي جميعها في مساره المهني بين التدريس الجامعي والخدمة في البلاط. وقد كرّست هذه المسيرة مكانته بوصفه رائداً للمنهج العلمي الذي يجمع بين الرصد والتجريب، وهو ما جعل إرثه مستمراً في التأثير على أجيال من العلماء. وبذلك يمكن القول إن انتقاله من كرسي الرياضيات في الجامعة إلى منصب الرياضي والفيلسوف لدى دوق توسكانا الأكبر يختصر مساراً أكاديمياً انتقل فيه من التعليم إلى الخدمة العلمية المباشرة.1

أعماله في الفيزياء والميكانيكا

يُعدّ غاليليو غاليلي أحد أبرز من أسهموا في تأسيس الفيزياء الحديثة، إذ صاغ قانون الأجسام الساقطة ومبدأ القصور الذاتي، وهما إنجازان شكّلا نقطة تحوّل في فهم الحركة. ولم يقتصر عمله على الصياغة النظرية، بل أجرى تجارب عملية على المستويات المائلة لدراسة التسارع، مما أتاح له قياس خصائص الحركة المتسارعة بدقة غير مسبوقة. كما أظهر أن جميع الأجسام تسقط بنفس المعدل في الفراغ، وهي نتيجة تناقضت مع الفهم السائد في عصره. وقد اعتمد منهجاً يجمع بين الرصد والتجريب، مما جعله رائداً في المنهج العلمي.4

كان لأعمال غاليليو في الحركة أثر عميق في إسحاق نيوتن، إذ مهّدت قوانينه في الحركة الطريق أمام الصياغة اللاحقة لقوانين نيوتن الثلاثة. فقانون الأجسام الساقطة ومبدأ القصور الذاتي اللذان صاغهما غاليليو شكّلا الأساس الذي بنى عليه نيوتن تفسيره للحركة، مما جعل عمل غاليليو مقدمة ضرورية لهذا التطور العلمي. وقد تجلّى هذا التأثير في القوانين التي وضعها نيوتن لاحقاً، والتي هيمنت على الفيزياء الكلاسيكية لقرون. وهكذا انتقل علم الحركة من ملاحظات غاليليو التجريبية إلى منظومة نيوتن الرياضية الشاملة.2

لم تقتصر إسهامات غاليليو على الحركة فحسب، بل امتدت لتشمل مجالات متعددة في الفيزياء. فقد اخترع الترموسكوب، وهو مقياس حرارة مبكر، وعمل أيضاً على تصميم ساعة بندولية. وقد ترك هذا التنوع في اهتماماته بصمة واضحة في تاريخ العلم، مما جعل اليونسكو تعترف بإسهاماته في علم الفلك والفيزياء. ولا يزال إرثه العلمي مصدر إلهام للعلماء حتى اليوم، سواء في مجالات الفيزياء أو الفلك. وقد ساعدت هذه الإنجازات المتنوعة في ترسيخ مكانته كشخصية محورية في الثورة العلمية.5

تحسين التلسكوب والأرصاد الفلكية

يُعدّ تحسين غاليليو غاليلي للتلسكوب نقطة تحوّل في مسار الرصد الفلكي، إذ لم يقتصر عمله على صناعة أداة بصرية بل استخدمها في رصد السماء رصداً منهجياً. وقد بلغت القوة التكبيرية لتلسكوبه نحو ثلاثين مرة، وهي نسبة مكّنته من تجاوز حدود الرؤية المجردة إلى تفاصيل لم يسبق أن شوهدت. وقد حفظ هذا التلسكوب الأصلي في متحف غاليليو في فلورنسا، حيث لا يزال قائماً حتى اليوم شاهدةً مادية على بداية عهد جديد في علم الفلك. وبهذه الأداة المحسّنة، انتقل غاليليو من الملاحظة العابرة إلى الرصد المنظّم الذي غيّر فهم الإنسان للكون.8

وجّه غاليليو تلسكوبه نحو القمر، فكشفت له أرصاده أن سطحه ليس كتلة ملساء متجانسة، بل يحتوي على جبال وفوهات. وإذ رصد البقع الشمسية، لم يكتفِ بوصفها العابر، بل استنتج منها أن الشمس نفسها تدور. كما مدّ بصره إلى مجرة درب التبانة، فوجد أنها ليست سديماً متصلاً، بل تتكوّن من عدد هائل من النجوم. وتشكّل هذه الأرصاد مجتمعةً، بالقمر والشمس ودرب التبانة، دعائم رصدية جديدة أسهمت في نقل علم الفلك من التخمين الفلسفي إلى المشاهدة المباشرة.9

لم يكن تحسين التلسكوب في نظر غاليليو غاية قائمة بذاتها، بل وسيلة لاختبار الرؤى الكونية اختباراً مباشراً. فقد استخدمه في رصد الأجرام التي كانت موضع جدل، فجمع بين دقة الأداة وشجاعة الاستنتاج. وهكذا صار التلسكوب المحسّن أداةً للرصد والبرهان في آنٍ واحد، تُخضع الفرضيات لمحك المشاهدة. وقد دفع هذا النهج الرصدي غاليليو إلى موقع متقدّم في تاريخ علم الفلك، حيث ربط بين تطوير الآلة وتطوير المعرفة.10

أقمار المشتري والأقمار الغاليلية

في عام 1610، اكتشف غاليليو غاليلي أكبر أربعة أقمار للمشتري، وهو اكتشاف غيّر خريطة السماء المعروفة آنذاك.6 ولم يكن هذا الاكتشاف متاحاً لولا التحسينات التي أدخلها غاليليو على التلسكوب، إذ أتاحت له هذه التحسينات رؤية أقمار المشتري التي تعذّر رصدها بالعين المجردة.1 وقد شكل وجود أربعة أقمار تدور حول المشتري تحدياً مباشراً للرؤية الأرضية المركز التي كانت سائدة، لأنها أظهرت أن ليس كل الأجسام السماوية تدور حول الأرض.9 وهكذا تحوّل اكتشاف أقمار المشتري إلى حجة رصدية قوية أضعفت التصور القديم للكون.6

تُعرف هذه الأقمار اليوم بالأقمار الغاليلية، نسبة إلى غاليليو الذي رصدها أولاً.6 وهي أربعة: آيو، وأوروبا، وغانيميد، وكاليستو، وقد سُميت هذه الأقمار على أسماء عشاق زيوس في الأساطير اليونانية.6 ويجمع هذا التسمية بين الرصد الفلكي الحديث والإرث الأسطوري القديم.6 ولم يكن هذا الاكتشاف حدثاً عابراً في مسيرة غاليليو، بل مثل نقطة تحول في فهم بنية النظام الشمسي.6 فقد أظهر أن هناك عوالم تدور حول غير الأرض، مما مهد الطريق لعلم الفلك الرصدي الحديث.5

دعمه للنظام الشمسي المركز

أدّى رصد غاليليو غاليلي لأطوار الزهرة دوراً حاسماً في دعمه للنموذج الشمسي المركز؛ إذ قدّمت هذه الأطوار دليلاً رصدياً يتوافق مع فكرة دوران الكواكب حول الشمس، مما عزّز موقف النموذج الذي يضع الشمس في المركز. وقد رأى غاليليو في هذه المشاهدات برهاناً ملموساً يؤيد التصور الكوبرنيكي للكون، وسجّل معطياته الفلكية ضمن سياق أوسع من الأرصاد التي قام بها بواسطة التلسكوب، فغدت أطوار الزهرة حجة بصرية يمكن الاستناد إليها في الجدل الكوني.10

لم تقتصر دلالة أطوار الزهرة عند غاليليو على كونها ظاهرة فلكية عابرة، بل اعتبرها إثباتاً مباشراً على أن الزهرة تدور حول الشمس؛ وهو استنتاج يتجاوز مجرد الوصف إلى تأكيد العلاقة الحركية بين الكوكب والشمس. وقد دافع غاليليو عن النظام الكوبرنيكي الذي يضع الشمس في مركز الكون، فوجد في هذه الأطوار ما يعزز صحة هذا النظام في مواجهة التصورات المنافسة. وهكذا ربط بين الرصد والتأويل النظري، فصارت أطوار الزهرة عنصراً أساسياً في حجته لصالح مركزية الشمس ضمن النقاش الفلكي في عصره.8

في مرحلة أولى، سُمح لغاليليو بتدريس النظام الكوبرنيكي كفرضية، أي كإطار نظري يمكن مناقشته دون الجزم بصحته الكونية. وقد أتاح له هذا السماح الأولي عرض الأفكار التي تضع الشمس في مركز الكون ضمن حدود التفسير الفرضي، قبل أن تتغير الظروف لاحقاً. ويُظهر هذا التسلسل كيف بدأ قبول النظام الكوبرنيكي في الأوساط التي كان غاليليو يخاطبها بوصفه فرضية قابلة للتدريس، بينما ظل الدفاع الصريح عن مركزية الشمس موقفاً يتطلب حذراً متزايداً في تلك المرحلة.9

كتاب الحوار والمحاكمة

في عام 1632، نشر غاليليو غاليلي كتابه «حوار حول أكبر نظامين في العالم»، وهو العمل الذي جمع فيه خلاصة دفاعه عن النظام الكوبرنيكي الذي يضع الشمس في مركز الكون. وقد رأى معاصروه في هذا الكتاب دفاعاً صريحاً عن مركزية الشمس، وهو ما أدى مباشرة إلى محاكمة غاليليو. ولم يقتصر أثر الكتاب على الجدل العلمي، بل أُدرج في قائمة الكتب المحظورة، في إجراء يعكس حجم الحساسية التي أثارها مضمونه في الأوساط الكنسية. وهكذا تحول الكتاب من عمل فكري إلى وثيقة محورية في الصراع بين رؤية غاليليو العلمية والسلطة الدينية في القرن السابع عشر. 9 1

في عام 1633، حوكم غاليليو غاليلي من قبل محاكم التفتيش الرومانية بتهمة الهرطقة. وقد جرت المحاكمة في روما في العام نفسه، حيث واجه غاليليو اتهاماً مباشراً استند إلى دعمه مركزية الشمس. وانتهت هذه المحاكمة بإجباره على التنصل من آرائه الشمسية المركزية، وهو إجراء قصد به إبطال موقفه العلمي علناً. ولم تقتصر العقوبة على التنصل، بل حُكم عليه بالإقامة الجبرية لبقية حياته، فصار مثلاً على المصير الذي يمكن أن يلقاه عالم يخالف الموقف الرسمي للكنيسة في مسائل الكون. 11

لقد ارتبطت إدانة الكنيسة لغاليليو غاليلي ارتباطاً وثيقاً بدعمه مركزية الشمس، فكان هذا الدعم هو الأساس الذي بُنيت عليه التهمة والحكم. ولم يكن هذا الموقف مجرد مسألة فلكية، بل أصبح رمزاً للتوتر بين العلم والدين في تلك المرحلة. وقد ظل أثر هذه الإدانة قائماً قروناً طويلة، إلى أن أُبطلت إدانة الكنيسة لغاليليو رسمياً في عام 1992، في خطوة مثّلت مراجعة تاريخية لموقف سابق. وهكذا يظل كتاب الحوار والمحاكمة نقطة تحول في تاريخ العلاقة بين العلم والمؤسسة الدينية. 11 3

فلسفته ومكانته في تاريخ العلم

يُعدّ غاليليو غاليلي من أبرز العقول التي غيّرت مسار المعرفة الإنسانية، إذ جادل بأن كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات، فرأى في القوانين الرياضية مفتاحاً لفهم العالم الطبيعي 12. وميّز في تحليله للأجسام بين الصفات الأولية والصفات الثانوية، فاعتبر الأولى خصائص موضوعية قابلة للقياس، بينما عدّ الثانية انطباعات حسية مرتبطة بالمدرك لا بالشيء ذاته 12. وقد جمع في منهجه بين الرصد والتجريب، فلم يكتفِ بالملاحظة العابرة بل اقترن عنده النظر بالتجربة المنظمة التي تختبر الفرضيات وتتحقق منها 4. وبهذا المزيج بين التجريد الرياضي والتحقق التجريبي صنع غاليليو طريقة جديدة في تناول الظواهر الفيزيائية والفلكية على حد سواء ..4

يُذكر غاليليو لمنهجه التجريبي في العلم، فقد صاغ منهجاً يقوم على الملاحظة الدقيقة والاختبار العملي بدلاً من الاعتماد على السلطة المجردة 5. وكانت له مكانة محورية في الثورة العلمية التي أطاحت بالتصورات القديمة وأسست لفهم جديد للكون 3. وقد صيغت أعماله في الحركة والأجسام الساقطة بحيث مهّدت الطريق لقوانين نيوتن اللاحقة، مما يبرز دوره الرائد في المنهج العلمي واعتباره من روّاده الأوائل 3. وهكذا جمع بين الرصد والقياس والاستنتاج، فغدا نموذجاً للعالم الذي يختبر أفكاره بدل أن يسلّم بها مسبقاً ..3

تعترف اليونسكو بإسهامات غاليليو في علم الفلك والفيزياء، وتقرّ بأثر اكتشافاته في تأسيس علم الفلك الرصدي الحديث 5. ولا يزال إرثه مصدر إلهام للعلماء حتى اليوم، إذ يُستشهد بمنهجه ونتائجه في مختلف فروع الفيزياء والفلك 5. ويبقى اسمه مرتبطاً بالتحول العميق الذي شهدته المعرفة العلمية في عصره، حين انتقل البحث من التأمل النظري إلى الفحص التجريبي المنظم 5. وبهذا المزيج من الجرأة الفكرية والدقة المنهجية رسّخ غاليليو مكانته كواحد من أهم من أسهموا في تشكيل العلم الحديث، وأضحت أعماله مرجعاً يحتذى في درس الطبيعة ..5

علاقته بالكنيسة وإرثه وتكريمه

شكّل صراع غاليليو غاليلي مع الكنيسة رمزاً خالداً للتوتر بين العلم والدين، وبات حدثاً رئيسياً في تاريخ العلم. وقد استندت إدانة الكنيسة له إلى دعمه مركزية الشمس، منتهياً إلى محاكمة جرت في روما عام 1633 بتهمة الهرطقة، أُجبر فيها على التنصل من آرائه الشمسية المركزية، وحُكم عليه بالإقامة الجبرية لبقية حياته. وقد شكّلت محاكمته وإدانته نقطة تحول في العلاقة بين العلم والكنيسة. أما كتابه «حوار حول أكبر نظامين في العالم»، الذي نُشر عام 1632، فقد أُدرج في قائمة الكتب المحظورة، بعد أن اعتُبر دفاعاً عن مركزية الشمس أدى إلى محاكمته.11

لم يكن ذلك الصراع خاتمة المطاف في علاقة الكنيسة بغاليليو؛ فقد أُبطلت إدانتها له رسمياً في عام 1992، وفي العام نفسه اعترف البابا يوحنا بولس الثاني بخطأ الكنيسة في إدانته. وعلى الصعيد العلمي، لم يقتصر إرثه على الرصد الفلكي، إذ مهّدت اكتشافاته الطريق لعلم الفلك الرصدي الحديث، اخترع خلاله الترموسكوب، وهو مقياس حرارة مبكر، وعمل أيضاً على تصميم ساعة بندولية. وقد رصد مجرة درب التبانة ووجد أنها تتكون من نجوم، وأتاحت له تحسيناته للتلسكوب رؤية أقمار المشتري.6

تكريماً له، سُميت مركبة الفضاء غاليليو التابعة لناسا باسمه، وهي التي درست المشتري وأقماره من عام 1995 إلى عام 2003. وتحفظ رسائل ابنته الأخت ماريا تشيليستي نظرة ثاقبة عن حياته اللاحقة تحت الإقامة الجبرية. توفي في أرتريتي في 8 يناير 1642، تاركاً إرثاً لا يزال مصدر إلهام للعلماء حتى اليوم، في منهج جمع بين الرصد والتجريب، جعله يُعتبر رائداً للمنهج العلمي، وشخصية محورية في الثورة العلمية.1

العلاقات

المصادر والاستشهادات

كل معلومة في هذا المقال مستمدة من المصادر أدناه، والأرقام بين قوسين في النص تشير إلى المصدر المقابل.

  1. 1
    Galileo GalileiEncyclopaedia Britannicaمرجعتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  2. 2
    Galileo GalileiHarvard Universityمرجعتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  3. 3
    Galileo GalileiOxford University Pressمرجعتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  4. 4
    Galileo GalileiUniversity of Cambridgeمرجعتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  5. 5
    Galileo GalileiUNESCOمرجعتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  6. 6
    Galileo GalileiNASA Scienceمرجعتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  7. 7
    Galileo GalileiRice Universityمرجعتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  8. 8
    Galileo GalileiMuseo Galileoمرجعتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  9. 9
    Galileo's Battle for the HeavensPBS NOVAتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  10. 10
    Galileo and the TelescopeLibrary of Congressمرجعتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  11. 11
    Galileo GalileiThe Holy Seeمصدر أوليتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z
  12. 12
    Galileo GalileiStanford Encyclopedia of Philosophyمرجعتاريخ الاطلاع 2026-09-29T01:58:03.672Z